أبرز محطات الحراك الطلابي الفلسطيني في لبنان

٠٥ أيار ٢٠١٨

عاشت الحركة الطلابيَّة الفلسطينيَّة في لبنان متغيَّرات اتسمت بالروح النضاليَّة والانكباب على العمل السياسيّ تارة، وبالخمول والانفكاك تارةً أخرى.

تأسَّست أولى التشكيلات الطلابيَّة الفلسطينية في لبنان عام 1956، وعُرفت بـ "رابطة الطلاب الفلسطينيين في بيروت"، والتي لعبت دوراً محورياً في تشكيل "الاتحاد العام لطلبة فلسطين" من خلال مشاركتها في المؤتمر التأسيسي بالقاهرة عام 1959، والذي جاء تزامناً مع الذكرى الثانية عشر لقرارِ التقسيم. وتنبع أهميَّة الاتحاد باعتباره باكورةَ العمل التنظيمي الفلسطيني في الشتات وأول مساحة للعملِ السياسيّ بعد "صدمة النكبة". 

شكَّل الحرم الجامعي فاتحة للقاء الطلاب الفلسطينيين المشتتين، وانطلاقة تبلور وعيهم السياسي عبر الانخراط في نقاشاتٍ وتفاعلاتٍ حول الواقع الفلسطينيّ، ما أثر بشكل مباشر على الصبغةِ السياسيَّة التي انطبع بها اتحاد الطلبة عند انطلاقته.

كان للأساتذة والمعلّمين دوراً حاسماً في فترة الستينيات أي ما قبل النكسة في تشكيل الحراك، فقد كانت كلماتهم وأفعالهم مصدر إلهام رئيسيّ للطلاب، خصوصاً عبر الندوات والمناظرات الجامعيَّة التي ساهمت في شحن همم الطلاب وإبقاء العمل السياسيّ ضمن أهدافهم الرئيسيَّة. وأبرز من تصدَّر تلك الصحوة هو المؤرّخ القومي قسطنطين زريق عبر جمعيَّة "العروة الوثقى" في الجامعة الأمريكيَّة في بيروت.

أما على الأرض، كان الاتحاد العام لطلبة فلسطين - فرع لبنان، ومعه كثير من الطلاب العرب، في طليعة المدافعين عن المخيمات الفلسطينيَّة حينما حاول الجيش اللبناني دخولها عام 1968، "إذ كانوا يحملون بأيديهم الحجارة وينقلونها شباناً وشابات لرصف شوارع المخيم بها".

على مر السنوات اللاحقة، تصدَّر الطلاب المشهد الاحتجاجي في لبنان من خلال تنظيمهم ومشاركتهم في التظاهرات والإضرابات المتتابعة لأسباب عدة، أبرزها: تلكؤ مصر في شن الحرب على الكيان الإسرائيلي، وتدمير الجيش الأردني لقواعد الفدائيين العسكرية في أيلول/سبتمبر 1970 والمعارك التي تلتها، وزيارة المسؤولين الأمريكيين إلى المنطقة، ومبادرة "روجرز" للسلام بين العرب والإسرائيليين. 

وما حصل في الجامعة الأميركية في بيروت في أيار مايو 1974 خير دليل على حجم مساهمة الفلسطينيين في الحراك الطلابي في لبنان. ففي ذلك العام، شلّ الإضراب الشامل أرجاء الجامعة رفضاً لرفع الأقساط بنسبة 10%، وتلاه تصادمات عنيفة بين الطلاب وقوات الأمن اللبنانيَّة تسببت بأضرار جسيمة في ممتلكات الجامعة. قرَّرت الإدارة على إثر هذه الأحداث طرد 103 طالباً بينهم 80 فلسطينياً. 

مع بداية العقد الثامن من القرن المنصرم، رفض الاتحاد مبادرة السلام السعوديَّة في قمة فاس عام 1981، على الرغم من ترحيب منظمة التحرير بها. وعقب اجتماع في مكتب الهيئة التنفيذيَّة في بيروت، وزَّع الاتحاد بياناً بعنوان "لا لمبادرة الأمير فهد بن عبد العزيز".

وشكَّلت زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى القدس وما تلاها من حظر قانونيّ مصريّ على جميع نشاطات الاتحاد العام للطلبة نقطة مفصليَّة في تاريخ الحراك الطلابي الفلسطيني في لبنان، إذ انتقل المقر الرئيسي للاتحاد من القاهرة إلى بيروت، ليحط رحاله في حلبة قتال عنيف كان الفدائيون طرفاً فيها. عندها، تحوَّلت "الكتيبة الطلابيّة" إلى "كتيبة الجرمق" وأصبحت ضمن قوّات الثورة الفلسطينيَّة، وقاتلت خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، حيث نفذَّت 42 عمليَّة ضد جنود الاحتلال في أقل من عام رغم ما كابدته من حصار وظروف صعبة. كما أنَّها كانت تسيطر على عدة محاور في بيروت منذ تأسيسها عام 1973 وأبرزها محور الكولا – الجامعة العربيَّة الذي شكَّلوا فيه محور دفاع مُتقدم عن قوى المقاومة في الفكهاني وصبرا.

نقطة التحوّل في مسيرة العمل الطلابيّ الفلسطيني في لبنان جاءت مع انسحاب منظمة التحرير من بيروت عقب الاجتياح الاسرائيليّ، إذ صدر قرار مماثل عن الاتحاد العام بالانتقال إلى تونس، وكان للأخير أثر مباشر على أوضاع الطلبة الفلسطينيين في لبنان. فالانسحاب نتج عنه إلغاء المنح الدراسيَّة للطلاب الفلسطينيّين، وفُقدت عقبه أي مساحة للعمل السياسيّ، خصوصاً وأنَّ الاجتياح تبعه حرب المخيّمات، التي رمت إلى استئصال الهويَّة الفلسطينيَّة جذرياً، مع وجود مشاركة في حرب المخيَّمات ففي شاتيلا استشهد أحد أبرز قادة "الكتيبة الطلابيَّة" علي أبو طوق، كما كان هناك عدَّة محاولات لإعادة أحياء تنظيم "الكتيبة الطلابيَّة".

اتَّسمت فترة ما بعد الخروج من لبنان باتجاه القيادة الفلسطينية إلى المسار التفاوضيّ، رافقها إهمال شبه متعمَّد للاتحاد، جرّاء معارضة الشباب الجامعيّين الحادة لأي خط سلميّ على حساب الكفاح المسلح.

الأمر الذي أدّى إلى تولد حالة تفكك وتيهٍ نتيجة اتفاقية أوسلو، وانعكست جليّاً في انسلاخ الطالب الفلسطينيّ عن القرار السياسيّ الذي تم حصره في رام الله مع انتقال القيادة الفلسطينية إليها. امتد هذا الوضع حتى سنوات قريبة، واتصف بانشغال اللاجئين الفلسطينيين بتأمين الأقساط والمصاريف الدراسيَّة في ظل زوال أي دعم، إلى جانب هاجس تأمين فرصة العمل الملائمة بعد التخرج، خصوصاً في ظل حرمان الدولة اللبنانيَّة اللاجئين الفلسطينيين، الكثير من حقوقهم المدنيَّة، الأمر الذي زاد من حدة الأوضاع المعيشية المزرية.

لم تكن تلك المستجدات وحدها على الساحة اللبنانية، بل شهد دور الجامعة تغيّراً تدريجيّاً، فبات تغييب القضيَّة الفلسطينيَّة سياسة متعمدة تنتهجها معظم الجامعات اللبنانيَّة. والمثال الأبرز على هذا التوجه هو إفراغ منهاج الجامعة الأمريكيَّة في بيروت* من أي محتوى سياسي فلسطيني، كما حصل مؤخراً مع فصل بروفيسور الدراسات الأمريكية من أصول فلسطينيَّة ستيفن سلايطة بتبريرات واهية، إلى جانب فرض رقابة شديدة بهدف تجريد النشاطات الطلابيَّة من محتواها السياسيّ، وهو ما جرى قبل أيام حينما رفضت إدارة الجامعة طلباً بإرفاق أسماء الشهداء الفلسطينيين مع ورود وُزّعت في يوم الأرض الفلسطيني.

 

* كانت الجامعة مسرحاً واسعاً للعمل السياسي الطلابي الفلسطيني خلال فترة الستينيات والسبعينينات.