أدوار

١٧ آب ٢٠١٧

رأيته يتسكّعُ في شوارعِ السّوق، لستُ أعرفهُ تماماً لأنّه يشيحُ بوجهه عنّي، كَأَنَّ النّاس تعرفُ أنّ فوق هذه البنايةِ قنّاصاً محترفاً... لكَ الحقّ في ألّا تنظر إليّ ولي الحق في أن أقتلكَ دون أن أحدّق في وجهك... ضغطتُ على الزناد وفي ذاكَ الجزء من الجزء من الجزء من الثّانية- ولصدفةٍ غريبةٍ عجيبة- قرّر القادة السياسيّون وقف الحرب والالتجاء للحلول السّياسيَّة. وصلَ الخبر متأخراً بواحدٍ بالمليون جزء من الثّانية، وضعتُ سلاحي جانباً وقرّرتُ الذّهابَ إلى المسرحِ لأكملَ بروفة كنتُ قد قطعتها مع بدء الحرب، وفي الطريق سأتعرّف على آخر ضحاياي؛ بل ضحايا الحرب كاملةً.

وهناكَ وصلت التناقضات ذروتها، كم كانوا سعداء وكم كان الآخرون تعساء. لو انتهى الأمر على نحو آخر، لكان للمستقبلِ شكلاً واسماً وفِكراً مختلفاً عمّا سيكون الآن، وهناكَ من نغّصت الحرب حياتهم فاحتفلوا، وخلفَ المنصّةِ صوتُ نواحٍ وهمسُ قرآنٍ يعزّي أهل الفقيد- الضّحية.

لستُ أدري أيّة مشاعر تكتنفني الآن؛ أن أكون أنا هو آخر القتلة، ولأكن متطرّفاً وأبالغ في الحدث أكثر وأقول إنّ رفيقي في المسرح هو الضّحية.

أمسكتُهُ من رأسهِ وقلت له: "صدّقني لم أقتلكَ لأنّ الشخصيَّة تمكّنت مني كما كنتَ ستفعلُ بي ذات يومٍ أمام الجمهور- ذكّرته بخلافنا المسرحيّ- لم أزل يا رفيقي مصرّاً على أنّ الممثّل لا يتقمَّص الشخصيَّة بل يلعبُ بها. لا تصدّق أنّ المسرح سيغيّرُ هذا العالم، فنحنُ نلعب، نلهو، نمثّل، وما يجري على الخشبةِ ليس أكثر من خيالِ مؤلّفٍ يعبثُ بأقدارِ شخصيّاته، عليكَ ألّا تصدّقهُ، وألا تكونَ ضحيّته مع الشّخصية الّتي تتقمّصها".

كلّ ما يجري خيال لا متّسع له في زخمِ وسرعةِ الحياة، أرأيتَ أنّها سريعة؟ أخبرتكَ مؤخّراً ولم تصدّق. قلتَ لي إنّها تمضي لغيرِ ما تمضي الحروب، وإن كانت الحروب سريعةٌ فالحياة على النقيض، هي سريعةٌ جدّاً يا رفيقي، هي الزمن ما بين انطلاق الرّصاصةِ وموتكَ، والدّراما هنا هي ما بين انطلاق الرّصاصةِ ووقفِ الحرب.

أيّهما أسرعُ إذاً؟

سأذهبُ إلى الخشبةِ وألعبُ دورَ الضّحية... سأحاولُ أن أتقمّصهُ، وسأجرِّبُ تماهي الممثّل مع الشّخصيَّةِ لأوّلِ مرّةٍ يا رفيقي... فربّما أكون مخطئاً.

يستطيعُ المؤلّف أن يكتُبَ "انتهت" هُنا والآن، كما يمكن أن تطولَ لتصبِحَ مسرحيةً... ويمكن أن تقصر لتصبحَ خبراً عاجلاً: "قنّاص مجهول الهويةِ يقتلُ مواطناً".

ولنتخيّل صدفة أخرى عجيبة لهذا اليوم الغريب؛ أن يكون قد انتشر الخبر وعُرِضَت المسرحية... لا شأن لي بما يعلّقه هواة الأخبار عمّا قرأوا، أمّا عن العرض؛ فقد قامَ غريبٌ من الجمهور، وبدلاً من أن يلقي الوردَ على الممثّلين خلع حذاءه وألقى به على فمِ المؤلّف، وصاحَ: "كأنّكُم تقولون إنّ الفن سيموت، والحرب ستنتصر، أهذا هو المستقبل؟".

لم يجد المؤلّف ما يردّ به إلا جملة تتكرّرُ كثيراً: "هذا خيال، ونحنُ لا ندّعي أنّ هذا ما يحدُث، المسرح والأدب لا يرويان الأحداث بل يخلقانها"، ابتلع ريقه سريعاً وأردف: "نحنُ نعرضُ التحوّلاتِ الهائلة في زمنِ انطلاق الرّصاصة"، أخذَ الغريب حذاءه ومسحَ عنه لعابَ المؤلِّفِ وغادرَ المسرح.

أُسدِلت السّتارةُ وأٌطفِئَت الأضواء وظلّ سؤال دور المسرحِ في المستقبلِ معلّقاً. هل يكتفي بتكثيف ما حدث، أم يسأل لماذا حدث ما حدث، أم ينتقلُ ممّا جرى إلى ما يرغبُ أن يصير؟

في الزّاويةِ البعيدة عن الخشبة، كان يجلسُ والد الضّحيةِ، وقالَ لمن يَجلِسُ بجوارهِ: "أعرفُ هذه الأحداث جيّداً، هل من جديد؟".