أرفض شعبك بيحميك

١٨ تشرين الثاني ٢٠١٦

في عام 2014؛ أسَّست مجموعة من الشبّان والشابّات، من جميع فئات المجتمع العربيّ الفلسطينيّ، حراك “أرفض، شعبك بيحميك”،  وهو حراك شبابيٌّ ووطنيٌّ ونسويٌّ يهدف أساساً إلى إسقاط التجنيد الإجباريّ المفروض على الشبان الدروز الفلسطينيين من قِبَل المؤسَّسة الصهيونيَّة.

تأسَّس الحراك تأكيدًا على أنَّ قضيَّة التجنيد الإجباريّ هي قضية فلسطينيّة عامّة؛ ولذلك، يتألّف الحراك الآن من ناشطين وناشطات من مختلف الأماكن والخلفيّات والفئات العمريَّة والذين يعملون سويَّة من أجل إسقاط التجنيد الجائر وبناء مجتمع فلسطينيّ موحد.

في عام 1949؛ وفي أعقاب سنّ قانون خدمة الأمن الإسرائيليّ، استُثني جميع الفلسطينيين من الخدمة العسكرية في جيش الاستعمار، لكن في عام 1956 فرضت المؤسَّسة الصهيونيَّة التجنيد الإجباري على الشبّان الدروز فقط.

يهدف التجنيد الإجباريّ أولّاً إلى عزل الطائفة الدرزيّة عن باقي الشعب الفلسطينيّ والأمّة العربية، ورافقتْ هذا المخطّط عدّة سياسات تهدف إلى إعادة صياغة هُويّة الدروز وربطها بالمشروع الصهيونيّ، إذ عملت الصهيونيَّة على خلق منهاج تدريسيّ خاصّ بالدروز منفصل عن المنهاج المخصَّص لباقي الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام 1948. ويهدف أيضاً إلى فصل الطائفة الدرزيّة كقوميّة خاصَّة كما فعلت في بداية الستينات حيث استبدلت كلمة “عربيّ” بـ”درزيّ” في الهُويّة، كما وفُصلت المجالس المحليَّة الموجودة في القرى الدرزيّة عن باقي المجالس والسلطات المحليَّة الفلسطينيَّة وشُكَّلت لجنة خاصّة بها.

وخلقت المؤسَّسة الصهيونية الأكاذيب وشوَّهت الواقع من أجل تعميق الشرخ بين الفلسطينيّين وتجنيد الدروز للمشروع الصهيونيّ، وأحد الأمثلة على ذلك هو ادِّعاء المؤسَّسة الصهيونيَّة المتكرِّر بأنَّ الدروز هم من طالبوا بالتجنيد، وأنَّ هناك “حلف دم” تاريخيّ بين الدروز واليهود؛ لكنّ ما يثبت عكس ذلك هو المبادرات العديدة التي قامت من أجل محاربة التجنيد وإسقاطه، إضافة إلى مواجهات وصدامات عديدة اندلعت بين الدروز ودولة الاستعمار على مدار سنين، نذكر منها أحداث قرية البقيعة عام 2007، حين داهمت الشرطة الإسرائيليَّة القرية لاعتقال أحد الشبّان بعد أن نصبت أعمدة كهربائيَّة مسرطنة داخل البلدة، ومثلها أحداث الزابود وأرض الخيط في قرية بيت جن، وأحداث الجلمة والمنصورة في قريتيّ عسفيا ودالية الكرمل.

حتى الآن، يرفض الإعلام الصهيونيّ-المجنّد لخدمة الأجندات الإسرائيلية-نشر المعطيات الصحيحة حول نسبة الدروز الرافضين، محاولًا أن يقلِّلَ من عدد الرافضين والمعترضين على الرغم من أنَّه أكثر بكثير ممّا يدَّعيه، وهي نتائج تمَّ التوصُّل إليها من خلال أبحاث أجراها باحثون فلسطينيون من جامعة حيفا.

وردّاً على هذه السياسات، يعمل الحراك على فضح هذه الأكاذيب وكشف الحقائق التاريخيّة المخفيّة حول الشبّان الدروز، أمام المجتمع والعالم أجمع، فرفضُنا للخدمة العسكريّة ينبع من رفضنا لهذا الواقع، وهو رفض لعملية غسيل الدماغ الطويلة التي ما زالت تؤثر على شبابنا حتى يومنا هذا؛ هو رفض للاحتلال ولسياساته ضد أبناء شعبنا في كافة أماكن تواجده؛ هو رفض لعملية عسكرة المجتمع، وهو رفض المكوِّنات الإسرائيليَّة التي تحاول المؤسَّسة أن تفرضها علينا وعلى هويتَّنا، وهو رفض الأفكار النمطيَّة التي خلقت بين فئات الشعب الفلسطيني نتيجة هذا الواقع.

بل أكثر من ذلك، هو رفض للقمع والذلِّ مهما كانت أشكاله، وذلك يشمل القمع المجتمعي ضدَّ المرأة والفئات المهمَّشة من المجتمع، وهو رفض الإقصاء والتهميش ورفض اعتبار ما تحاول المؤسّسة أن تفرضه كمسلَّمات لا يمكن تغييرها.

ولا نسعى فقط لتعزيز الرفض بين أوساط الشبان الدروز، بل بين أوساط النساء أيضاً، إيمانًا بأنَّ للخدمة العسكرية إسقاطات طبقيَّة وجندريَّة على الجميع، وبأنَّ نضال المرأة الفلسطينية هو نضال ضدَّ الاستعمار والقمع بكلِّ أشكاله وهو جزء من عملية التحرُّر الشعبيّة.

نسعى في الحراك لأن تصبح إمكانيَّة الاختيار واردة ومتاحةبالنسبة للشاب الدرزيّ، ولأنْ يتعرَّف الشباب على الخطوات الأخرى الموجودة التي بإمكانهم أن يتّخذوها بعد فترة الثانويّة غير التجنيد، وأن يعلموا أنَّرفض التجنيد الإجباري لن يؤثر سلباً على المستقبل الأكاديميّ أو المهنيّ كما تدَّعي المؤسَّسة، وأنَّنا يمكننا أن نسخِّر الطاقات لتطوير أنفسنا ولتطوير مجتمعنا بعيداً عن آليّات العسكرة الإسرائيليَّة، ويمكن رؤية ذلك من خلال قصص الرافضين الشخصية التي عملنا على توثيقها طيلة العام.

نحن نريد للمجتمع الدرزيّ أن يعود إلى هُويَّته الفلسطينيَّة والعربيّة، وأن يكون واعياً لحقيقة أنَّه حارب الاستعمار الإسرائيليّ خلال النكبة وحتى يومنا هذا كباقي الفلسطينيّين، وأنَّ العديد من القرى الدرزيّة استقبلت اللاجئين الفلسطينيّين من القرى والبلدات المجاورة لحمايتهم من الجيش الصهيونيّ، وأنَّ له قادة حاربوا الاستعمار الأجنبيّ، وأنَّ له امتداده الطبيعي وهو الأمّة العربيّة.

نريد أيضاً لباقي المجتمع الفلسطيني أن يلتفت إلى هذه القضيَّة، وأن يعرف هذه الحقائق، وأن ينظر إلى الشابّ الدرزيّ على أنَّه ضحية مشروع صهيونيّ قاسٍ وظالم وأنَّه بحاجة لشعب وحاضنة يحميانه.

يعمل الحراك على عدّة أصعدة، منها توفير الدعم القانونيّ والمعنويّ للرافضين من خلال شبكة الدعم؛ خاصَّة وأنَّ الشاب قد يمرُّ بصعوبات عديدة في مواجهته للمؤسّسة العسكريَّة، منها بيروقراطية وأخرى اجتماعيّة ونفسيَّة جرَّاء قراره رفض التجنيد.

كما نعمل على توعية الشبّان الدروز حول الواقع وكشف جوانبه التي أُخفيت عنهم، والمشاركة في جميع نضالات الشعب الفلسطينيّ كدعم إضراب الأسرى، والوقوف ضدَّ العدوان على غزة وغيرها.ونعمل أيضاً على كسر الصورة النمطيَّة عن الدروز وتوعية العالم على هذه القضيّة وكسب دعم العديد من الناشطين والناشطات والحركات، ومحاربة كلِّ أنواع التجنيد التي تحاول المؤسّسة أن تفرضها؛ ومنها الخدمة المدنيّة والخدمة الطوعيّة ومحاولة تجنيد المسيحيّين الفلسطينيّين تماماً كما فعلت مع الدروز من أجل زيادة الشرخ وتعميقه، إذ أنَّكلَّ هذه المحاولات تنبع من سياسة “فرّق تسد” التي تتبعها المؤسسة والتي تأخذ العديد من الأشكال.

وإضافةّ إلى ذلك، نشدّد أيضاً على الطابع النسويّ للحراك، ويمكن رؤية ذلك من خلال المبادئ التي يرتكز عليها الحراك، وطريقة العمل التي يتبعها، وعدد النساء والناشطات الفاعلات في الحراك.

نرى في الآونة الأخيرة ارتفاعاً في عدد الشبّان الدروز الذين يرفضون التجنيد الإجباري ويستعدُّون لتحمُّل جميع العواقب والصعوبات من أجل العيش الكريم، وهم نماذج للعديد من الشبان الذين تعتبر قصصهم جزءاً من واقع سياسيّ واجتماعيّ، ومن عمليّة تغيير وتحرُّر قد تكون طويلة وصعبة لكنّنا مستمرّون ومستمرّات نحو إسقاط التجنيد ونحو الحرية.