أعشاب ضارة

٠٦ أيار ٢٠١٧

مرة كنت طفلاً قصيراً بيدين قصيرتين، أي أنَّهما كانتا تخافان من الوصول إلى عينيّ؛ هذا وجعٌ في القلب، لماذا تنزفه العيون؟ هكذا فكرت، الأمر بسيط وليس عليَّ شرحه كلَّ مرَّةٍ، ثمّ إنَّ يدايَّ ليستا قصيرتين، إنَّهما فقط تخافان والدمع دافئ، ومن يحارب دفئاً ينسيه قامة هذا الليل وحكاية ميس المملة عن الغول؟ كانت ميس، مربية الميتم التي تحمل سنواتها الخمسين على بسمتها اليابسة، تخبرني دائماً أنَّ الغول، ذا العيون المشتعلة والقرنين الداميّين، يقفز كلّ ليلةٍ من فوق الجدار الذي تتعب الشمس كلّ صباحٍ بينما تحاول تسلقه بخطوةٍ واحدة، يتجول في عتمة الميتم باحثاً عن المشاغبين الذين لم يلتزموا بموعد النوم المحدد ليلتهمهم ببطء واستمتاع. أنا بالتأكيد لم أخفْ، عينايّ كانتا ثابتتين وتملؤهما الدموع الدافئة التي لا تعني أبداً أنَّ الغول يمكنه أنْ يرعبني. لكن ميس، العجوز التي لم تكلف نفسَها عناء ملاحظة ذلك، بدأت تخبرني مواسيةً أنَّ الغول لن يأكلني، ليس لأنَّ طعمي مرٌّ بالطبع، لا بل لأنَّني قصير وسيتعبه النظر للأسفل بحثاً عني.

أنا لست قصيراً، بل إنَّني أنشط منهم جميعاً، طبعاً لست "قرداً" كما يتهامسون من خلف ظهري، وميس العجوز لم تنجح في جعل دموعي الدافئة ترتدي رعبها. في الحقيقة، كلّ ليلة، وبينما يغمض بقية أطفال الميتم عيونهم كي لا يلتقوا بالغول، كنت أبقي عيناي الصغيرتين مفتوحتين كصنبور المياه الذي أتركه مفتوحاً مشاغبةً، محدقتين في السواد، الفراغ الملون بما أرادت ميس أن يكون رعباً ولكنه صار انتظاراً، أنا في ذلك الظلام كنت أمسك بشدّة بسكين دفعت ثمنها جرحاً في قدمي بينما أحاول الهرب من مطبخ الميتم دون أن يلاحظني أحدٌ -عدا خوفي بالطبع، سرقتها من المطبخ وها أنا الآن أعيد للمرة الألف سيناريو المواجهة مع الغول، أنا بالتأكيد لم أبلّل فراشي كما ادعت ميس صباح اليوم التالي، أنا فقط أسلت دماء الغول، أنقذت كلّ أطفال الميتم بل ربما أطفال ما وراء الجدار أيضاً!

أنتم بالتأكيد تعرفون الغول، ألم تكونوا أطفالاً مرةً ما؟ عاد أنا من أراحكم منه ولكنه كان الشيء الوحيد الذي أعرفه عما وراء الجدار بالإضافة إلى الميدان العام والنافورة التي حدثنا عنها صديقي أحمد. كنت، ومنذ طفولتي في هذا الميتم المزروع بالأطفال الذين ولدوا من العدم كأعشابٍ ضارةٍ أو أسوأ. أنا بالعادة شخصٌ لا مبالٍ، إنني ولسنوات تجاهلت الجدران المتسخة، والأسِرَّة التي تعزف لحنها كلما تمددت عليها، تجاهلت الطعام الذي تخاف عيناي منظره، إنني لم أفكر يوماً بالشكوى، نحن الذين لم نختر لا الولادة ولا أن نكون أعشابَ ضارةً بإمكاننا أن نكون صنفَ لا مبالين جيداً، لكنني في الحقيقة كنت أستيقظ باكراً كل صباح لأراقب بفصولٍ الشمس بينما تتسلق كعجوزٍ مرهَقةٍ الجدار الطويل المليء بالرسومات الباهتة حول الميتم.

 أنا أحب الشمس، إنها على الأقل تبذل جهدها بعكس الغيوم التي تتجاوزه بسهولة. أنا لن أكذب، لست أكره الغيوم ولا المطر، لكن القصة أن الأصوات التي تلاحقني كلما نزلت قطرات المطر مزعجة. إنها وإذ يشتد المطر تصير كما لو أنها تحفر بعنفٍ مكانها في عقلي، المطر يهطل كلماتٍ في رأسي، أحاول الإنصات ولكنني لا أفهم ما القصد، وأنا أكره ما لا أفهمه، لا، لا بالتأكيد لست أخاف منه!

في العادة أشعر كما لو أن الجدار يسرق مني شعوري بذاتي، وإذا ساء حظي وقررت السماء البكاء أيضاً ونزلت الأصوات مطراً على عقلي يعني أن رأسي الصغير سيبدأ بالتصدع ثم الانفجار كالحجارة التي أضربها بغضب على الجدار كل صباح! وأنا الذي حرر أطفال الميتم من الغول تتفتَّتُ لا مبالاتي أمام رغبتي في رؤية العالم من فوق الجدار، أمام رغبتي في فهم تلك الأصوات، هذا يدهشني، في العادة أقابل كل ما حولي بعيون باردة يستوطنها الفراغ، أنا يا رجل التهمت لامبالاتي رغبتي في التذكر حتى. علاقتي مع التذكر كانت دائماً شائكة؛ مثلاً ومنذ ما لا أذكره تماماً أضطر لكتابة كلماتٍ دالة على كفِّ يدي لأتذكر ما أريد فعله. لا، أنا واثقٌ أنني لست مصاباً بالزهايمر، أنا فقط لم أكن مهتماً بالتذكر، ما الفائدة من أن نسمح لكل هذا الروتين أن يصير لغةً؟ ها، ما الفائدة؟ أنا لا أريد التذكر أصلاً!

في الواحدة التي توافق هذه اللحظة تسرق غيمةٌ قطعةً من السماء بعد أن خانتني شمس الصباح العجوز، الغيمة السارقة وبعد أن غضبت عليها بدأت بالبكاء، دموعها باردة، تنزل في رأسي غير مرتبةٍ كأصوات عبث العجوز ميس في مطبخ الميتم، تهمس: "ما أطول الدرب وما أتعس العمر" يزعجني ما لا أفهمه، ما الذي تقصده؟ رأسي الصغير لا يحتمل والفهم المتأخر لكل هذا العبث ليس مفيداً، وحتى أن تفهم متأخراً ليس خيراً من ألَّا تفهم؛ فالذين لا يفهمون مرتاحون أكثر، أنظر بعيون فارغةٍ إلى الغيمة وأهز رأسي باقتناع محاولاً الهرب من تلك الرغبة الضارة في الفهم.

لقد قررت أن أسأل العجوز ميس، إنها تعرف أساطير ما بعد الجدار وسنواتها الخمسون تغريني بأن أستشيرها، وبالمحصلة إنها ليست من أرض الأعشاب الضارة هذه لكنني في العادة لا أتكلم مع أحد بيد أن كل ذلك الصداع وتلك الرغبة اللامتناهية في الفهم التي تدوس كل لا مبالاتي يقلّمان خياراتي ببطء. وأنا تشجعت، رتبت للمرة الأولى جملاً في عقلي، انتظرت مجيء العجوز ميس اليومي لتحذيري من الغول الذي أرحت العالم منه أصلاً وبدأت تتسلل لعقلي خيالاتٌ عن أجوبة ستريح رأسي بالمثل.

العجوز ميس جاءت مكمِّمةً أفواه خطواتها كي لا تقلق ليل الصبية النيام بيد أن صرير سريري الحديدي البائس عندما أسندت قامتي أفسد عليها رفقة الصمت، نظرت نظراتٍ شعرت بأنها حادة وجاءت إلى جواري وقبل أن تبدأ بتوبيخي بدأت بشرح حكايتي مع الأصوات، قلت الكثير من الأشياء، قلت أنه وكلما أمطرت السماء تهدم أسوار عقلي جملة همس المطر تلك، ما الذي يعنيه: "ما أطول الدرب، وما أتعس العمر"؟ قلت واتسعت عيناي في انتظار جواب يذيقني الدهشة ويريح هذا الرأس الذي تشقق بالصداع لكن العجوز ميس تملكها رعبٌ لم أفهمه، أنا إلى الآن لم أستطع فهم هلعها، تصرفها كما لو أن هذا الحديث لم يحدث، مغادرتها مسرعة بلا أن تحرك حتى شفتها التي تدلت إلى الأسفل رعباً، تملكتني حيرة غريبة، وقضيت كل تلك الليلة وأنا أفكر وقررت: أنا سأتبع خطوات صديقي أحمد.

صديقي أحمد، في أول مرةٍ تسلل فيها خارج الجدار الطويل المليء بالرسوم الباهتة، قرر أن يسبح عارياً في نافورة الميدان العام، كانت باردة، يؤكد دائماً أحمد، ولكنه غطس، سبح ولم يهتم. طبعاً ما هي النافورة أو ما هو الميدان العام أسئلة غير مهمة، نحن بأفواه مشرعةٍ كمطاراتٍ للدهشة نستمع، لا يهم الفهم، إنه قد يفوت علينا دهشة اللحظة وأحمد يحكي، كان يهذي كمن لمس الشمس أو وصل حافة العالم، والولد محق، لقد قفز عن حافة العالم نفسها! أحمد كان الأخير الذي وصل الميدان العام بل الذي تجاوز الجدار، من بعدها صعد غضب مخيفٌ إلى وجه ميس العجوز، كبرت عشر سنواتٍ أخرى ولم تعد هنالك بسمةٌ يابسةٌ حتى، والكل تملكه الخوف، صعدت أسطورة ما وراء الجدار المستحيلة، بدا الجدار أطول وأكثر إغراءً بصعوده أو أنني شعرت بأنني قصيرٌ أكثر، وأحمد كان الوحيد الذي يمنح صورتها الباهتة القليل من الألوان بهذيانه، لكنني لست واثقاً أنه تذكر؟ هل أصيب بالفهم أيضاً؟

 

إنَّني وبينما تمزق الأسلاك الشائكة بنطالي في محاولتي البائسة للمس أسطورة ما بعد أرض الأعشاب الضارة وقعت. رأسي الذي ارتطم بالطين المبلل ارتج، تذكر. في البداية لم أصدق، أنا أي نعم لست مباليًا ولكن ذلك لا يصدق، إنكم ستقولون أنني مجنون، أنا مجنون وقردٌ أيضاً لو أردتم ولكن ليس إلى هذا الحد. أنا الذي أراحهم من الغول لم يصدقني أحد، العجوز ميس عندما علمت بما أخرف عزلتني في غرفة ضيقة ومظلمة كما لو كنت طاعوناً، أنا لم أكن سوى لا مبالٍ قصير يحب القفز كقرد –إن أردتم-وأحب أن يرى العالم لكنه وقع وتمزق بنطاله، هذا لم يكن أسوأ ما في الأمر، الأسوأ أنه تذكر، فهم لسوء حظه. إنهم يمسحون ذاكرتنا، يحرصون ألَّا نصل ما وراء السور، في كل أسبوع يزيدون الأسلاك الشائكة فوق السور، ويزرعون الباحة بالكاميرات، وميس منهم أيضاً إنها وإن عاملتنا بلطف أحيانًا فذلك لأنها لا تريدنا أن نخرج أيضاً. هل نحن خطرون على ما وراء الجدار، ما وراء أرض الأعشاب الضارة إلى هذا الحد؟ لماذا يخافون أن نتذكر؟ لا زلت لا أصدق تماماً، تزداد هذه الغرفة الضيقة ظلاماً وأنا أغرق في المسافة الفاصلة بين الفهم والتصديق، إنهما ليسا شيئاً واحداً، ثمَّة هاوية بينهما لكنني لست مغرماً بتجريب الطيران فيها بالمرة. نحن في أرض الأعشاب الضارة كنا في البداية قطرات مطر، بإمكانكم ألَّا تصدقوني ولكننا كنا قطراتٍ تردد: "ما أطول الدرب وما أتعس العمر" ولغايةٍ لا يعلمها إلا الله صرنا بذورًا، كبرنا في بطن الأرض، وولدنا أشجارًا، نحن في الحقيقة ولدنا أشجاراً، لم نكن يوماً أعشاباً ضارّة ولكنهم يخافون من الأشجار، وأنا الذي أصيب بالتذكر والذي حبسوه كطاعون في غرفةٍ ضيقة تحاصرني خيالاتي، تمنيت لو أسقط قطرة مطر، أكبر في بطن الأرض شجرةً بجوار الجدار وأسمح لجذوري بالتنفس خلفه، أريد أن أعبره ولو جذوراً فقط، ولو مرة واحدة! ميس تأخرت، هل هو الموت هذه المرة؟