أمجد منصور شهيد لقمة العيش المغمَّسة بالدم

٠٦ شباط ٢٠١٩

ودَّعت بلدة بدو شاباً لم يتجاوز الواحد والعشرين عاماً، ليحوَّل ربيع عمره إلى خريف. استيقظ الشاب أمجد عمر منصور في صباح يوم 5 شباط طالباً لرزقه ومقاتلاً من أجل لقمة عيشه، ولم يكن يعلم أنَّه سيفقد حياته في ذلك اليوم نتيجة لسقوطه من أعلى بناية قيد الإنشاء على مفرق المحطب في مدينة رام الله.

أودت رافعة غير مثبتة بحياة أمجد وأدَّت لإصابة زميل آخر له في العمل بإصابة متوسطة. فبينما كانا يقومان برفع مضَّخة بواسطة الرافعة غير المثبتة، سقطا، ليلقى الأول مصرعه، ويصاب الثاني، فهنا في فلسطين تأتي لقمة العيش مغمَّسة بالدم.

أصبحت انعدام شروط السلامة العامة وغياب الرقابة أسباباً متكرَّرة في تغييب المئات من الفلسطينيين عن عائلاتهم، فالبناية التي لقي فيها أمجد حتفه أُغلقت خمس مرات من قبل، لأسباب عديدة؛ كونها تعدت حدود البلديَّة، وصادرت الرصيف، كما أنَّ أحد الطوابق يعتلي الإشارة الضوئيَّة، وتُعتبر جميع هذه الأمور مخالفات واضحة لقوانين البناء. وتتجه أصابع الاتهام الآن بلا شك للجهات الرقابيَّة والحكوميَّة، فهل سيعاد العمل في المنشأة كما عاد في الخمس مرات السابقة؟!

بالتزامن مع ارتفاع معدلات الفقر وتسارع وتيرة البطالة والتي وصلت إلى حوالي 30% خلال الربع الأول من العام 2018 وفقاً لجهاز الإحصاء المركزيّ الفلسطينيّ، وكان عدد العاطلين عن العمل عام 2017 قد بلغ حوالي 364 ألف شخص، بواقع 146 ألفاً في الضفة الغربية و218 ألفاً في قطاع غزة. وبذلك يضطر الشباب الفلسطيني إلى البحث أن أي عمل ويفتح المجال أمام رأس المال لاستغلال هؤلاء الشباب دون تقديم أدنى الشروط؛ من شروط السلامة العامة إلى الحد الأدنى للأجور والتأمين الصحي. وهنا يُطرح تساؤل مهم عن دور النقابات العماليَّة في هذا الحال الذي يزداد سوءاً مع الوقت.

أحياء أموات يلتقطون أرزاقهم وهم لا يمتلكون أدنى مقوّمات السلامة المهنيَّة التي تحافظ على أرواحهم، وليس هناك من يُجبر رأس المال لتوفير التأمين فهم يتجنبون تقديم التعويضات العماليَّة و"الخسائر" المالية بكل الطرق الممكنة. ماذا عن قانون العمل؟ فيبدو أنَّ هذا القانون القاصر يهدف إلى حماية العاملين/ات في المكاتب فقط، بينما الواقع مختلف تماماً. ولا أحد يلتفت إلى العامل/ة إلا في الحالات النادرة التي يتم فيها اللجوء إلى القضاء. وما المراقبة على أصحاب العمل والشركات المقاوِلة لضمان سلامة العمال إلا روتيناً لا يتجاوز بضع ساعات على مدار العام.  

يأتي علاج السبب أهم من تفادي النتيجة وعلى الجهات المعنية أن تبدأ في بحث السبل لحماية العمال قبل وقوع كوارث مثل هذه. فيجب تطبيق وتحسين قانون العمل لحماية العمال من أرباب العمل، وتحديد الأجور، وساعات العمل، وتوفير مقوّمات السلامة المهنيَّة، وتوقير بيئية العمل المناسبة لتفادي وقوع الإصابات.

ومن الضروري تفعيل الرقابة على مواقع العمل بشكل دوري سواء كان على الشركات أو الأعمال الحرفيَّة لضمان حماية العامل وتوفير شروط السلامة المهنية، ولا يقتصر ذلك الدور على المؤسَّسات الحكوميَّة، بل يجب أن يكون لنقابة العمال دوراً مهماً لحماية واحترام كيان العامل في بيئة العمل، ويجب أن تكون أكثر صرامة في الرقابة على العلاقة بين أرباب العمل والحكومة للتأكد من حصول العمال على حقوقهم العمالية من تعويضات وإصابات العمل والإجازات السنوية وبدل المخاطرة.