أوسلو: العائدون إلى الجنة؟

١١ تشرين الثاني ٢٠١٧

صفّق حشدٌ كبير أمام البيت الأبيض في واشنطن بحرارة، بينهم هينري كسينجر "مهندس السلام بين مصر وإسرائيل"، ووزير الخارجيّة النرويجي، ووزير الخارجيّة المصريّ، وطبعاً الرئيس الأمريكيّ بيل كلينتون. توسّط الأخير الرئيسَ الفلسطينيّ آنذاك ياسر عرفات، ورئيسَ الوزراء الإسرائيليّ إسحاق رابين.

سلامٌ حارّ بين رابين وعرفات، ولكن دون قُبل على غير العادة. المهمّ؛ لا أحد من أبطال هذه القصّة الصحفيّة كان ضمن المشهد المُمسرح أعلاه، ولم تُقدّم لهم التحيّة يوم توقيع اتفاقيّة أوسلو في أيلول 1993.

وُلِدتُ أنا بعدها بعشرةِ أشهر، وسمعتُ على مدار 12 عاماً في الإذاعة المدرسيّة الصباحيّة عرفات يقول يوميّاً: "إنّ المجلس الوطنيّ، يُعلن باسم الله وباسم الشعب العربيّ الفلسطينيّ قيام دولةَ فلسطين فوق أرضنا الفلسطينيّة وعاصمتها القدس الشريف". كنتُ أظنّ أنّ "دولة" كلمة ممنوعة من الصرف، لأنّه كان يلفظ آخرها- خطأ- بالفتح رغم أنّها مجرورة، وكنتُ أظنّ أنّ الدولةَ تستحق الاحتفاء بها كلّ صباح. كنت أظن، وكنت أظن، وخاب ظنّي.

إحنا مين وهمّ مين؟

كان محمود أبو هشهش في 13/9/1993 طالباً في جامعة بيرزيت، يذكر أنّ زميله في السكن الجامعيّ أمضى يوميْن وهو يبكي بعد توقيع الاتفاقيّة، محذّراً أنّها ستفتّتنا وتشتّتنا، وكأنّها نبوءة.

يومها، ركب شبابُ فتح- كما يسمّيهم- سيّاراتهم، وتجوّلوا في بلدة بيرزيت يُطلقون زماميرهم احتفالاً بأوسلو، استفزّ ذلك أبو هشهش فلم يستطع إلّا أن يشتمهم. ما إنْ انطلقت الشتيمة حتى توقّفت السيّارات فجأة، يتذكّر أشكال وجوههم حين همّوا برميِه بالحجارة، ثم لحقوا به: "لحقوني، صرت أفوت بين البيوت، ضليتني أركض أركض، وكنت حاسس إني رح أنقتل. يومها عرفت إنّه خلص، فتح صارت سُلطة".

أمين المكتبة سعيد حجّة كان خرّيجاً من جامعة النجاح آنذاك، والأهمّ أنّه كان في صفوف حركة فتح، وممنوعاً من السفر لأنّه سبق واعتُقل في سجون الاحتلال، أصبح بإمكانه أن يسافر بعد توقيع الاتفاقيّة، ما يعتبره مكسباً جيّداً، يُضافُ إلى لقائه أقاربه بعد غياب طال عقوداً في الغربة، وقد مكّنتهم أوسلو من زيارة فلسطين: "أوسلو إلها إيجابيّات".

لكنّ حجّة وجد نفسه في حيرة مطلع التسعينات، وصف حالته قائلاً: "أنا حطّوني بمتاهة، أبقى أناضل؟ فيه حلّ؟ فيه سلام؟ وحتى أوسلو لم تُطبّق، وما فيه إشي يحميني". ما طُبّق حتماً مع أوسلو هو تأسيس الوزارات والأجهزة الأمنيّة، فعُرضت عليه وظيفة في أحد الأجهزة الأمنيّة التابعة للسُلطة.

"أنا من حقي كمناضل آخذ وظيفة، بس كوني بجهاز الأمن يعني رح أضطر في يوم أعتقل ابن حماس وابن فتح المعارض للسلطة وابن الجبهة الشعبيّة، كيف أعتقل رفيق درب كان يناضل معي ضدّ الاحتلال؟ رفضت".

كان حجّة ورفاقه يغنّون دوماً: "لأجعل عظامي جسر ليعبروا الثوّار"، ويرى أنّ الثوّار قد عبروا فعلاً، ليبحثوا عن المناصب، وليبنوا أنفسهم، لا لبناء دولة.

تواجد سعيد مع الجموع المُستقبِلة للفدائيّين في أريحا، قال متحمّساً بصوتٍ منخفض: "كُنّا بس نسمع إنّه فلان أخوه فدائي، نتطلعله باحترام وهيبة، إنت عارفة شو يعني؟ يعني هاد عاش الـ82، وعاش أبو عمّار، وتابعنا تحرّكاته في سوريا ولبنان والأردن بالسرّ... رُحنا نستقبل هالأسد، بدنا نشوف كيف شكله".

 

عائد إلى الضفّة الغربيّة

قبل 24 عاماً، استيقظت بيان شبيب وأمّها سعاد شهابي في بيتهما بدمشق لتجدا الأب، الباحث والصحفيّ سميح شبيب، مختفياً. تلقّيتا مكالمةً هاتفيّة لاحقاً لتعرفا أنّه وجد طريقه وخرج من سوريا، والتحق بـ"حلم العودة" كما سمّاه، ويوصي زوجته بأن تلاقيه في الأردنّ لتتمّ معاملات التأشيرات.

خرج أهالي حيّ بأكمله في دمشق ليودّعوا بيان وأمّها، كانت تُسمع الزغاريد على الشرفات، احتفاءً وتأثّراً بواحدة من أولى العائلات العائدة إلى فلسطين.

قبل ذلك، تأرجحت حياة العائلة بين بيروت وتونس، وصولاً إلى قبرص، حيث كان يعمل شبيب في مركز الأبحاث الفلسطينيّ- إحدى مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينيّة- وبقي في قبرص 15 عاماً إلى أن اندلعت حرب الخليج، وطالت شظايا الحربُ منظّمةَ التحرير.

الفلسطينيّون الذين كانوا في قبرص آنذاك، إمّا لجأوا إلى أوروبا، أو عادوا إلى المخيّمات التي خرجوا منها في الثمانينات. عاد شبيب مع عائلته الصغيرة إلى سوريا، باعتباره وزوجته شهابي فلسطينيّان سوريّان، ولم يكن حال شهابي المحامية مختلفاً بشكلٍ كبير؛ عملت في مجلّة الأطفال "أشبال" التي تصدرها المنظّمة، إلى توقّف إصدارها بُعيْد حرب الخليج.

كانت سوريا أوّل اندماج حقيقيّ- على الرغم من صعوبته- قد حظيت به بيان (15 عاماً): "رغم أنه ما فيه عنصريّة اتجاهي كفلسطينيّة، كان لازم نذوب بالهويّة القوميّة العربيّة السوريّة، المسرح المدرسي كان تابع لطلائع البعث، فكنت دائماً تلقائياً أقدّم نفسي كسوريّة". 

فلسطين تُذكر يوميّاً في المنزل، الأبُ يرفض فكرة أنّه لاجئ، الانتفاضة الأولى تُبثّ على التلفزة السوريّة بكلّ ما فيها من قسوة، أنباءٌ عن مباحثات سلام. رفضت بيان العودة إلى فلسطين، لأنّها لا تحتملُ انتقالاً آخر، وفلسطين تلك التي تراها على التلفاز ليست مكاناً للحياة، بل للموت.

"كانت صدمة دخولي لرام الله، شفت ساتالايتSatellite  مسموح جهراً. الناس حاملة موبايلات، شوارع أنظف من دمشق، فيلا حجر أبيض بتشبه الأحياء الغنية بسوريا، ليه ما كنا نشوف هيك عالتلفزيون؟".

 

هذي فلسطين؟

عام 1995، قال معلّم فلسطينيّ في مدرسة بعمّان للطلبة متأثّراً: "زميلكم يزن رح يترك المدرسة، لأنّه راجع على فلسطين"، كان يزن شروف في الصفّ الأوّل الابتدائيّ، حين أتى والده لاصطحابه من المدرسة، وودّع زملاءه لأنّه وعائلته سيكونون ضمن الدفعة الثانية من "العائدين" بعد أوسلو.

"كنّا نسمع بفلسطين، وكنت أعرف إنّه بما إنّه بدنا نرجع، معناه تحرّرنا"، يتذكّر شروف أنّه جلس بجانب والده في الحافلة، عبروا الجسر بين الأردن وفلسطين، وقال أبوه إنّهم وصلوا فلسطين، فنظرَ الصغيرُ من الشبّاك، ليرى أعلاماً "إسرائيليّة".

    •    هذي فلسطين؟

ضحك الأبُ وقرّر أن يؤجّل الشرح.

قال شروف إنّ عائلته وقعت ضحيّة للصورة النمطيّة التي تمّ تناقلها عن "العائدين"- التسمية التي أُطلقت عليهم وما زالت، حتى بعد مرور 24 عاماً رُغم أنّهم يرفضون هذه التصنيفات- يوضّح قائلاً إنّ المجتمع من حولهم كان يظنّ أنّ العائدين هم من رجعوا واستولوا على كلّ الامتيازات، الوظائف الجيّدة والمستوى الاجتماعيّ الرفيع والإعفاءات الجمركيّة، وذلك بسببِ فئةٍ مستفيدة صغيرة تنطبق عليها هذه المواصفات.

عام 1997، طرق باب العائلة موظف في الجهاز المركزيّ للإحصاء، ضمن تعداد السكان الأوّل، وعلت وجهه علامات استفهام، سألهم مراراً: "انتوا عائدين مزبوط؟"، لم يصدّق أنّهم يسكنون بيتاً بالإيجار بأثاثٍ متواضع، ولا يملكون سيّارة.

بينما اضطرّت عائلة شبيب أن تبيع منزلها في دمشق لتدفع ثمن إيجار شقّةٍ في رام الله لعامٍ واحد، واقتنتْ أثاثاً مستعملاً، امتلكه مستوطنون قبلهم ثمّ بيعَ في سوقٍ مفتوحٍ قرب رام الله بسعرٍ زهيد. 

 

الدٌّفعة الأخيرة

"مات رمضان البطة فقيراً، حسابه المصرفيّ يضمّ أربعة أصفار إلى يمين الرقم ثلاثة، وأمامها أبعد قليلاً إشارة السالب، ففي سعيه للإنفاق على ابنه وابنتيه، طلبة جامعة بيرزيت، كان يسحب على الحساب رواتب الشهور اللّواحق...".

جاء ذلك في كتاب "نصب تذكاري"، للكاتبيْن حافظ أبو عباية ومحمد البيروتي؛ أمّا تفاصيل حياة "العائد" الراحل رمضان البطّة، ترويها لـاتجاه ابنته هند، كما لملمتها من حكايات أمّها "أمل".

التحق البطّة عام 1967 بحركةِ فتح، وأصبح فدائيّاً يشاركُ في معسكرات منظمة التحرير الفلسطينيّة، قضى بعدها عاميْن في سجون الاحتلال، لكنّ ذلك لم يثنيه عن التخطيط لعمليّة فدائيّة عام 1971 مع ستّةٍ من رفاقه. كشفَ الاحتلالُ الخليّة. قضى رمضان حياته الباقية لا يستطيعُ تحريكَ ذراعه اليسرى بسببِ إصابته في الاشتباك المسلّح إثر كشف الخليّة، سمع أهله في قلقيلية أنباءً عن استشهاده فأقاموا له بيت العزاء، ثمّ تبيّن لهم أنّه على قيد الحياة، لكن حُكم عليه أن يبقى في قيدٍ مدى الحياة.

قضى 15 عاماً في الأسر، إلى أن تحرّر في تبادلٍ للأسرى عام 1983، وتزوّج "أمل" وعاشا في الأردن. استمرّ في عمله بالمنظمة، وكان مسؤولاً عن القطاع الغربيّ، أي عن العمل الفدائيّ في الضفّة الغربيّة. لم يكن في مأمنٍ من الاعتقال بسبب نشاطه السياسيّ؛ فاعتقلته السلطات الأردنيّة مرّتيْن، وجرّدته وعائلته من الجوازات الأردنيّة عام 1991، باستبدالها بجوازاتٍ أردنيّة مؤقتة.

رغم كلّ ذاك التضييق في عمّان، عارضَ البطّة "أوسلو" من موقعه داخل المنظمة، لذا لم يعُد إلى الضفّة الغربيّة إلّا مع الدفعة الأخيرة من العائدين عام 1996.

"معارضته للاتفاق ما قلّلت من فرحته، أمي بتحكيلي كان إله خاطر يوزّع العفشات عالجيران ونخلص ونروّح. أمي- وبعد ما تتغزل بطقم الكنبايات الي كان عنا أبو 12 كرسي- بتحكيلنا إنه الزلمة الي اشترى الأغراض قدّر ثمنهن بـ1500 دينار، وطبعاً أبوي وافق على طول، المهم نروح". 

أخبرَ رمضان أبناءه فرِحاً بأنّهم سيذهبون إلى "الجنّة"، لكنّ زوجته راودتها الشكوك، ولم تكن على القدرِ ذاته من الحماسة، فحاولت تجديد تسجيل أبنائها في مدرسةٍ أردنيّة، إلّا أنّ إدارة المدرسة رفضت، وأبلغتها بأنّهم من الآن فصاعداً فلسطينيّون.

الليلة الأولى كـ"فلسطينيّين" في قريةِ حجة قرب قلقيلية: ظلامٌ دامس بعد الساعة الثامنة مساءً، لأنّ القرية لم تكن قد وصلتها شبكة الكهرباء، والأبناء يبكون يريدون مشاهدة التلفاز، ولا أثر لجنّةٍ في الأفق.

قرّرت العائلة الاستقرار في مدينة جنين بعد تعيين الأب نائباً للمحافظ فيها، واستحقاقه رتبة عميد. حُدّدت رُتب "العائدين" آنذاك- وفقاً لأكثر من رواية- حسب عدد سنوات النضال والمستوى التعليميّ، وكان البطّة حاصلاً على درجة البكالوريوس من جامعة بيروت العربيّة.

توفيّ الأبُ في رام الله عام 2010، قبل أن يتمكّن من ضمان راتبِ تقاعدٍ يكفي أبناءه من بعده، ولا أن يخفّف حدّة نقده للسُلطة.

- "بنحبّ البلد قد ما كان يحبها، حتى لو جينا ولقينا الكهربا قاطعة، والناموس هَسّ بدننا هسّ."