إجراءات لتقويض العمل النقابي وتهميشه

٣١ تموز ٢٠١٨

نحتت ممارسات السلطة الفلسطينيَّة في الآونة الأخيرة، والمتمثلة في أجهزتها التنفيذيَّة والقضائيَّة، مسارًا واضحًا من أجل تقويض العمل النقابيّ وتهميشه، فعملت جاهدة على نصب الحواجز لمنع حصول اعتصامات وتظاهرات، واعتقلت الفاعلين في هذه الحراكات، وصولًا إلى قرارات محكمة العدل العليا "بعدم قانونيَّة الإضراب" في محاولة لتجريم العمل النقابيّ وإبطال أحد أهم وسائله ألا وهو الإضراب عن العمل. 

في 27 تشرين الثاني 2017 عادت نقابة العاملين في الجامعات الفلسطينية إلى الإضراب من أجل تحقيق مطالبها؛ إبقاء مكافأة نهاية الخدمة للجامعات المنضمة لصندوق التعاقد، والالتزام بصرف علاوة غلاء المعيشة، وربط المستحقات بسعر صرف العملة، وتمديد سن التقاعد، ومطالبة السلطة بدفع مستحقّات الجامعات. وكان الإضراب قد عاد بعد إيقافه لمدة أسبوع لإعطاء مهلةٍ للحوار، وبعد فشل الحوار عاد الإضراب من جديد، لتردّ إدارة جامعة النجاح الوطنيَّة على الإضراب برفع قضيَّة إلى محكمة العدل الفلسطينية، التي قضت بعدم قانونيَّة الإضراب بعد ما يقارب الأسبوع من رفع القضية ولينتهي إضراب العاملين في الجامعات. 

وفي تعقيب مؤسسة الحق على رفع جامعة النجاح قضية على اتحاد الجامعات قالت "الإضراب مكفول في القانون الأساسيّ والعهد الدوليّ الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة اللذين انضمت إليهما دولة فلسطين بدون تحفظات، والاتفاقيات والتوصيات الصادرة عن منظمة العمل الدوليَّة بشأن حريَّة العمل النقابيّ وبخاصة الاتفاقيَّة رقم (135) التي أكدت على توفير الحماية والتسهيلات لممثلي العمال في المؤسسات لتمكينهم من أداء مهامهم بسرعة وفعاليَّة؛ والتوصية رقم (92) التي أكدت على أنَّ الوسائل البديلة لممارسة الإضراب لا يمكن تفسيرها على أنَّها تقيّد الحق في الإضراب بأيّ شكل من الأشكال."

بدوره قال نقيب العاملين في جامعة بيرزيت سامح أبو عواد إنَّ القرارات التي تصدر عن المحاكم خارجة عن السياق وهي مسيَّسة، وموجَّهة لخدمة شخصيات معينة أو جهات متنفذة، وخاضعة لإملاءات جهات عليا. مشيرًا إلى أنَّ القضية التي رُفعت على اتحاد العاملين في الجامعات الفلسطينية لم تقم بإعاقة العمل النقابيّ بل على العكس تمامًا، وربما حصل تأخير لبعض الإجراءات، ولكن العمل استمر بشكل أقوى من السابق.

وفي بداية شهر حزيران 2018 بدأت نقابة العاملين في بلديَّة البيرة إضرابًا لتحقيق بعض المطالب العالقة مثل صرف العلاوات، والإعلان الداخليّ عن الوظائف بحسب نظام موظفي الهيئات المحلية، وتثبيت العاملين الذي أمضوا أكثر من 3 سنوات في الوظيفة، واحتساب سنوات الأقدمية للعاملين، وإلغاء الخصومات التي تمت بلا مرجعيَّة قانونيَّة، والتراجع عن فصل أحد الموظفين. من جانبها رفضت إدارة البلديَّة الإضراب وأعلنت عن تجاوبها مع 95% من مطالب العاملين، وقدمت التماسًا في محكمة العدل العليا ضد الإضراب، لتقضي المحكمة ببطلان الإضراب وبعودة الموظفين للعمل.

أما محاولات السيطرة على العمل النقابيّ في مؤسسات السلطة أخذت بعدًا آخر، فبعد ما يقارب الشهر على إضراب المعلمين الذي بدأ في شباط 2016 خرج رئيس السلطة بخطاب أعلن فيه عن مبادرة لحل "الأزمة"، وفي حينه لم يكن الحراك ليتصاعد لولا انطلاق "حراك المعلمين الموحد" الذي قاد الإضراب متجاوزًا اتحاد المعلمين، وشكَّل الإضراب قلقًا للسلطة مما دفعها لوضع حواجز على مداخل المدن لمنع حدوث اعتصامات في رام الله، بالإضافة لاعتقال عدد من المعلمين ومنعهم من عقد اجتماعات من أجل الإعلان عن خطوات تصعيديَّة، وبعد أيام من انتهاء الإضراب انتخب المجلس المركزيّ للمعلمين دون إجراء انتخابات عامة، أمانة عامة جديدة للاتحاد. ونجحت محاولة السلطة في السيطرة على العمل النقابي في اتحاد المعلمين وتفكيك إمكانية إقامة حراك على الأقل في الفترة القادمة، كما أنَّها تمكنت من الاستفراد بـ 117 معلمًا كان لجزء منهم دور في حراك 2016 وإحالتهم للتقاعد المبكر، ليجدوا أنفسهم وحيدين في الميدان وفي تنكر نقابة المعلمين لهم.

لم تتوقف السلطة الفلسطينية عند ذلك، بل ذهبت لمحاولة إخماد كل حراك في الشارع وحماية الشركات الكبرى من الانتقاد. ففي كانون الثاني 2018 اعتقلت الأجهزة الأمنية منسّق "حراك بكفي يا شركات الاتصالات" جهاد عبدو بتهمة الترويج لشرائح "إسرائيلية"، وأعادت اعتقاله في آذار 2018 وذلك بعد تنظيم وقفة احتجاجية على أسعار شركات الاتصالات في رام الله.

وكانت مؤسسة الحق قد وصفت القضاء بعد إصدار حكم بإلغاء قرار مجلس نقابة المحامين بمقاطعة محكمة الجنايات الكبرى بأنّ "التطورات المتسارعة والخطيرة امتداداً لحالة التدهور المستمر والخلل البنوي البشري الذي يعاني منه القضاء ومنظومة العدالة عموماً، من جراء تدخلات السلطة التنفيذية بأشكال مختلفة وتغولها على السلطة القضائية، وفشل كافة الجهود التي بذلت على مدار السنوات الماضية في إحداث اختراق جدي في مسار عملية الإصلاح، بفعل غياب الإرادة السياسية للإصلاح القضائي، وغياب التداول السلمي على السلطة عبر انتخابات عامة حرة ونزيهة تعبر عن إرادة المواطن الفلسطيني، واستمرار حالة التصدع في النظام السياسي."

وأشارت "الحق" أنَّ 90% من القرارت الصادرة عن محكمة العدل العليا تأتي في صالح السلطة التنفيذية، وإذ تستمر المحكمة بالانعقاد بهيئة وحيدة رغم مطالبات مؤسسات المجتمع المدني بإصلاحات جوهرية في القضاء من بينها تعدّد هيئات محكمة العدل العليا، فإنَّ مراجعة القرارات الصادرة عنها تشير إلى أنَّها تقوّض حريَّة التنظيم النقابي والحقّ في الإضراب في فلسطين المكفولين في القانون الأساسيّ المعدّل والاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين.