إسقاط المستقبل

٢٧ آذار ٢٠١٧

"أعرف الكثير من الشباب ممن شاركوا في برامج التطبيع لمدَّة طويلة، لا يريدون تعريف أنفسهم كفلسطينيّين"

"كان أبي غير موافق على ذهابي للمقابلة، لكنه لم يمنعني. كان عمري آنذاك 13 عاماً، وكنت أكره الإسرائيليّين بسبب كل ما كنت أراه من عمليات القتل خلال الانتفاضة الثانية، ومما كنت أسمعه عمّا فعلوه عام 1948. في الواقع، جدتي لاجئة من يافا، وكانت تحكي لنا عن التهجير الذي تعرضوا له. لكن عندما سمعت بالبرنامج قرَّرت أنَّني، قبل أنْ أكرههم، أريد أن أتعرَّف عليهم كبشر."

ماريا*، 25 عاماً، كانت واحدةً من مئات الفتية والفتيات المتقدمين للمشاركة في برنامج لقاءات تطبيعيَّة، تنظِّمه مؤسسة "أطفال السلام". لم يُقبَل سوى بضعة عشرات، منهم ماريا، التي تراجع تلك التجربة اليوم وهي تستعد للتخرج من إحدى جامعات المهجر، فتصرّ: "أفهم اليوم العقليَّة الإسرائيليَّة لأنَّني عرفتها وجهاً لوجه. لهذا لا أندم على ما قمت به" لكنها تقرُّ "هناك الكثير من الطرق لمعرفة عقليَّة المحتل، دون الجلوس والحديث معه."

تأسَّست "أطفال السلام" عام 2005 في بريطانيا، حيث مقرّها الرئيسيّ، وتعلن أنَّها تسعى "لحماية جميع الأطفال ومجتمعاتهم بغض النظر عن ديانتهم أو ثقافتهم أو عرقهم، من المسلمين والمسيحيّين واليهود والدروز والبدو، من خلال التشبيك بين المؤسسات التي تتشارك هذا الهدف في كل من إسرائيل وتركيا والأردن والضفة الغربية وغزة". المؤسسة، التي لا تذكر فلسطين كبلد، تموّل برامج لقاءات تطبيعيَّة من خلال مؤسسات محليَّة، لكنَّها لا تذكر في موقعها الرسميّ أيّ جهة اتصال مباشر لها في فلسطين.

البدء بالهوية

تتبع "أطفال السلام" في لقاءاتها منهجيَّة معينة، تبدأ بتعريف الأفراد لأنفسهم وتصنيفهم، من خلال المدخل الدينيّ، لا السياسيّ. تشير ماريا إلى أنَّ اللقاءات كانت "لمدَّة عام كامل، تركِّز على التعارف بين أتباع الديانات الثلاث. كان الحديث عن العادات والتقاليد الدينيَّة، دون التطرق للسياسة."

سامي عواد*، كان مديراً لبرنامج الشباب في مؤسسة إنسانية فلسطينيَّة، حيث يروي أنَّ "متطوعة في حركة دينيَّة عالميَّة الانتشار، أوروبيَّة المنشأ، كانت تحاول استدراج الشباب الذين أعمل معهم لمخيمات تطبيعيَّة لحركتها، بعد رفضي لتعاون مؤسستي، وبعضهم كان يذهب. كانت الأنشطة عبارة عن تأمل وصلاة بين شبّان "الديانات الثلاث" من أجل السلام، بدون سياسة." ويسترجع: "محاولات لاحقة جرت لإقناعي من خلال إرسال إدارتي لأشخاص، أجانب غالباً، يعرضون برامجاً مغرية تمويليَّاً، تقوم كلها على تصنيف الشباب على أساس دينيّ. كنت أرفض محاولاتهم بأدب، شارحاً الأسباب، فيغادرون ولا يعودون."

"الاحتلال" كلمة استفزازيَّة

بعد عام ونيف من اللقاءات البعيدة عن السياسة، كان لماريا موعد مع مقابلة انتقائيَّة أخرى: "أخبروني أنَّنا الآن كبرنا وصرنا جاهزين للخوض في المواضيع الحساسة." هذه المواضيع "الحساسة" تبدأ باستعراض "المعاناة الإنسانيَّة" لأفراد الطرفين، بغض النظر عن السياق السياسيّ للاستعمار ونتائجه. كانت تجربة ماريا مع هذا النهج بُعيد انتفاضة الأقصى، التي شكَّلت أحداثها الخبرة الوحيدة، عمليَّاً، لأبناء جيلها، مع عنف الاحتلال وبطشه.

"واحدة من الفتيات الإسرائيليّات، كان أبوها قد أصيب بالشلل نتيجة عملية استشهاديَّة في حافلة إسرائيليَّة" تستذكر ماريا. "عندما كانت تروي خبرتها سادت أجواء من الحزن والتعاطف، وأخذ الجميع بمواساتها. كنت أشرح لهم أنَّهم أخذوا أرضنا وأنَّنا تحت احتلال منهم، وأنَّه ليس عندنا جيش لندافع عن أنفسنا، ولهذا يلجأ البعض إلى عمليات كهذه، مشدِّدة على أنَّني لا أتفق مع أسلوب هذه العمليات. فيجيبونني بعدائية بأنَّني أدافع عن "الإرهابيين". كنت أخبرهم عن تفرّق عائلتي بين فلسطين ولبنان والأردن، بسبب التهجير، وعدم تمكني من زيارة جدتي لسنوات بسبب ذلك، وكانوا يتفاجئون كأنَّهم يسمعون لأول مرة عن هذه الأمور. لكن حين ذكرت مرة واحدة أنَّ ذلك كله مردّه إلى الاحتلال، انفجرت إحدى الفتيات الإسرائيليَّات بالبكاء، مصدومةً لاستخدامي كلمة "احتلال"، التي اعتبرتها جارحةً لها. على الفور تمَّ لفتُ نظري إلى أهمية الحفاظ على أجواء السلميَّة وعدم الاستفزاز."

المقاومة "تبدأ من قرار"

ممارسة السياسة تحت ادّعاء تجاوزها، يمثل ستاراً هشَّاً لتبني المنطلقات الإسرائيليَّة في تعريف الصراع، الأمر الذي لا يلبث أن ينكشف عند أولّ ارتفاع في حدَّة النقاش. تشرح ماريا أنَّ هذا قادها إلى التشكيك في قيمة التطبيع برمته: "عام 2009 اندلعت الحرب الإسرائيليَّة على قطاع غزّة، وكانت مشاهد القتل والدمار غير مسبوقة. أسئلة كثيرة عصفت في ذهني حول جدوى مشاركتي في هذه اللقاءات. صديقاتي كنّ يشاركنني الشعور نفسه، وقرَّرنا معاً عدم حضور اللقاء القادم، فتمَّ إلغاءُ اللقاء. هكذا، ببساطة."

"إغلاق الباب يبدأ من قرار، وفتحه يبدأ من قرار" يؤكد سامي عوّاد، ويعطي من تجربته مثلاً: "آخر محاولة لإدخال التطبيع إلى مؤسستي كانت عام 2009 حيث أعلن رجل دين قريب من مؤسستي، أمام عشرات المتطوعين الشباب، أنَّه سيبدأ بتنظيم لقاءات مع شبان إسرائيليّين، ويحثّ الشباب على المشاركة. استخدمت سلطتي كمدير دائرة الشباب ومنعت جميع موظفي الدائرة من التعاطي مع هذه اللقاءات، ثم شرعنا بالتحدث مع الشبان والشابات فرداً فرداً. كان مستوى وعيهم عالٍ جداً، ولم يستجب أيٌّ منهم للمحاولة، فلم ينجح أيُّ لقاء تطبيعيّ بالتجسد واقعاً."

غياب الرؤية

بعد تركه العمل في مؤسسات المجتمع المدنيّ لسنوات، يستنتج سامي عوّاد: "معظم حالات الوقوع في فخِّ التطبيع، خاصة عبر برامج الشباب. كان سببها عدم وجود رؤية استراتيجيَّة لدى المؤسسسات، التي يحكمها جيل قديم، يعمل بعقليَّة عائليَّة، لا يفكر بالأهداف ولا بالمستقبل، وبالتالي يتخذ التمويل معياراً وحيداً لعمله". ويضيف "الجيل الشاب في كل المؤسسات هو من تقع عليه مسؤولية المقاومة، كل من موقعه."

المقاومة ابتداء من الذات، والمعتمدة على جهود الأفراد، تبدو الإجابة الوحيدة في غياب أيّ جهد موحد أو رسميّ لمنع الاختراق للشباب الفلسطينيّ، عبر مؤسساته. اختراق لا تظهر آثاره إلا بعد أن يبدأ المستقبل المخترق بالنضوج، وبالتعبير عن وعيه المشوه: "أعرف الكثير من الشباب ممن شاركوا في هذه البرامج لمدَّة طويلة، لا يريدون تعريف أنفسهم كفلسطينيّين" يقول سامي عوّاد، مشيراً إلى أنَّ هذا التحول في الهوّية لا يحصل في الجانب الإسرائيليّ، كما تؤكد ماريا: "جميع الشبان الإسرائيليّين المشاركين كانوا ضد الجدار ويريدون نوعاً من المساواة، لكن عند سؤالهم عن رأيهم في حق اللاجئين مثل جدتي بالعودة، كانوا يجيبون أنَّ ما حصل في الماضي قد حصل، وأنَّ من المهم، بالنسبة لهم، أن يبقوا هم الأكثرية". تحوّل يستدعي ثمناً أخلاقياً، لا يشعر بثقله إلا من يقف في الجانب الأضعف. "كنت أقول للإسرائيليّين أن أصدقائي سيتهمونني بالخيانة بسبب لقائي بهم" تروي ماريا "لكنهم كانوا يجيبون أن ذلك، ببساطة، لا يهمهم."

 

-* فضَّل كل من "ماريا" و"سامي عواد" عدم ذكر اسميهما الحقيقيّين.