إضاءة

١٣ شباط ٢٠١٧

عادت أزمة الكهرباء في غزّة لتتصدر الواجهة من جديد بعد وصولها إلى ذروة تفاقهما مؤخرًا لتُسجّل أعلى معدّلات قطع يومي منذ بدء الحصار على غزة، حيث وصل عدد ساعات انقطاع التيّار الكهربائيّ ٢١ ساعة متواصلة، مقابل ٣ ساعات وصل يتخلّلها العديد من الانقطاعات بين الحين والآخر، بلغةٍ أخرى بلغ معدّل اليوم شبه الطبيعي في غزة ثلاث ساعات فقط، قد تنقص ونادرًا ما تزيد.

هذا الوضع المُميت الذي جمّد الحياة في مفاصل حياة أهلها دفعهم للخروج في مسيرات عفويّة وأخرى دعت لها الفصائل في عدد من مدن ومخيّمات القطاع، جوبه بعضها بالقمع والملاحقة الأمنيّة للمشاركين فيها من قبل الأجهزة الأمنيّة في غزّة.

هنا نوضّح بشكلٍ مُبسّط العديد من جوانب إحدى أكثر المسائل الشائكة في قطاع غزة، معضلة الكهرباء، ونرجع قليلاً إلى الوراء، معلومة مذهلة اكتشفتها للتو، أنه منذ بدء الحصار على غزّة لم تُشكّل الضريبة المفروضة على الوقود اللازم لتشغيلها أي معضلة، كان للاتّحاد الأوروبي منحة ماليّة تُغطي كلاً من قيمة الوقود المُوّرد وضريبته، لستّةِ أعوامٍ سِمان، قبل أن تأتي سنوات سلام فيّاض العجاف، الذي كان في حينها رئيسًا "إصلاحياً" للوزراء و يُقرّر في العام 2009 وقف تسديد قيمة المنحة لقطاعِ غزّة في سياق حملة تجفيف الموارد على القطاع "المتمرّد"، ولم ينسى في غمرة إصلاحاته أن يوجّه كامل قيمة المنحة الأوربيّة إلى خزانة الشطر الشمالي من وطن السلطة.

في حينها، كانت الحكومة في القطاع المنكوب الخارج لتوّه من عدوان العام 2008 تعيش بدايات حقبـة "الأنفـاق" التي وفّرت وقودًا مصريًا مُهرّبًا بأسعارٍ خفيفة الوطء – وبلا ضرائب– لتغطية حاجة المحطّة من الوقود، في العام 2013 انتهى شهر العسل للمرة الثانية، قوّضّت منظومة التهريب عبر الأنفاق، وأسدل الستار على حقبة برمّتها.

لم يتبقّى من خيارٍ سوى العودة إلى شراء الوقود الإسرائيليّ، هذه المرّة، لم تُكذّب السلطة الفلسطينيّة خبراً، بلا أي مبرّر، فرضت ما يُعرف بضريبة "البـلو" نحن هنا لا نتحدّث عن ضريبةٍ اعتياديّة، أو عن نسبة معقولة وضمن الدارج، النسبة تلامس حافّة الـ 116 % من سعر اللتر الواحد، تمامًا وكأن الوقود سلعة ترفيهيّة فاخرة، مؤخّراً أعادت رام الله تقليص الضريبة إلى 68% و على فترات مؤقّتة، بالإضافة لذلك تدفع سلطة الطاقة ضريبة القيمة المضافة والتي تصل نسبتها إلى 40% من سعر اللتر الواحد، و بذلك تكون سلطة الطاقة في قطاع غزّة مُطالَبة بتسديد ما قيمته 12 مليون دولار شهريًا لخزانة السلطة للحصول على 300 ألف لتر يوميًا، يبلغ قيمة سعر الوقود منها بدون الضرائب 4.7 مليون دولار، مع الأخذ بعين الاعتبار أن السلطة ما زالت تستقبل المنحة الأوروبيّة للوقود إلى يومنا هذا، مؤخّراً قدّمت قطر دعمًا ماليًا مباشرًا إلى خزانة السلطة الفلسطينية لتغطية قيمة الضريبة، وتبقى سلطة الطاقة مطالبة بتسديد قيمة الوقود الأصلي اللازم لتشغيل محطّة التوليد الرئيسة التي تُنتج 60 ميجاوات، بينما تغذّي الخطوط القادمة من الأراضي المحتلّة 120 ميجاوات، والخطوط القادمة من الأراضي المصرية 28 ميجاوات، ما يعني أن ما يصل القطاع من الكهرباء في أحسن الظروف 208 ميجاوات، فيما تقدَّر احتياجات القطاع من الكهرباء 440 ميجا وات.

ليس متوقَّعًا بأيّ حالٍ من الأحوال أن تتنازل السلطة الفلسطينيّة عن فرض وجباية الضريبة بسبب سياستها في تجفيف الموارد وحرمان الحكومة في القطاع من عوائد الطاقة الكهربائيّة عبر رفع كلفة تلك العوائد وتبديد هامش أيّ أرباح فائضة.

كل ما هو أعلاه ليس بوسعك أن تعزله عن معضلة رئيسيّة أخرى، والحديث هنا عن الشركة الفلسطينية للكهرباء وعقد الامتياز المجحف والمرهق الموَقّع بينها وبين السلطة الفلسطينيّة، حافظت الشركة على تحقيق عوائد ماليّة عالية بالرغم من الأزمة والحصار، قائمة المساهمين والمؤسّسين للشركة تقول الكثير، وجميعهم شخصيّات من أصحاب رؤوس الأموال المقرّبين للسلطة، ونستغرب كيف أن التراشق بأسباب الأزمة وتبادل الاتّهامات قد استثناهم ونادرًا ما تطرّق إليهم أحد.

سلطة الطاقة والفصائل في غزة طرحت مرارًا بدائلًا وحلولًا للأزمة، سواء حلول مؤقّتة ومسكّنات طارئة أو طويلة الأمد، لكن على ما يبدو أن لا أحد معني بحل هذه الأزمة، لا أحد معني بفكِّ الحصار المستمرّ منذ أكثر من عشر سنواتٍ على غزة أو تفكيك نتائجه على الواقع، الكلّ معني بتشديده وإبقاء الوضع على حاله، ولكلٍّ أسبابه التي لا تخفى على أحد.