إضراب الأسرى: المعركة على جانبيّ القضبان

٢٤ أيار ٢٠١٧

يبدو ميدان ياسر عرفات وسط رام الله شاحباً مع بدء شمس العصر بالانكسار خلف العمارات المغطاة بلافتات صور الأسرى. يترأس مروان البرغوثي أكبر لافتة، بيديه المرفوعتين فوق رأسه، تليه صور لأسرى أقلّ سناً، وتهبط سلسلة الوجوه إلى نهاية اللافتة، بضعة أمتار عن أرض الرصيف، ما يكفي من المسافة كي تبرز لافتات المحال التجارية في الطابق الأول من المدينة، حيث الحياة اليوميَّة تسير على عادتها.

"إلي إيده في النار مش زي الي إيده في المي"

في زاوية الميدان، تحتل خيمة الاعتصام حيِّزها وسط المارّة الذين اعتادوا الالتفاف حولها في سلك طريقهم. داخل الخيمة بضع عشرات يتوزعون على الكراسي البلاستيكيَّة؛ بعض الرجال، ومجموعة طلبة في صف واحد طويل في عمق الخيمة، ونساء من مختلف الأعمار يحتضنّ صور أبنائهن وأخوتهن: صور لوجوه في أعمار مختلفة تحمل النظرة الثاقبة نفسها. إحدى المعتصمات تنفرد بالصف الثاني من الكراسي، كأنَّما أخذت على عاتقها مسؤوليَّة عدم تركه فارغاً. الخمسينيَّة نعمة الصعيدي تنظر بهدوء تجاه الميدان ويداها تشدّان إلى حضنها صورة شاب ثلاثينيّ وسيم: "هذا شقيقي، محمد الصعيدي. الأسير منذ 11 سنة، والمحكوم بمؤبدين و6 أشهر".

تأتي نعمة الصعيدي إلى الخيمة منذ اليوم الأول للإضراب، وتلاحظ الفرق بين الأيام الأولى واليوم العشرين. "في اليوم الأول كانت الخيمة تعجُّ بالناس، كانت الاستجابة واسعة جداً، أما الآن فقد خفَّ الحراك قليلاً، حتى صار أهالي الأسرى هم وحدهم تقريباً من يشغلون الخيمة خلال النهار". تطرق في التفكير لحظة، ثم تتابع معلِّلة "يلي إيده في النار مش زي الي إيده في المي".

قبل أقلّ من أسبوعين، كان المشهد في نفس المكان يبدو مختلفاً جداً. يوم الخميس السابع والعشرين من نيسان، اليوم العاشر على إضراب الأسرى عن الطعام، استجابت الضفة الغربية لدعوة القوى المساندة للأسرى إلى الإضراب العام؛ الحركة مشلولة بالكامل، المحال مغلقة، وحتى الوصول إلى رام الله كان شبه مستحيل في ظلِّ إضراب المواصلات وإغلاق الطرق. ميدان ياسر عرفات كان ممتلئاً بالناس من مختلف الأعمار ومن الجنسين. حتى الأطفال على الأكتاف يحملون الأعلام واللافتات. شخصيات دينيَّة ومدنيَّة تتوسط الميدان وتلقي كلمات مقتضبة ومشحونة قدر الإمكان، ثمَّ يتحرك الجمع في اتجاهات مختلفة للتظاهر. وبدأت مجموعة من الناس السير باتجاه البيرة، متجهة إلى حاجز "بيت إيل" والنيَّة هي الاشتباك مع الاحتلال. في الليلة السابقة للإضراب كان حاجز بيت إيل مسرحاً للمواجهات فعلاً؛ أغلق عشرات الشبان الشارع المؤدي إلى الحاجز وتمترسوا خلف حاويات القمامة، وخلف الإطارات المشتعلة تحت وابل قنابل الغاز المسيلة للدموع التي أطلقها جنود الاحتلال تجاه المتظاهرين.

الوجبة المعنويَّة

محمود، 17 سنة، أتى من مخيم الجلزون خصيصاً من أجل الاشتباك. "نحن نحاول أن نضغط على الاحتلال. هم يتعبون من المواجهات. أثناء هبَّة القدس، قبل عام ونصف، كانوا يرجوننا أن نتوقف، لأنَّهم تعبوا من مقارعتنا تحت المطر". بالنسبة لمحمود، فإنَّ هذه هي الطريقة الوحيدة المجدية لإسناد الأسرى في إضرابهم "ماذا تفيد التظاهرات وسط رام الله إن لم يشعر بها الاحتلال؟ هم لن يشعروا بنا إلّا اذا أتينا إلى هنا وأشعرناهم بأنفسنا".

وجهة نظر محمود تبدو منطقيَّة، في ظل انحسار الفعاليَّات في المدينة على ثلَّة من المعتصمين داخل الخيمة. لكنَّ الأمور بدت مختلفة عندما استجابت رام الله كلها للإضراب العام. من الصعب إذاً عدم التساؤل إن كان هذا كلّه لا يصل إلى الاحتلال "فيشعر به" كما يقول محمود.

عصمت منصور، الأسير المحرَّر والذي خاض أكثر من إضراب عن الطعام، له رأي مختلف: "أيّ فعاليَّة، مهما كانت صغيرة أو رمزيَّة، لها تأثير. كل ما يحدث داخل المدن يقلق الاحتلال. مجرَّد إشغال مسألة الأسرى للحديث العام يقلق الاحتلال، ولا أتحدث عن أثر كلّ نشاط على الأسرى أنفسهم". خاض عصمت منصور معركة الأمعاء الخاوية عام 2004 لأكثر من عشرين يوماً، ويذكر جيداً أنَّ "إدارة السجن كانت تحاول إقناع الأسرى بأنَّ لا شيء يحدث في الخارج، وأنَّ الناس لا يأبهون بإضرابنا" ويضيف "كنا عندما نسمع عن مظاهرة أو اعتصام، نشعر بأثر الخبر كما لوكانت وجبة شهية لمعنوياتنا، وكان هذا يجعلنا أقوى أمام إدارة السجن، ويضعفها أمامنا". لكنَّ عصمت منصور يضع الأمور في نصابها "هذا لا يعني الاستغناء عن الاشتباك المباشر أو إيجاد بديل عنه. فكلُّه مهم".

بين النواة والفعل الجماعيّ

في خيمة الاعتصام، تواصل نعمة الصعيدي رباطها على الصف الثاني من الكراسي، الذي لم يعد فارغاً تماماً. تشير، وهي تمسح صورة شقيقها الأسير للمرة الثالثة خلال خمس دقائق: "الأسرى لم يضحّوا بأعمارهم في السجن من أجل أهلهم فقط. الأسرى هم للجميع، ولهذا على الجميع أن يتحرك". فكرة يؤكدها عصمت منصور "من الطبيعيّ أن يكون أهالي الأسرى وبعض الناشطين هم النواة، لكن إن بقي النشاط محصوراً في هذه النواة، فلن يأتي بأي نتيجة. يجب على المجتمع ككل وبكل فئاته أن يتفاعل، طوال فترة الإضراب. هنا يشعر الاحتلال بأنَّ الحراك أكبر منه ويبدأ بالاستجابة لمطالب الأسرى". حقيقة محسوسة بالدرجة الأولى ممن هم في الميدان. فعلى حاجز بيت إيل، يصيغ محمود الفكرة بكلماته: "إذا كنا عشرين أو ثلاثين شاباً نأتي إلى الحاجز كل يوم، سيحفظ الجنود أشكالنا، وسنفقد أي تأثير. لكن عندما تأتي أعداد كبيرة ومن كل الأعمار، رجال ونساء، يصاب الجنود بالهلع".

كان التفاعل الواسع والمتنوع بالفعل خاصيَّة ميَّزت الإضراب منذ يومه الأول. ويفسر عصمت منصور ذلك على أنَّه: "تعطُّش لدى الناس إلى عمل موحد. جاء الصوت من السجن منادياً بالإضراب، ومتجاوزاً  كل الخلافات المحتدة بين أجنحة فتح المختلفة. ورغم عدم مشاركة حماس، فإنَّ مطالب الإضراب تجاوزت الجوَّ السياسي برمته، لأنها تطرقت لظروف حياة الأسرى، وهذا يجمع الجمهور حوله. ففي كل بيت هناك أسير".

رغم ذلك، فإنَّ نعمة الصعيدي لم تخطئ ملاحظتها لتراجع حجم التفاعل الجماهيريّ في الأيام التي تلت الإضراب العام. لكنَّها تعترف: "أنا نفسي لم أتوقع أن يستمر الإضراب عشرين يوماً، ويبدو أنه سيطول أكثر. ومع ذلك لا تزال الفعاليات تتواصل" تتنهد نعمة الصعيدي قبل أن تضيف: "في آخر زيارة لمحمد في السجن قبل بدء الإضراب، قال إنَّ هذا الإضراب سيطول، وإنَّه من المحتمل أن يرتقي فيه شهداء". ويؤكد عصمت منصور: "استشهاد أسير في الإضراب وارد دائماً، لكن ذلك لا يوقف الإضراب، بل يزيد الأسرى إصراراً مع اقتراب الاحتمال من الحقيقة." ورغم إقراره بأنَّ الحركة الجماهيرية المساندة للإضراب تعرف لحظات صعود وهبوط، إلا أنَّه يشدِّد "يجب أن يكون الصعود أقوى كل مرة. فيعتمد نجاح الإضراب على قوَّة التفاعل وحجمه قبل وصول أيّ من الأسرى إلى لحظة الاستشهاد".