إضراب جامعة بيرزيت في سياق أوسع | نقد الإضراب ومهمّة القضاء على الحركة الطلابيَّة

٢٤ تشرين الأول ٢٠١٦

روّجت إدارة جامعة بيرزيت خطابًا خلال إضراب الحركة الطلابيّة خلال الشهر الماضي يندّدُ بإغلاق بوابات الجامعة بالجنازير، واصفًا إغلاق الجامعة بالإغلاق “القسريّ”، ومُشبّهًا إيّاه بإغلاق جيش الاستعمار للجامعة. وسَعَت إدارة الجامعة بهذا الخطاب إلى تصوير الأزمة كأنّ جوهرها هو إغلاق بوّابات الجامعة و”جنزرتها”. في المقابل واجهَ الطلبة هذا الخطاب بسرديّة مختلفة تُحمّل الإدارة مسؤوليّة إغلاق الجامعة الذي جاء احتجاجًا على الرفع المستمر للأقساط في الأعوام الماضية وخصوصاً القرار الأخير الذي اتّخذته برفع سعر الساعة على الطلبة الجدد بمقدار 4 دنانير للساعة ودينارين على الطلبة القدامى. وظهرت أيضًا أراء أخرى لتفسير الأزمة وطرح الحلول؛ فهناك من أشار إلى سوء إدارة الموارد في الجامعة، فيما ركّز البعض على اعتماد الجامعة على التمويل إلى جانب أقساط الطلبة عوضًا عن التوجّه نحو مشاريع إنتاجيّة، وآخرون حمّلوا المسؤوليّة للسلطة الفلسطينية والمنطق النيوليبرالي في تقسيم موازنتها. وبالطبع ظهرت عدّة أصوات – وهؤلاء “أحلى” ناس- حمّلوا الطلبة عبء المسؤولية عن الأزمة إمّا لعدم خضوعهم لقرار رفع الأقساط التي اعتبروها بالزيادة القليلة، أو لطريقتهم “غير الحضاريّة” في الاحتجاج ضمن المنطق الأبيض والسلطوي لمنطق قانونيّة الاحتجاج.

هذا الصراع على تحليل ماهيّة وأسباب الأزمة هو الجزء الأساس في صراع الحلول المطروحة. فكلّ جماعة اقترحت حلولًا تختلفُ عن الجماعات الأخرى منطلقةً من موقفها الطبقيّ ومن منطق فهمها للأزمة وأسبابها. ولكن لفهم أعمق للأزمة وحيثيّاتها لا يمكننا اختصار تحليلنا على قضيّة رفع دينارين أو أربعة؛ فالقضيّة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا في سياسات تسليع التعليم وخصخصته من جهة، وفي المصالح الطبقيّة والسياسيّة المختلفة للجماعات والأجسام في الجامعة من جهة أخرى، وكذلك في التغيّرات السياسيّة والتنظيميّة في الساحة الفلسطينيّة والعربيّة.

لجأت الحركة الطلابيّة لإغلاق الجامعة عوضًا عن الإضراب وعدم حضور المحاضرات. فالحركة الطلابيّة ليست في وضع تنظيميّ يتيح لها أن تعلن عن الإضراب وأن تضمن التزام الطلبة فيه، ولقد كان اللجوء لخيار الإضراب دون إغلاق البوابات يعني ضمنًا –في عيون الحركة الطلابيّة على الأقل- فشل الإضراب والحركة الطلابيّة في خلق حركة احتجاجيّة حقيقيّة قادرة على تحقيق بعض المكتسبات النقابيّة أو الخروج بأقل الخسائر على الأقل.

ولكنَّ الحركة الطلابية في إغلاقها لبوابات الجامعة لم تمنع الإدارة وموظّفيها من الوصول لمكاتبهم وانتظامهم بعملهم فقط، ولكنّها عزلت نفسها أيضًا عن الطلبة وحصرت الأزمة والنضال داخل أسوار وبوّابات الجامعة. فلم تستطع الحركة الطلابيّة أن تجذبَ الطلبة ليشاركوها في اعتصامها ممّا أتاح لإدارة الجامعة أن تقول: “بضعة من الطلبة يغلقون الجامعة”، متناسيةً أنَّ هؤلاء (بضعة من الطلبة) هم في الحقيقة ممثّلو الكتل الطلابيّة ومجلس الطلبة. حاولت الكتل الطلابيّة أن تنظِّمَ نشاطات مختلفة خلال الإضراب وأن تدعو أكبر عدد من الطلبة للاعتصام والمشاركة في الإضراب، ولكنَّ نجاح هذه الخطوة بقي محدودًا خصوصًا أنّها لم تكن منتظمة.

لقد انحصرَ الإضراب الطلابيّ –في نظر معظم من هم خارج أسوار الجامعة على الأقل- على النضال ضد قرار الجامعة برفع الأقساط. وكذلك لم تنجح الحركة الطلابيّة في تحويل هذا النضال النقابيّ الطلابيّ لنضال عام يخوض فيه فئات أخرى من موظّفين ونقابيّين وأكاديميّين وسائقي العموميّ والأهالي وغيرهم على غرار تجربة إضراب المعلّمين. وبالرغم أنَّ هذا الإضراب هو إضراب طلابي في الأساس، إلا أنَّه كان فرصة ممتازة أيضًا لنقابة العاملين في جامعة بيرزيت أو الجامعات الفلسطينية لإعلان دعمها للمطالب الطلابيّة وإضافة مطالب أخرى وجرّ الصراع من صراع بين طلبة-إدارة، لصراع بين الجامعات-النظام الاقتصادي السياسي. كان الأجدر بنقابة العاملين في جامعة بيرزيت أن تصطفَّ إلى جانب الطلبة عوضًا عن لعب دور الوسيط –بعض الطلبة اعتبروا دور النقابة داعمًا للجامعة وليس وسيطًا- خصوصًا في كون النقابة ذاتها كانت تخوض عدّة إجراءات نقابيّة احتجاجيّة ومطلبيّة قُبيل إضراب الطلبة وإغلاق الجامعة.

ومع أنَّه نجح في فتح نقاش داخل أروقة الجامعة وفي مجتمع الجامعة حول توجّهات وسياسات التعليم العالي في بيرزيت خصوصًا وفلسطين عمومًا، وحول ماهيّة التعليم المقدَّم في جامعاتنا والبدائل الاقتصادية والإداريّة للخروج من الأزمة الماليّة. إلا أنَّ الحركة الطلابيّة لم تستطع توضيح نضالها النقابيّ في الشّقِّ الخاص بالحكومة، فظهر الإضراب وكأنّه إضراب يستهدف قرار الجامعة برفع الأقساط فقط، مع أنّه شمل مطالب أخرى عدة تتناول تسليع التعليم وخصخصته وتعديل موازنة السلطة ومضمون التعليم وغيرها. فلقد حافظت الحركة الطلابية على نقدها اتّجاه السلطة وسياساتها بصوت منخفض، وكذلك التزمت السلطة الصمت اتّجاه أزمة بيرزيت.

ولا يمكننا فهم هذا الصمت الجاف للسلطة –باستثناء بيان وزارة التربية والتعليم الذي ادّعت فيه أنَّ أزمة جامعة بيرزيت لا علاقة لها بمساهمات السلطة في دعم التعليم- دون أن نعرّج قليلاً على سياق صراع النخب السياسي على السلطة. فمنذ أن بدأ الحديث عن الكونفدرالية مع الأردن، أحسّت السلطة بتهديد وجوديّ قد يسحب البساط من تحت النخب السياسيّة الحاليّة، وكان هذا التهديد الوجودي للنّخبة الأوسلويّة محرِّكًا للسلطة في العديد من قراراتها الأخيرة، بدءًا بانتخابات البلديّات التي حاولت من خلالها كسب شرعيّة تفتقدها، لعلّها تعطيها مزيدًا من الوقت، ومن ثمّ إلغاء الانتخابات عندما أصبح واضحًا أن نتائج الانتخابات قد تكون عكسيّةً على مشروع “الشرعيّة” للسلطة. وكان ذلك التهديد أيضًا محرّكًا للعنف الذي رافق الانتخابات من اعتداءات وتهديدات للعديد من المرشّحين من كافّة القوائم وخصوصًا قوائم محسوبة على فتح ترشّحت إلى جانب القوائم الرسميّة للحركة. لقد أصبحت هذه النخبة السياسيّة مستعدّةً لفعل أيّ شيء للحفاظ على امتيازاتها.أيّ شيء حرفيّاً، فلقد وصل الأمر حدَّ القتل في مدينة نابلس، ومن ثمّ إطلاق الرصاص الحيّ اتّجاه من تظاهروا احتجاجًا. واقتحمت الأجهزة الأمنيّة كذلك اجتماعًا لمجموعة من المعلّمين –ذات المعلمين الذين نظّموا الإضراب النقابيّ الأخير في المدارس الحكوميّة- أعلنوا فيه تأسيس نقابة جديدة للمعلّمين وحاولوا إفشال تأسيس النقابة.

والقائمة أطول من ذلك بكثير، لكن وباختصار، إنَّ هذه النخب كانت مستعدة للَفظ كل من يقف في طريقها وطريق مشروعها للبقاء، لكنّها أيضًا حاولت أن تحيّد ذاتها عن العديد من الصراعات، فلقد كانت بضعة أيّام من الإضراب عن الطعام وبضعة مظاهرات صغيرة –وبضعة بوستات على فيسبوك- كفيلة بإقناع السلطة بإطلاق سراح “المعتقلين الستة”. كذلك الأمر بخصوص أزمة جامعة بيرزيت.

لم يُشكّل الخطاب الاحتجاجيّ للطلبة تهديدًا للسلطة، وإن كان في معظمه يشير إلى أن الحكومة تتهرّب من دفع مستحقّاتها القليلة أصلاً للتعليم. بل شعرت السلطة بارتياح كبير لانحصار الإضراب الطلابيّ داخل أسوار الجامعة وبوّاباتها المغلقة، فلقد اكتفى الطلبة بمظاهرة واحدة خارج أسوار الجامعة تخاطب الحكومة وتطالبها بسداد مستحقّاتها لجامعة بيرزيت ولزيادة هذه المخصّصات. لذلك التجأت السلطة لسياسية النأي بالنفس عن الأزمة، واكتفت بالبيان “التاريخي” الذي “أكّدت” فيه براءتها من الأزمة.

وبالرغم من أنّني بالطّبع لا أتفق مع مقولة براءة السلطة من الأزمة، إلا أنّني أعتقد أن السلطة بريئة من الحلّ. وبالرغم من أنّني أحد المطالبين برفع موازنة التعليم والصّحة والزراعة على حساب الأمن، إلا أنّني متأكّد أنّ ذلك مستحيل، فالمموّلون يمنحونا فتات الخبز لتمويل التعليم والصحة بسبب أنّنا ننفق “بقرة جحا” على الأمن، وإذ ما قللنا ميزانيّة الأمن، فستنقطع الأموال “الممنوحة”، ولن يتبقى لنا/علينا سلطة –بعيد الشر- ولا موازنة سلطة نطالب بتعديلها. وبالطبع هناك خيارات وبدائل أخرى أكثر جذريّة أمام السلطة، ولكنَّ هذه النخبة السياسيّة والطبقيّة غير معنيّة بمواجهة تبعات هذه الخيارات بالتأكيد. لذلك فإنّني أذهب إلى صحّة أن جذر المشكلة عند السلطة، ولكنَّ جذر الحل لا يمكنه أن يعتمد على السلطة، بل يجب أن يخرج من مجتمع جامعة بيرزيت.ومن المفترض أن يكون الحلُّ من شقين؛ شقّ يدقّق في السياسة الإداريّة للجامعة من حيث عدد الموظّفين الإداريّين في الجامعة الذين يبلغ عددهم تقريبًا ضعف عدد الأكاديميّين في بيرزيت، بينما يتناول الشقّ الثاني مشاريع إنتاجيّة توظّف الطاقة البشريّة الموجودة في مجتمع الجامعة، مع التنبّه لإشكاليّة تسليع التعليم وخصخصته وتحويل مضمونه من إنتاجٍ للمعرفة النقديّة إلى إنتاج معرفة لحلّ إشكاليّات السوق. فالمفترض في الجامعة كفضاء ومؤسسّة أن تطرح أسئلة وإجابات جديدة جديّة وأساسيّة حول خطّ سير المجتمع ككلّ وأن تعيد ترتيب الأولويّات فيه، لا أن تجيب على أسئلة السوق وتدعم خطَّ سيره وتعزّز أولويّاته.

ولكن دعونا نعود قليلاً للمقدّمة حول خطابات أسباب الأزمة؛ هل حقًا اعتقدت إدارة الجامعة هي الأخرى أنَّ السلطة بريئة من أزمة بيرزيت؟  كيف يمكن لأحد نوّاب الرئيس أن يكتب مقالًا يقول فيها أنَّ لأزمة بيرزيت حلّين وحيدين–متناسيًا السلطة- “هما خياران أحلاهما مرّ، فإمّا رفع الأقساط، وما يؤدّي إليه من صعوبات لأهالي بعض الطلبة، أو زيادة عدد الطلبة بشكل مضطرد ومستمرّ” وبالتّالي انخفاض مستوى التعليم.هل يمكننا تفسير غياب موازنة السلطة عن الحلول بقناعة مشابهة لقناعتي بأنَّ الحلَّ لا يمكن أن يوجد عند السلطة ؟ صراحة لا أعتقد ذلك. ولكنّني أرى تقاطعًا طبقيًّا وسياسيًّا بين جزء كبير من إدارة الجامعة والنخب الأوسلويّة، وإنّ من مصلحة هذه النخب في الجامعة والسلطة، ألّا تشتدّ وتيرة التناقض فيما بينها. ولذلك فإنني لا أعتقد أنّ إدارة الجامعة معنيّة بأيّ شكل من الأشكال مواجهة السلطة بشكل حقيقي فيما يخصّ مستحقّات التعليم العالي.

ومن جهة أخرى، عملت السلطة ونخبها منذ البداية على إفراغ الحركات النقابيّة الفلسطينيَّة من مضمونها، فأصبحت نقابة المعلّمين تصطفُّ إلى جانب السلطة ضدّ مطالب المعلّمين ونضالهم النقابيّ، وكذلك اصطفّت نقابة العمّال موقع المتواطئ على مصالح العمال والموظّفين في قضية إقرار قانون الضمان الاجتماعي المجحف. ويمكننا ملاحظة ذلك أيضًا في مجالس وهيئات مختلفة مثل المجلس الأعلى للشباب والرياضة الذي لا يمتُّ بصلة للشباب، أو الاتّحاد العام لطلبة فلسطين الذي أصبح أعضاؤه في سنّ التقاعد. ويمكننا أيضاً ملاحظة ابتعاد هذه الأجسام عن دورها النقابيّ والوطنيّ الحقيقيّ عند النظر للحراك الشعبي الأخير في شهر أكتوبر، والذي عجزت معظم هذه الأجسام عن المساهمة الحقيقيّة فيه.

وفي حين أنَّ هذا الوضع يتشابه مع معظم الأجسام النقابيّة والجماهيريّة، إلا أنَّه لا ينطبق تماماً على الحركة الطلابيّة في الجامعات الفلسطينيّة. فمع أنَّ الحركات الطلابيّة تعاني من العديد من الإشكاليّات البنيويّة وإشكاليّات غياب الرؤية عند معظم الكتل الطلابيّة، إلا أنّها تبقى أفضل حالاً من جميع الأجسام النقابيّة الأخرى. ويمكننا الاستدلال على ذلك من خلال أنَّ الحركات الطلابيّة هي الوحيدة التي استطاعت أن تكون فاعلةً في الحراك الشعبيّ في أكتوبر وإضرابات الأسرى وغيرها من النضالات والفعاليّات الوطنيّة. وجزء منها كان من الأجسام القليلة التي أعلنت تضامنها ودعمت حقيقةً النضال النقابيّ للمعلّمين، بالإضافة لدلائل أخرى مثل بقائها من الروافد الأساسية للكوادر السياسيّة في الأحزاب الوطنيّة والإسلاميّة، وغيرها من الدلائل.

وفي المقابل تسعى العديد من الجهات للسّيطرة على الحركة الطلابيّة وإفراغها هي الأخرى من مضمونها. وعلى رأس هذه الجهات يأتي رأس المال الذي يتغلغل في الجامعات الفلسطينيّة من خلال النخب والأيديولوجيا والدعم الماليّ وغيرها من الوسائل. ومن هذه الجهات أيضاً الاستعمار الصهيوني الذي يلاحق ناشطي الحركة الطلابيّة، وهو ذات الدور الوظيفيّ الذي تلعبه السلطة أحيانًا بالإضافة للمراقبة والاستخبار. وأخيرًا -وليس آخرًا- تلعب بعض الأحزاب دورًا سلبيًّا في علاقتها مع الحركات الطلابيّة، فتضغط عليها أحيانًا لإفشال إضراب هنا أو إلغاء مظاهرة هناك. وتساهم بعض الأحزاب في إفراغ الحركة الطلابية من مضمونها من خلال دفعها نحو نشاطات خدماتيّة واستهلاكيّة وتغيِّب النضالات النقابيَّة والوطنيَّة.

لقد أخذت العديد من الجهات على عاتقها مهمّة القضاء على ما تبقّى من الحركة الطلابيّة الفلسطينيَّة. وكان يمكن للإضراب الطلابيِّ الأخير في جامعة بيرزيت أن يكون كفيلاً في تحقيق جزء كبير من ذلك فيما لو فشل. والقضاء على الحركة الطلابيّة يأخذ معنى مضاعفًا خصوصًا اذا ما اتّفقنا على أنّها من آخر القلاع شبه المدمَّرة.