إعادة استعمار أفريقيا بالحروب المستمرة

٠٦ آذار ٢٠١٨

ترجمة: زينة زعرور

قبل ستّ سنوات، بتاريخ 20 تشرين الأول 2011، قُتل معمَّر القذافي.في وقت سابق من ذلك اليوم، احتلت المليشيات مدينة سرت- مسقط رأس القذافي- بعد معركة دامت لمدة شهر قصفت فيه قوات الناتو وحلفاؤها من "الثوار" مستشفيات المدينة وبيوتها بالمدفعيّة، وقطعوا المياه والكهرباء، وعبّروا علناً عن نيّتهم "لتجويع (المدينة) حتى تخضع." فرَّ آخر المدافعين عن المدينة، ومن ضمنهم القذافي، من "سرت" ذلك الصباح، ولكنّ طائرات الناتو تتبّعتهم وقصفت القافلة. استطاع القذافي النجاة والهروب من الهجوم، ولكن سرعان ما تمَّ القبض عليه بعد ذلك بوقت قصير. سوف أوفر عليكم التفاصيل البشعة التي أذاعتها وسائل الإعلام الغربية بكلّ فخر حول العالم وكأنها مشاهد انتصار في فيلم. ويكفي القول إنَّه تعرَّض للتعذيب وقُتل في نهاية المطاف رمياً بالرصاص. 

نحن نعلم الآن، إذا صدَّقنا شهادة  محمد جبريل وهو حليف ليبي مهم للناتو، أنَّ من قام بإطلاق الرصاصة القاتلة كان عميلاً أجنبياً، بالغالب فرنسيّ. ولم يكن موت القذافي فقط تتويجاً لسبعة أشهر من عدوان الناتو، بل حملة شنَّها الغرب ضدَّ القذافي وحركته منذ أكثر من ثلاثة عقود.

كما كان موته أيضاً افتتاحية لحرب جديدة؛ حرب لاستعمار أفريقيا عسكرياً. كان عام 2009، أي قبل عامين من مقتل القذافي، عاماً بالغ الأهمية للعلاقات الأمريكيّة- الأفريقية. أولاً، لأنَّ الصين استبدلت أمريكا كالشريك التجاري الأكبر للقارّة؛ وثانياً لأنَّه تمَّ انتخاب القذافي رئيساً للاتحاد الأفريقي.

وتأثير هذين السببين على تراجع نفوذ أمريكا بالقارة واضح للغاية. فبينما كان القذافي يحاول باستمرار توحيد أفريقيا سياسياً، مقدِّماً كميات كبيرة من  الثروة النفطيَّة الليبيَّة لتحقيق ذلك الحلم، كانت الصين تحطم بهدوء احتكار الغرب لأسواق التصدير وتمويل الاستثمارات. لم تعد أفريقيا مضطرة للذهاب إلى صندوق النقد الدوليّ لتطلب قروضاً، موافقة على أيّ شروط يضعها مهما كانت مذلّة، بل أصبحت تستطيع التوجّه نحو الصين– أو ليبيا- للاستثمار. وإذا هدَّدت أمريكا بأن تقاطعهم من أسواقها، ستكون الصين سعيدة لشراء أيّ شيء يُعرض عليها. كانت الهيمنة الاقتصاديَّة الغربية على أفريقيا تواجه خطراً لم يسبق له مثيل.

وبالتأكيد كان الردّ من الغرب عسكريّاً. سيتم استبدال الاعتماد الاقتصاديّ على الغرب– الذي كان يتمّ تحطيمه من قِبل الصين وليبيا- باعتماد عسكريّ جديد. وإذا لم تعد البلدان الأفريقيّة تأتي لتتسوّل من الغرب للحصول على القروض، وأسواق التصدير، وتمويل للاستثمارات، فسيتعيّن دفعها إلى موضع تضطر فيه إلى تسوّل المساعدات العسكريَّة الغربيَّة.

ولتحقيق ذلك، تمّ تأسيس أفريكوم AFRICOM– القيادة العسكريَّة الأمريكيَّة في إفريقيا– في العام 2008، ولكن إهانة للرئيس الأمريكيّ جورج بوش، لم تقبل أيّ دولة أفريقيَّة استضافة مقرّها؛ وبدلاً من ذلك اضطرت AFRICOM إلى افتتاح فرع في شتوتغارت، ألمانيا. قاد القذافي المعارضة الأفريقيَّة لـأفريكوم كما أوضحت المذكّرات الدبلوماسيَّة الأمريكيَّة التي أثارها "ويكيليكس" في وقتٍ لاحق. ولاقت الدعوات الأمريكيَّة للقادة الأفريقيّين لاحتضان أفريكوم آذاناً صمّاء.  

وكما أوضح المعتصم قذافي، مستشار الأمن الوطني الليبي، لهيلاري كلينتون عام 2009، فقد كان لدى أفريقيا نظام أمن موجود وفعّال، من خلال قوّات الاتحاد الأفريقي، ومجتمع دول الساحل والصحراء CEN-SAD؛ وهي مؤسَّسة أمنيَّة إقليميَّة لدول الساحل والصحراء تملك نظام أمنٍ فعال، وكانت ليبيا هي الدعامة الأساسيَّة لها. إنَّ بنية مكافحة الإرهاب المتطورة بقيادة ليبيا تعني ببساطة أنّه ليس هناك حاجة لوجود عسكريّ أمريكيّ. إذاً أصبحت مهمّة المخطِّطين الغربيّين هي خلق تلك الحاجة.    

حقق تدمير الناتو لليبيا في وقت واحد ثلاثة أهداف استراتيجية لخطط التوسع العسكريّ الغربيّ في أفريقيا؛ فهو بالتأكيد أزال أكبر عقبة أمام مثل هذا التوسع؛ أي القذافي نفسه. بغياب القذافي، وفي ظلّ الهدوء التام لحكومات الدمى الموالية للناتو والمسؤولة عن ليبيا، لم يعد هناك أيّ فرصة لأن تلعب ليبيا دوراً مهماً ضدَّ العسكرة الغربية. بل على العكس تماماً- كانت حكومة ليبيا الجديدة معتمدة تماماً على هذه العسكرة وهي تعي ذلك جيداً.

ثانياً، أدّى عدوان الناتو إلى انهيار كامل لنظام الأمن الحساس ولكن الفعال في شمال أفريقيا، والذي كان مدعوماً من قِبل ليبيا. وأخيراً، أدّى تدمير الناتو للدولة الليبيّة بالفعل إلى تسليم البلاد إلى فرق الموت والمجموعات الإرهابيّة في المنطقة. إذ تمكنت هذه المجموعات بعد ذلك من نهب الترسانة العسكريّة الليبية وإنشاء معسكرات تدريب كيفما أرادت، ومن ثم استخدمت تلك المعسكرات والترسانة الحربيّة لتوسيع عمليّاتها في أنحاء المنطقة.

وليس من قبيل المصادفة أنَّ معظم الهجمات الإرهابيَّة الأخيرة في شمال أفريقيا- ناهيك عن مانشستر- كانت إما محضَّرة في ليبيا أو ارتكبها مقاتلون قد تدرّبوا في ليبيا. "بوكو حرام"، والقاعدة في المغرب الإسلامي، وداعش، وأنصار الدين في مالي، وعشرات المجموعات الأخرى استفادت بشكلٍ كبير من تدمير ليبيا.

من خلال ضمان انتشار الجماعات الإرهابية في المنطقة، خلقت القوى الغربية بشكل سحريّ طلباً عالياً على المساعدة العسكريَّة التي لم يكن موجوداً من قبل. أنشأوا بالفعل حملة حماية لأفريقيا.

في بحث ممتاز نشر عام 2016، وضَّح نيك تورس كيف ترتبط الزيادة في عمليّات "أفريكوم" في جميع أنحاء القارة بدقة مع ارتفاع التهديدات الإرهابيّة. وقال إنَّ أعداداً متزايدة من الهجمات الإرهابيّة القاتلة قد رافقت هذا النمو، ومن ضمنها هجمات في بوركينا فاسو، وبوروندي، وكاميرون، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وتشاد، وساحل العاج، وجمهورية الكونغو الديموقراطية، وإثيوبيا، وكينيا، ومالي، والنيجر، ونيجيريا، والصومال، وجنوب السودان، وتونس.

وفي الواقع، تشير بيانات صادرة عن "الاتحاد الوطني لدراسة الإرهاب والردّ على الإرهاب" في جامعة ميريلاند إلى أنَّ عدد الهجمات قد ارتفع خلال العقد الماضي، وتزامن ذلك تقريباً مع إنشاء أفريكوم. في العام 2007، قبل أن تتأسس أفريكوم وتصبح قوَّة مستقلة، كان هناك أقل من 400 حادث إرهابي في كلّ عام جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا. عام 2016، وصل هذا العدد إلى 2000 تقريباً. بطبيعة الحال وتبعاً لمعايير أفريكوم الرسميَّة، هذا دليل على فشل كبير. ومع ذلك، فمن وجهة نظر حملة الحماية، يمثل ذلك نجاحاً باهراً، حيث تستعيد القوة العسكريَّة الأمريكيَّة الظروف اللازمة لتوسُّعها بسلاسة.  

هذه هي السياسة تجاه أفريقيا التي ورثها دونالد ترامب. ولكن لأنَّ هذه السياسة لم تُفهم دائماً على حقيقتها، ظنَّ العديد من المعلّقين والمحللين، وينطبق ذلك على الكثير من سياسات ترامب، أنَّ الرئيس ترامب يتجاهل ويفعل عكس توجهات سابقيه، ولكن في الواقع فإنّ ترامب بعيدٌ عن التخلّي عن هذا النهج، بل هو يتلذذ بتصعيده.

ما تقوم به إدارة ترامب، كما تفعل في كلّ مجال من مجالات السياسة، هو تجريد السياسة السابقة من تفاصيل "القوة الناعمة" الخاصة بها، لتوسيع والكشف عن القبضة الحديدية التي كانت موجودة طوال الوقت. وقد أوقف ترامب، الذي طالما عبّر عن ازدراءه لأفريقيا، المساعدات الإنمائية الأمريكيَّة لأفريقيا- خفّض ذلك مستوياتِ المعونة الإجمالية لأفريقيا بمقدار الثلث، كما نقلَ المسؤولية عن الجزء المتبقي من وكالة التنمية الدوليَّة إلى البنتاغون- في حين ربط علناً المعونات بتقدّم "أهداف الأمن القوميّ الأمريكيّ".

في كلمات أخرى، اتخذت الولايات المتحدة قراراً استراتيجيَّاً بإسقاط الجزرة ورفع العصى. ونظراً للتفوق الساحق للمساعدات الإنمائيَّة الصينيَّة، فإنَّ هذا أمر لا يثير الدهشة. وقرَّرت الولايات المتحدَّة التوقف عن محاولة المنافسة في هذا المجال، وبدلاً من ذلك، اتبعت بطريقة قاسية وواضحة النهج العسكريّ الذي كانت قد رسمته إدارتا بوش وأوباما من قبل.  

وتحقيقاً لهذه الغاية، صعَّد ترامب هجمات الطائرات دون طيار، مزيلاً القيود (المحدودة) التي كانت سارية خلال عهد أوباما. وكانت النتيجة زيادة عدد الضحايا في صفوف المدنيين، ومن ثم ازدياد الشعور بالاستياء والكراهية اللذيْن يؤجِّجان الانضمام إلى الميليشيات المسلَّحة. ومن غير المرجَّح أن يكون من قبيل الصدفة، على سبيل المثال، أنَّ تفجير الشاحنة الذي نفذَّته حركة الشباب وقتل أكثر من 300 شخص في مقديشو نهاية تشرين الأول الماضي قام به رجل من بلدة عانت هجوماً عنيفاً بالطائرات دون طيار على المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، في شهر آب.

وفي الحقيقة، خلصت دراسة مفصَّلة أجرتها الأمم المتحدة مؤخراً إلى أنَّه في "أغلبيَّة الحالات، يبدو أنَّ إجراءات الدولة هي العامل الأساسيّ الذي يدفع الأفراد في النهاية إلى التطرُّف العنيف في أفريقيا." من بين أكثر من 500 عضو سابق في منظمات مسلَّحة تمت مقابلتهم من أجل التقرير، أشار 71٪ منهم إلى "إجراء حكومي"، بما في ذلك "قتل أحد أفراد العائلة أو صديق" أو "اعتقال أحد أفراد العائلة أو صديق" باعتباره الحادث الذي دفعهم إلى الانضمام إلى مجموعة مسلحة. وهكذا تستمر الدائرة: هجمات بطائرات دون طيار تولّد التجنيد في المجموعات المسلَّحة، والتي تنتج المزيد من الهجمات الإرهابيَّة، الأمر الذي يترك الدول المعنيَّة أكثر اعتماداً على الدعم العسكريّ الأمريكيّ. وهكذا يخلق الغرب الطلب على "منتجاته".

وهو يحقِّق ذلك بطريقة أخرى أيضاً. يشرح ألكسندر كوكبرن، في كتابه سلسة القتل (Kill Chain)، كيف أنَّ سياسة "عمليّات القتل المستهدف"- سياسة أخرى لأوباما أخرى تسارعت في حكم ترامب- تزيد أيضاً من تشدُّد الجماعات المتمرِّدة. وكتب كوكبرن، متحدثّاً عن نقاش مع جنود أمريكيين حول فعاليَّة عمليات القتل المستهدف، ما يلي: "عندما تطرَّق الحديث إلى طرق هزيمة القنابل [على جانب الطريق]، كان الجميع متفقين. يكون لديهم مخطَّطات على الحائط تظهر خلايا المتمردين التي كانوا يواجهونها، وغالباً ما تحتوي هذه المخططات على أسماء وصور الرجال المسؤولين عنها". "عندما كنّا نسأل عن ملاحقة الأفراد المهمين وما سيكون أثر ذلك، يقولون لنا، نعم، لقد قتلنا ذلك الرجل الشهر الماضي، ولكنَّ عدد العبوات الناسفة التي نواجهها أكبر بكثير من قبلكانوا جميعاً يقولون نفس الشيءعندما تتخلَّص منهم، سيظهر هناك في اليوم التالي شخص أذكى، وأصغر، وأعنف، ويرغب بالانتقام."

كتب أليكس دي وول عن حقيقة ذلك في الصومال، فيقول: "يتبع كلَّ قائدٍ مقتولٍ نائبٌ أكثر راديكاليَّة. بعد محاولة فاشلة في العام 2007، قتلت الولايات المتحدة قائد حركة الشباب، آدن حاشي فرح عيرو، في غارة جويَّة في أيار العام 2008. كان خليفة عيرو، أحمد عبدي جودان (الملقب بمختار أبو زبير) أسوأ بكثير، فضمّ الحركة إلى القاعدة. نجحت الولايات المتحدة باغتيال جودان في أيلول العام 2014. وفي المقابل تلى جودان متطرف أكثر حزماً، هو أحمد عمر (أبو عبيدة). من المحتمل أن أحمد عمر هو من أمر بالهجوم الأخير في مقاديشو، وهو الأسوأ في تاريخ الدولة الحديث. ويوؤكد دي وول أنَّه "إذا بقي القتل المستهدف استراتيجيَّة مركزيَّة للحرب على الإرهاب فإنَّها من المقرَّر أن تكون حرباً لا نهاية لها". 

ولكن الحرب المستمرّة هي الهدف. لأنَّها لا تجبر البلدان الأفريقيَّة- التي بدأت أخيراً بتحرير نفسها من الاعتماد على صندوق النقد الدولي- إلى الاعتماد على أفريكوم فحسب؛ بل تقوِّض من علاقات الصين المزدهرة مع أفريقيا على حدّ سواء. 

ما زالت التجارة والاستثمارات الصينيَّة في أفريقيا تنمو بسرعة. ووفقاً لمبادرة البحوث الصينيَّة-الأفريقيَّة في جامعة جون هوبكنز، ارتفعت مخزونات الاستثمار الأجنبي المباشر الصينيَّة في أفريقيا من 2% فقط من قيمة الأسهم الأمريكيَّة في عام 2003 إلى 55% في عام 2015 عندما بلغ مجموعها 35 مليار دولار.

ومن المرجح أن تزداد هذه النسبة بسرعة، نظراً إلى أنَّ الاستثمار المباشر للصين في أفريقيا نما بمعدل سنويّ قدره 20.5 في المئة بين عامي 2009 و 2012، في حين انخفضت مستويات تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الأمريكيَّة إلى أفريقيا بمقدار 8 بلايين دولار في أعقاب الأزمة الماليَّة العالميَّة. وفي الوقت نفسه، تجاوزت التجارة الصينيَّة-الأفريقية 200 مليار دولار في عام 2015.

وتهدف سياسة الصين "حزام واحد طريق واحد"- التي تعهّد بها الرئيس شي جين بينغ بمبلغ 124 مليار دولار لإنشاء طرق تجارية عالميَّة- إلى تسهيل التجارة السنويَّة بقيمة 2 تريليون دولار، وستساعد أيضاً على تحسين الروابط الأفريقيَّة مع الصين.

أمّا سياسة ترامب تجاه المشروع فقد لخصَّها ستيف بانون، مستشاره الأيديولوجيّ، ورئيس الاستراتيجيين السابقين، في كلمات قليلة: "لندمِّر مشروع حزام واحد طريق واحد". محاولة الغرب لزعزعة السياسة في أفريقيا- من خلال توفير الظروف الملائمة لازدهار المجموعات المسلَّحة وفي ذات الوقف توفير الحماية ضدَّها- يهدف بشكل أو بآخر إلى تحقيق هذا الهدف الطموح. وكانت إزالة القذافي مجرَّد خطوة أولى.