إعادة صيانة المنظومة: قانون تبييض المستوطنات مثالًا

٢٥ كانون الأول ٢٠١٦

صادق الكنيست الإسرائيليّ يوم الاثنين5كانون الأول2016، بالقراءة التمهيديّة، على قانون أطلقت عليه بعض وسائل الإعلام العربيَّة قانون “تبييض المستوطنات” وأخرى  قانون “تشريع المستوطنات”. ولكنَّه، عمليًا، ليس إلّا تفسيرًا لقانون جوهر المشروع الصهيونيّ، والذي ينصّ على “الاستيطان في أرض فلسطين”، أي أنَّه مرحلة لضمان عمليَّة مستمرَّة تهدف أساسًا إلى ملاءمة المنظومة القضائيَّة والتشريعيَّة للمشروع المستمر الذي يشكّل الاستيطان أساساً ثابتاً فيه.

عند الحديث عن الاستيطان أو المستوطنون، هناك لبس دارج حيث وبالموازاة مع نقل الخبر من الإعلام الإسرائيليّ، يتمعادة ودون قصد، نقل السياق والروايّة التي تفصل بين المستوطن، والمجتمع والدولة بمؤسّساتها المختلفة من العسكر مرورًا بالقضاء.إنَّ الاستيطان في المشروع الصهيونيّ هو المنظومة، وليس الحدث، وبالتالي فإنَّ القانون حدث في منظومة وليس شاذًا أو غريبًا عنها وهو يهدف إلى إعادة صيانة للمنظومة الاستيطانيَّة كي تسير عجلة النهب بوتيرة أسرع وأكثر سلاسة، واعتباره حدثًا لا يتعارض مع مناقشته فكل حدث في المنظومة يؤثّر عليها في الاتجاه السلبيّ أو الإيجابيّ.

قانون شرعنة لسياسة الأمر الواقع:

في صيغته النهائيَّة، يسمح القانون الذي أطلقت عليه الحكومة الإسرائيليّة اسم “قانون التنظيم” أو “قانون تبييض التجمّعات الاستيطانيّة”، للمستوطنين بالاستيلاء على أيّ قطعة أرض في فلسطين، حتَّى لو كانت ملكيَّة خاصّة، وهو عمليًا ما منعه القانون الإسرائيليّ والدوليّ سابقًا في أروقة المحاكم فقط. ويسمح القانون بالاستيلاء على الأرض، وفي حال أثبث مالك الأرض ملكيّته فإنَّ المؤسسة الاستعماريّة ستعوّضه بمبلغ قيمته 125% من سعر الأرض الذي سيحدّده خبير إسرائيليّ أيضًا. ما يعني عمليًا، أنَّ القانون يُرغم الفلسطيني على بيع أرضه من خلال سياسة فرض الأمر الواقع.

وجاء اقتراح القانون في أعقاب إصدار المحكمة الإسرائيليَّة العليا أمرًا بإخلاء مستوطنة “عمونا” المقامة على أراضي خاصة تعود ملكيتها لفلسطينيين. وهو ما دفع المشرّعين لاقتراح القانون منعًا لتكرار ما حصل في المستوطنة التي أصبح إخلاءها أمرًا لا مناص منه. وفي ذات السياق، تشير إحصائيات أجرتها كتلة “السلام الآن” إلى أنَّ القانون سيمنح تراخيص لـ4000 وحدة استيطانيَّة عشوائيَّة في الضفّة الغربية أقيمت على أراض فلسطينيّة خاصّة وستُهدم بقرار من المحكمة في حال أثبت الفلسطينيون ملكيَّتهم لها. بالإضافة إلى 800 بؤرة استيطانيَّة عشوائيَّة وشرعنة 72 ومصادرة 8000 دونم بعد المصادقة على القانون. إذاً بات من الواضح أنَّ القانون عمليًا، ليس إلّا أداة لمنح الواقع الذي فُرض على مدار عشرات السنوات، حصانة قانونيَّة.

بين “عمونا” والعمونات الكُثر:

يزيد القانون من الإمكانيّات المفتوحة أمام الدولة الاستيطانيّة بكل ما يخص الاستيلاء على الأرض، فيُسَّهل من الاستيلاء على الأراضي دون أي محدّد أو اعتبار في السياق القانونيّ، مع التشديد على السياق القانونيّ، حيث شكَّلت المحكمة العليا في السنوات الأخيرة عنوانًا للفلسطينيين والمؤسَّسات الحقوقيَّة بكلّ ما يخص الاستيلاء على الأراضي الخاصَّة ومنع مصادرتها أو منع سلبها، خاصة لهؤلاء الذين يملكون صكوك ملكيَّة للأرض. وعلى الرغم من أنَّ المشروع الاستيطانيّ لم يُكبح في المعركة التي خاضها الفلسطينيون في المحكمة العليا، كما يظهر في الإحصائيّات المذكورة أعلاه حول كميَّة المستوطنات المقامة على أراضٍ خاصّة، إلّا أنَّها شكَّلت منفذًا للخطاب الحقوقيّ برمّته، سيُغلق مع إقرار القانون ويُصبح منفذًا ماديًا، أشبه بشرفة تطلّ على الأرض من إحدى البلدات الفلسطينيَّة التي تحوَّلت إلى سجون هي الأخرى، تحيطها المستوطنات.

أكدَّ رئيس الحكومة الإسرائيليّة، بنيامين نتنياهو، في تصريح له على أنَّ الهدف من إقرار القانون هو منح غطاء قانونيّ للممارسة الاستعماريَّة؛ إذ يقول تعقيبًا على قرار هدم مستوطنة “عمونا” إنَّ “الحلَّ سيبقي السكّان على الجبل، ولا يفتّت شملهم… بالإضافة إلى عمونا هناك عمونات كثيرة، تكرار الموضوع يزعجنا كثيرًا، نحن نبحث عن حل قانونيّ. هذه فترة دبلوماسيّة صعبة، وأطلب من كافّة السياسيين ضبط النفس.” يمنحنا نتنياهو بذاته، نظرة إلى سياق القانون والهدف منه: عمونا كحالة وعدم تكرارها كهدف. وهذا ما يؤكّد عليه أيضًا التعديل الذي طرأ على القانون، إذ أنَّ القانون بصيغته النهائيَّة لا يمنح الحماية للتجمّعات الاستيطانيَّة التي أمرت المحكمة بإخلائها، وهي مستوطنة “عمونا” بالإضافة إلى 10 وحدات سكنيّة في مستوطنة “عوفرا” الواقعة غرب رام الله.

قانون أملاك الغائبين: الصيانة الأولى

اقترحت الحكومة الإسرائيليَّة نقل مستوطنة “عمونا” من موقعها الحاليّ إلى الشمال في ذات المنطقة مدَّعية أنَّ الأراضي في المنطقة التي ستُنقل إليها المستوطنة، هي “أملاك غائبين”. وعلى الرغم من رفض المستوطنين الانتقال إلى الأرض البديلة، إلّا أنَّها فرصة للاطّلاع على قانون “أملاك الغائبين”كونه لا يختلف عن القانون الحالي إلّا بالوقت والمرحلة التي يتموضع فيها المشروع الاستعماريّ في فلسطين. لقد كان قانون “أملاك الغائبين” القانون الأولالذي هدف إلى منح غطاء قانوني للممارسة الاستعماريَّة المفروضة بفعل السلاح والقوَّة. بعد النكبة وجدت المؤسسة الإسرائيليَّة ذاتها أمام كم هائل من الأراضي والأملاك التي لا تملك أي طريقة قانونيَّة لتنظيمها. وبما أنَّ الأراضي موجودة بفعل ممارسة استعماريَّة على أرض الواقع، أصبحت هناك حاجة إلى غطاء قانونيّ ينظّم التعامل مع الواقع الذي نشأ بعد أكبر عمليَّة نهب وتطهير عرقيّ في التاريخ الحديث.

ينصّ قانون “أملاك الغائبين” على التالي:” الغائب”هو كل شخص ترك مكان سكنه منذ تاريخ 29 تشرين الثاني عام 1947  وحتى انتهاء حالة الطوارئ التي أقرتها الأمم المتحدة–والتي لم تنته حتى يومنا هذا-إلى دولة عدو، أو إلى أيّ بقعة داخل فلسطين كانت تقبع في حينها تحت سيطرة جهات تحارب إسرائيل، بالإضافة إلى كلّ شخص تواجد داخل فلسطين في مناطق لا تسيطر عليها إسرائيل وكانت تحت سيطرة دول تحارب وتعارض قيام دولة إسرائيل. وفي العام 1967، عندما احتلَّت الآلة العسكريّة الإسرائيليَّة الأراضي الفلسطينيَّة التي كانت عمليًا تخضع للحكم الأردنيّ في الفترة بين العام 1947 حتّى انتهاء قانون الطوارئ الذي لم ينته بعد، فإنَّ أراضي القدس عمليًا، أصبحت كلَّها “أملاك غائبين” حتّى ولو لم يتزحزح ملّاكها من مكانهم. أمّا في الضفّة الغربيّة، فمع إقرار القانون الإسرائيليّ، ستصبح أي قطعة أرض”أملاك غائبين” حتّى إثبات العكس. وفي حال مرور القانون الجديد، فإنَّ الإضافة النوعيَّة التي ستحصل عليها المنظومة الاستعماريَّة، هي بإضافة أنَّه مع إثبات الملكيَّة يصبح الحل بالتعويض الماديّ، أي البيع فرضًا. والبيع عمليًا، هو نظرة إسرائيليَّة إلى المستقبل فالقانون الدوليّ يحمي الملكيَّة الخاصّة التي تنهبها المؤسسة الاستيطانيَّة. وفي حال حصلت أي عمليَّة تسوية مستقبليَّة للصراع مع الصهيونيّة، تصبح الأراضي ملكاًللمجتمع الاستيطانيّويضمنها القانون الدوليّ. أي بكلمات أخرى: هي تصفية للقضيَّة على المدى البعيد.

بين الممارسة والقانون:

في منظومة استعمار استيطانيّ كالمنظومة الإسرائيليَّة، فإنَّ القانون يأتي ليُعالج القائمين خلال تشريعه. وهذا نهج ملحوظ منذ النكبة وحتى الآن وبعد مرور 69 عامًا عليها. فأعاد المشروع الاستعماريّ إنتاج ذاته من جديد مع كل مرّة. وها نحن أمام حالة أخرى يقوم المشروع خلالها بإعادة إنتاج المنظومة بما يتلاءم مع ممارساته. ومن المهم التشديد على السياق الزمني فالممارسة تسبق التشريع. وهذا ما يحيلنا إلى مقولة بن غوريون حين قال في معرض نقاشه مع جابوتنسكي حول قبول قرار التقسيم أو رفضه إنَّ “حدود الدولة نرسمها ونحرسها بالقوَّة وليس بالعمل الدبلوماسي الذي نحصل من خلاله على الشرعيَّة ليس أكثر.”هذا هو جوهر السياسة الإسرائيليَّة الذي لم يتغيَّر أيضًا. ولمحاربة منظومة الاستعمار، لا مناص من قول الحقيقة: مقابل كل مشروع استعماريّ هناك حاجة لمشروع تحرّري. والمحكمة العليا الإسرائيليَّة ليست خارج المنظومة بل جزء لا يتجزأ منها. وفرض الحقائق في الصراع التحرَّري ينبع أساسًا من جوهر فكرة التحرّر: فرض الحريّة.