إلى أين يذهب الشّهداء؟

٠٦ آب ٢٠١٦

من فصل ” إلى أين يذهب الشهداء؟ ” في كتاب بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية – د. فيصل درّاج

منذ عقود عدة والشهيد يتناتج في المسار الفلسطيني، ويتناسل طليقاً فيه، حتى أصبح الشهيد علاقة يومية في الوجود اليومي الفلسطيني، إذ أن الثاني يستدعي الأول ولا يقف من دونه، كأن بينهما تلازماً يشابه ذاك القائم بين الخصب والمطر. ولأن نداء الشهيد ظلّ يحوم في الفضاء يتيماً  فقد تحوّلت هالة المفقود إلى سؤال حزين: إلى أين يذهب الشهداء؟

ويذهب الشهيد وتعود منه صورة يلتقطها جدار، يتخفّف من الصورة، لاحقاً، ويعود جداراً بلا ذاكرة كما كان.

تغسل مياه الأمطار صور الشهداء حتى البلل الأخير، وتتغضّن وترتخي، فتقع مزقاً ويظل منها مزق،  فوق الجدار الذي لا يتحمّلها طويلاً، ويتوقف المطر، وقد أسلم بقايا الصور إلى غبار، ثقيل أو خفيف، يطمس المِزَق المتبقيّة. ووابل لاحق من المطر يأتي، ويذيب ما تبقى، ويفتّت المزق التي علاها الغبار. ويعود الجدار الى صمته، خالياً من وجه تباعد، تحمل ملامحه المضيّعة ابتسامة لا تشبه الابتسامة. مزقٌ وغبار ومطر، كانت، فيما مضى، روح شاب مشتعلة.

ويمكن للبلاغة أن تستدرج الكلمات وتلبّيها طائعة. غير أن شيئاً يرقد خلف جدران البلاغة، يُذكّر بشاب لا يعرف، في هيجانه النبيل، أنه أضاع جزءاً من أحلام الشباب الأليفة، من أجمل حلم أعلى، بقي مضيّعاً، ويسأل من وقفت عيناه على ابن الشهيد منكمشاً: إلى أين يذهب الشهداء؟ يستقر الرعب في ثنايا السؤال، قبل أن يذهب إلى المقبرة. فمن كان في الصورة التي بددها المطر خلّف وراءه من يبكيه في أكثر من مناسبة، ومن يذكره كما هزّته الوقائع الجائزة.

“كان الشهيد الغالي ملتزماً بقضية شعبه، وأظهر شجاعة فائقة في المعارك المتعددة التي شارك فيها، استشهد عن عمر يناهز الرابعة عشرة، وكان قد انتسب الى صفوف الثورة منذ سنوات، وقام بأربع دورات عسكرية…” ولم يكن الشهيد يعرف معنى الدورة العسكرية تماماً، ولا معنى الثورة، وإنّما كان يعرف بؤس اللجوء الذي يحضّه على التمرد، وذل الهزيمة الذي يدفعه إلى اليقظة، ويعرف، وهو الفلسطيني المسلّح، أنه قادر على مواجهة الإسرائيلي المسلح الذي اغتصب أرضه. كانت في الشهيد عفوية وبساطة، لا تأتلف مع آلة صماء تصنع الملصقات وتصنع معها بلاعة ناعية لا تتعرّف على البراءة.

“الشهداء يعودون هذا الأسبوع” يقول الطاهر وطّار. الشهداء لا يحسنون العودة، ولا تجمع رفاتهم المبعثرة بين القبور المختلفة والجيوب المتعددة. والجيوب المنتفخة يروقها الشهيد الذي يحسن المغادرة ولا يعرف الرجوع. يظلّ الشهيدُ في موقعه المجهول، تحنّ إليه أمٌ ثكلى وطفلٌ ناقص الكلام وقذيفةٌ شطرتهُ في يومٍ من الأيام إلى نصفين. وقد تستذكره خيمة احترقت وصديق من أيام الصّبا كثير الأولاد وصبيّة أحبّته قبل أن يعود إلى الوطن ولا يعود. ليس في سيرة الشهداء إلى سيرة الفقراء، وقد أُضيفت الى اللوعة المتجددة أوصال مقطّعة نازفة.

ويسأل من درس الفلسفة مجتهداً: من أين تأتي الأفكار؟ وجواب الكاتب حاضر ويمتص الارتباك. وقد يجتهد الفضولي ويقول: إلى أين تذهب الأفكار؟ تختلف الإجابات باختلاف المدارس، فلنًّعيم الأبديّ مكانٌ، ولأرض الوطن الدافئة مكان، وللجماهير التي تحرضها الكمات مكان، ويمكن للسائل الفضولي أن يزعزع جاهز الإجابات ويقول: إن كانت الأفكار تصنع الحق فإن صانع الأفكار يصنع أجمل العوالم. ولا أحد يصنع أحداً، تقول التجربة، حتى وإن اجتهد، لأن انزياحاً لامتوقعاً يخدع الأفكار وصانع الأفكار. تأتي الأفكار من حيث أتت، وتذهب إلى لامكان، إلى أعطاف التاريخ الذي يجمّعها أو يبدّدها كما يشاء. ويعود السؤال المتواتر: إلى أين يذهب الشهداء؟ يتناثرون تارة، ويتوّحدون تارةً اخرى، من دون أن يتحكم أحد بآفات التشتت والتلاقي. كأن الشهيد، الذي اختار الحرية أو اختاره الموت، لم يحقق تحرره إلا بعد أن احتضنه الموت. وحريته الأخيرة تجعله عصيّاً على التدجين والامتثال .

في الشهيد بعض ملامح الفكرة، وإن لم يكن فكرة أخرى، حتى وإن غسله الدم وسارت خلفه الجموع، يوماً، وبكت. والأفكار، التي الشهداء صورة عنها، تذهب إلى لا مكان، رواية على من يحسن الاستماع، ولادة الأحلام وتكسر الأحلام، شيء من الخيبة وأشياء بالغة الجمال، تلازم صورة الشاب المتمرد، الذي أصبح شهيداً. وما كان جماله في خطاه المجتهد إلى وطن مضيّع، ولا في استعداد نبيل لمصافحة الموت، بل في إرادة غريبة تضاف إلى حلمه، ويكمل المسير، مؤمناً أن السير إلى الحلم أجمل من اللقاء معه. مفارقة كئيبة لحظة الامتلاء، ويأفل القمر لحظة الاكتمال، ويموت الحلم وهو سائر إلى حلمه، كأن حجر الحياة يخذل ذراع رافعة قوية، فيعرف القصد ولا يتملّى غاية القصد أبداً.

تقول قصيدة رافئيل البرتي” شرفات منزلي مرتفعة، لكنّي لا أرى البحر. لكم هي منخفضة”… يرشح في القول الشعري حزن ثقيل: فالكتاب الذي ركض اليه الطفل لاهثاً بددت حروفه الأمطار، والمعلّم الجميل الذي وعد بدرس جميل داسته سيارة طائشة، والشهيد الحزين ضللّته السبل فانتهى إلى مصانع التعليب دون أن يرى الوطن.

وفي الشهيد بعض ملامح الفكرة، إن لم تكن فكرة تفضي إلى أخرى، والأفكار تذهب إلى لا مكان. ينطلق الشهيد من فكرة فاتنة ويتحول إلى فكرة عندما يذهب، تغوي شهيداً جديداً بالذهاب إلى المكان المجهول الذي تبعثر فيه الشهيد الأول. ولو ذهب الشهيد إلى المكان الذي كان عليه أن يذهب إليه، لأصبح الوطن في جيب وَرَثَةِ الشهيد، ولعرف أهل الشهيد اسم المكان الذي ذهب إليه. ليس في مكان الشهيد المجهول أحجية، لأن الشعوب لا تولد واعية، وانما تقترب من وعي لن تصله، عن طريق الشهداء والحفاظ عليهم. ففي الشهيد المجهول ما يوقظ ذاكرة متكونة ما يسعف تكوّن ذاكرة لم تتكوّن بعد، وفيه ما يدفع بذاكرة إلى إتلاف أخرى. ويسبب هذه الذاكرة الممزّقة، ويكون الشهيد جزءاً من الماضي وجزءاً من المستقبل، وليس له في الحاضر صورة واضحة. كأن الشهيد لا يخبر عن موقع اقامته إلا حين يعثر على ذاكرة تقرأ، بلا خطأ، العلاقة بين فعل الشهيد والغاية التي كان يسعى اليها.

وللشهيد بدايته المعروفة العصية على التحديد. يأتي من بيوت عافت ذلًّها وإيمان بالحق شديد ومن معرفة توحد بين الحرف والكرامة… ويهب إلى حيِّز معمور بالاحتمالات. يذهب إلى حيث قاده الحلم الواعي والصحيح أو المرتبك والدليل الذي أخافته العاصفة والمسؤول الذي أراد “عملية جديدة” والبندقية التي أفرغت طلقتها والكمين الذي لم يتوقعه لحظة بدء المسير. يذهب الشهيد-الفكرة إلى المواقع التي تذهب إليها الأفكار، مع فرق جوهري: تعثر بعض الأفكار على بعض الكتب التي تحفظها وتحتفظ بها، بينما لا يعثر الشهيد– الفكرة على الكتاب الذي يحافظ عليه، إلا في فترات عابرة من التاريخ. بين بعض السلطات وبعض الأفكار علاقة سعيدة، والشهيد- الحلم لا سلطة تحتضنه لأن السلطات تحتضن ما يبدد الحلم ويطارد الحالمين. وتجد فكرة السلطة من يرعى شؤونها، فلها تقام المكتبات ومراكز الدراسات ومن أجلها تعطى الجوائز والألقاب، بينما تقف فكرة الشهيد معلقة في الفراغ … إلا من سلطة تكره في الشهيد حلمه وترى فيه كابوساً

إنَّ حلم الشهيد هو كابوس السلطة، مثلما كابوس الشهيد هو اندثار الأحلام. لذلك تصدُّ السلطة كابوسها المزدوج، بأفكار تصدُّ الأحلام، وتجعل من زمن الشهيد كابوساً تولى. وهكذا تقام المكتبات لاجتثاث الأحلام، وتظلُّ هواجس الحالمين موزعة في الفراغ، لا مكتبات فيها.

يذهب الشهيد إلى لامكان، بمعنى مزدوج، فهو لم يصل إلى الغرض الذي كان يعتقد أنه واصل اليه، ولم يستقر في أحضان مكتبة تعرف اسمه وتعرف أفعاله. فهو الملصق الذي كان وهو الملصق الذي غطى الجدار يوماً وبددته دورة الفصل، وهو الولد الذي نسيته عائلته بعد أن استأنفت هموم الحياة، وهو الصورة التي كانت في الأرشيف الذي احترق، وهو المنسيُّ بين شعارات تباعدت وطواها النسيان، وهو الفكرة التي نسيها الكاتب بعد أن أنهى الدراسة. من يعرف أسماء من عاشوا في مخيم تلِّ الزعتر واندفنوا فيه أو تفسخت جثثهم لأنها لم تعثر على من يدفنها؟ من يعرف كوابيس الذين انتظروا الموت البطيء في صبرا وشاتيلا؟ من يعرف أسماء الذين جرفهم النهر وهم يبحثون عن الضفة الأخرى؟ وما اسم الطفل الفلسطيني الذي توسد تراب صبرا قتيلاً ولم يبلغ السادسة؟ وما اسم الذي مات حرقاً لأنه لا يحسن الكلام؟ يذهب الشهداء إلى لامكان يترسبّون في ثنايا ذاكرة يعالجها النسيان، أو في قاع حفرة لا يبلل ترابها أحد، ويترسبون في قاع حزن ثقيل لم يذقه إلا من تعب من أحلامه وانزوى.

رغم تأمل فراغ في المسرة يتابع الشهداء دربهم نحو الحلم الذي لا يُرى. وذلك لسبب بسيط فالشهيد لا يتناسل من الشهيد الذي سبقه، وانما يأتيان من مملكة الأحلام الضرورية، والتي لا موت لها، ولا وجود من دونها. الشهيد فكرة، والأحلام أفكار، ولأن الأحلام لا تموت، يتوافد الشهداء من غير انقطاع. والحديث عن الأفكار حديث عن صراع الأفكار، وصراع بين من يبني الحلم ومن يهدمه، فمن كان لا حلم له يصل إليه الحلم الذي لم يذهب إليه، ومن كان كثير الأحلام لا يصل إلى الحلم الذي سار إليه، بل يذهب إلى قبره مدثراً بدمه. يذهب حلم البعض إلى بعض أخر، لأن من لا يعرف الأحلام هزم الحالم واختلس منه الطريق.

تتصارع الأفكار، يتحصّن السلطويّ منها بمكتبته، ويذهب نقيضها، من دون مكتبة، إلى بيوت المضطهدين. فكر يمتع الظلم ويستمتع به، وفكر يبتعد عن الظلم ويستجير بضعفاء لا يجيرونه لأنهم لا يجيرون أنفسهم. من الذي أجار ناجي العلي عندما استجار به؟ تتناثر الكلمات مثل الرثاء الذي تناثر بعد اغتياله، ولم يفعل شيئاً. إلى أي أرض قصد الشهيد ناجي العلي؟ قصد ناجي العلي، يقال، قبره في ضواحي لندن، أو ضمائر “الجماهير الشعبية ” أو صفوف “شهداء الحرية” أو مقام غسان وعبد الرحيم محمود … وبسبب توزع الاحتمال يذهب ناجي إلى لا مكان، إلا من مكان محتمل في كتب “الرسم الكاريكاتوري” الذي كان فيه معلِّماً.

شهداء يأتون ويذهبون. ويتناسلون من مواطن الاحتمال وأرض الأحلام. يدهشون العقل الحزين قبل ذهابهم، ولا يدهشونه بعد الرحيل إلا قليلا. فما كان مشتعلاً ينطفئ، ومن يولد منطفئاً لا يعرف الاشتعال. والحياة تسير في نقائضها، لأن ما هو منطفئ يحرض الحالم على اقتباس شعلة أو ضوء، من جميل قيد الاحتمال أو من جميل مضى. وتستبعد الذاكرة، التي تقاوم الانطفاء، بضع صفحات من كتاب كثير الصفحات. محمود الهمشري، بسيط في صلابته وصلب في بساطته، يروي الفرنسيين عدالة قضيته وينظر إلى القاموس، وعز الدين القلق يخلط الجد بالهزل والمأساة بالملهاة ويمضي باحثاً عن مكان جديد ينام فيه. ووائل زعيتر يترحل بقميصه البسيط وكلماته العميقة وكتب أثيرة عنده لا يفارقها … لا شيء ينتمي إلى قتام الكابوس وغبار الأيام، فما تحتفي به الذاكرة جاء من أحلام البشر الى الورد ذهب.

وتلوذ بغيوم الأحلام أشياء كثيرةٌ، بعضها واضح الاسم واللقب وبعضها مجهول الاسم وضائع اللقب. طلقات مروعة توقظ جماعات من نومها المتقطع، تجتمع الطلقات والليل والتخلّي، لتفرش حارات المخيّم المنسي بصفوف من الشهداء جديدة: “في ذلك الوقت لم تكن هذه المجموعة من النساء وحدها تجري طالبةً للنجاة. ففي الساعة السادسة مساء، اتصل الكولونيل يائير، قائد فرقة المظليين الاسرائيليين، بشارون عبر شبكة الاتصال، وأخبره بأن النساء والأطفال يهربون من المخيمات من جهة الشمال وينشرون قصص المذابح، لذلك يجب ملاحقتهم والسيطرة عليهم” فمن الذي طلب النجاة ونجا، ومن الذي تعثر واصطحبه الموت؟ ومن الذي هرب وأنقذه جلده، ومن الذي سبقه الرصاص واستقر في حفرة جماعية؟ “في ذلك الوقت …” كان الوقت شبيهاً ب “هذا الوقت” قلَّة هاربة “تجب ملاحقتهم والسيطرة عليها” قليل جديد يعاود النجاة، باحثاً عن درب جديد.