إنجازات في فنزويلا لا تشكّكات - الجزء الثاني

٠٩ شباط ٢٠١٦

ليس من مصلحة البشرية أن يكون هناك موقع طليعيّ فيما يسود الخمول والتراجع في بقية المواقع، ولكن هذا ما حصل بعد انهيار الاتحاد السوفييتي؛ إذ تقدمت القارّة اللاتينيّة الصفوف، والتي لعبت جوهرتها (جزيرة الحريّة كوبا الاشتراكية بقيادة كاسترو) دور المهماز وقوة المثال والحكمة والسنيد لثوار العالم، وبشكلٍ أخصّ لمحيطها القريب أمريكا اللاتينيّة.

من هنا اكتسحت الحكومات اليسارية المنتخبة ثلثي القارة، وأكبر بلد فيها “البرازيل” التي تشكل نصف القارة جغرافياً، وثلثها سكانياً بـ 220 مليون نسمة، ناهيكم عن بوليفيا ونيكاراغوا والإكوادور والباراغواي وفنزويلا، ويسار وسط في الأرجنتين وتشيلي، وقوة منافسة في المكسيك.

وأثبت الشعب الفنزويلي حيويته واستجابته، إذ ردّ على سياسات الخصخصة والتقشف عام 1989 بإملاءات من صندوق النقد الدولي، بالتمرّد والنزول للشارع؛ وعام 1992 بادر الضابط الشاب هوجو تشافيز بمحاولة انقلابية فاشلة، اعتُقل على إثرها عامين، وبعد خروجه من السجن راح يجول في أنحاء البلاد والتجمّعات الشعبيّة، ما جعله متلاحماً مع الناس وهمومهم، فيما نظرت له جموع الجماهير كممثّل لأوجاعها وتطلّعاتها.

ومن جديد تتأكّد أهمية الشخصيّة الكاريزماتيّة، كتلك التي امتلكها فيديل في كوبا قائد حركة 26 تموز، والذي هجم مع رفاقه على ثكنات مونكادا العسكرية في مدينة “سانتياغو دي كوبا”، وتمّ اعتقاله… ثمّ انتقلوا على متن قارب غرانما (الفجر) من الشواطئ المكسيكية إلى غابات “سييرا مايسترا” في كوبا، وبؤرة مكونة من 12 مقاتلاً تنتشر كما النار في الهشيم، لتتحرّر العاصمة الكوبية هافانا بعد عامين.

يلمع اسم تشافيز ويفوز برئاسة البلاد في انتخابات عامة 1998 حاصداً 60% من الأصوات؛ وحسب لينين فإنّ “الذي لا يكتسب الأغلبية ليس حزباً ولا يساوي شيئاً“، وكان ذلك منصة انطلاق لعهد جديد للجمهورية الفنزويليّة البوليفاريّة؛ نسبة إلى بوليفار محرّر سبع دول لاتينية من قبضة المستعمر الإسباني قبل قرنين، وهو من كاراكاس كما تشافيز، وتنسب بوليفيا إليه أيضاً.

وكما هو الحال في الثورات الحقيقية الظّافرة في التاريخ، أنجز الحكم الجديد دستوراً جديداً استفتى عليه الشعب، وحصل على تأييد بنسبة 71%، واشتُقّ برنامجه استناداً إلى وعوده الانتخابية.

وكسر “نظام الحزبين” كخدعةٍ رأسمالية، حيث يتبادل حزبان السلطة في أمريكا أو بريطانيا… كما في فنزويلا، وكلاهما عمّق تبعيّة الاقتصاد الفنزويليّ والسياسة الفنزويليّة إلى درجة فقدان السيادة، فأعلن توجّهاته الاستقلالية وتحرير ثروة البلاد النفطية التي كانت تشكل 70% من اقتصاد البلد وتملكها خمسُ شركات غربيّة.

ومنذ اليوم الأول صمدت القيادة التشافيزية في وجه الضغوط الأمريكية التي خشيت أن تفقس البيضة في حديقتها الخلفية، وصولاً إلى إضراب عمّال النفط عام 2002- الذين وقعوا تحت تأثير أرباب العمل الرأسماليين- بغية تعطيل الإنتاج النفطي وشلّ البلاد كما حصل في تشيلي الليندي عام 1972، تبع ذلك انقلاب عسكري من صنع اليمين الفنزويلي وجنرالاته والمخابرات الأمريكية والأصابع الصهيونية، غير أنّ الملايين خرجت للميادين بعد يومين، وأعادت تشافيز إلى القصر الجمهوريّ، فيما فرّ الانقلابيون.

لقد ارتعبت القوى اليمينيّة البرجوازيّة من توجّهات حكومة تشافيز اليسارية التي أعلنت بوضوح انحيازها للفقراء، وراحت تنفّذ برامج اجتماعية تؤمّن تعليماً وعلاجاً مجانيَّين، وتعمل على تعبئة الأوساط الشعبية وتنظيمها، ليكون لها إدارتها الحرة التي تدافع من خلالها عن نفسها، وتتحرّر من خوفها من الطبقات البرجوازية وتبعيّتها لها.

لقد ثبت التفاف الشعب حول قائده، وكان على قائده أن يثبت اتّحاده بالشعب اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً، إذ لا ينبغي أن يخلع المرء على نفسه لقب “طليعة”، فالجماهير هي التي تخلع هذا اللّقب حسب المنطق اللينيني؛ فأنتج سياسة جديدة تنموية في مصلحة الطبقات الشعبية بالأعمال والأقوال معاً، بما يشبه مقولة حركة التوبا ماوس “العمل المتكلم”.

انطلقت عملية تنموية قلّصت نسبة الفقر من 48% إلى أقل من 20% ووفّرت تعليماً جامعيّاً مجانيّاً لأكثر من مليوني طالب وطالبة (وهذا الرقم يعادل طلبة فرنسا الجامعيين، علماً أن عدد سكان فرنسا هو ثلاثة أضعاف سكان فنزويلا، أي 80 مليون مقابل 28 مليون)، وأنجزت خطوات سريعة بمدّ شبكات الصرف الصحي التي شملت نحو 85% من السكان، وشبكات المياه الصالحة للشرب بنسبة 98%، وتوفير مئات آلاف فرص العمل، وتقديم القروض لإنشاء المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، ومشروعات صناعية وورش إنتاجية في كلّ مكان.

ذلك تلازم مع الإقدام على خطوة نوعيّة بتأميم شركات النفط، في إطار تحويل فنزويلا إلى بلد اشتراكيّ، وبذلك باتت الدولة تسيطر على النفط والغاز والكهرباء والصلب، عكس ما كان عليه الوضع قبل فوز اليسار، من خصخصة ومزيد من الخصخصة، وبالتالي إدارة الظهر “لتوصيات ونصائح” صندوق النقد الدولي والمنظّرين الرأسماليين، مع الاعتراف بأن غالبية الاقتصاد الفنزويلي لم ينفكّ رأسمالياً، والقوى الاجتماعية المنحازة لنظام السوق منظمة ونافذة ولها ارتباطاتها الخارجية.

أمّا على الصعيد الديموقراطي؛ فلم تزل قواعد الليبراليّة الديموقراطيّة ساريةً، من تعدّدية حزبية وحرية صحافة وتعبير وإضراب، لكن تأسست بالإضافة لذلك ديموقراطية تشاركية ومجالس شعبية.

ومن بين إنجازات الثورة البوليفارية: بناء مليون وحدة سكنية لأكثر الفئات فقراً، والتي كانت تتعفن في العشوائيات المتناسلة في زمن الحكومات اليمينية العسكريّة منها والمدنيّة، ووحدات سكنيّة لمليون عائلة بات لديها الخدمات الإنسانية الضروريّة في الأرياف والمدن على حدّ سواء.

غير أنّ تحالفات واسعة- وبناءً على خطّة مدروسة- سمحتْ للقوى البرجوازية خاصّة التجارية المرتبطة بالعولمة بحجب السّلع الاستهلاكية في المخازن؛ ما سبّب نقصاً مريعاً في السلع وارتفاع أسعارها، كما أن قراراً أمريكياً صدر للتوابع، لا سيّما السعودية، لزيادة إنتاج النفط، فانخفض سعره من 120 دولاراً للبرميل إلى 30 دولاراً، في استهداف صريح لروسيا وإيران وفنزويلا، فتراجعت عوائد النفط واستمرّت الحرب الاقتصادية على هذا النحو، الأمر الذي استنزف البنك المركزي الفنزويلي، وكان له أثر أبعد على السياسات الاجتماعية.

في هذه الأجواء، جرت انتخابات الجمعيّة الوطنيّة، حيث فاز تحالف اليمين المكون من أحزاب عديدة كبرى وصغرى بأقل من 60% من الأصوات، أمّا الحزب الاشتراكي ففاز بـ 42% من الأصوات، وباتت الأغلبية اليمينيّة في الجمعيّة الوطنية.

المعركة ضروس إذاً، ولم تنفك الرئاسة بأيدي البوليفاريين بقيادة الرئيس مادورو، كما أغلبية الولايات والمجالس البلدية، وهناك السّلطة الشعبيّة في كلّ مكان، بما يشبه السوفيتيات في زمن لينين، وهي سلطة قويّة قادرة على خوض المعارك الطبقيّة والسياسيّة.

لقد خرج الفقراء من القمم، وعليهم ألّا يعودوا، وألّا يتنازلوا عن مكاسب الثورة.