احتضان الديمقراطيين للليبراليَّة الجديدة.. سبباً لفوز ترامب

١٣ شباط ٢٠١٧

ترجمة هند بطة

سوفَ يَلومون مكتب التحقيقات الفيدرالي ومديره جيمس كومي، وسوف يَلومون الناخبين ومن تبنَّى العنصريَّة، ومقولة "Bernie or Bust" والتي تُنادي إما بنجاح بيرني ساندرز أو فشل الحزب الديمقراطيّ. سوفَ يَلومون أيضاً الأحزاب الثالثة والمرشَّحين المستقلين، ووسائل الإعلام على منحه المنصَّة، ووسائل التواصل الاجتماعيّ كونها كانت بوقاً له ووكالة ويكليكس على نشر الغسيل.

ولكن كلّ هذه الأَسباب تستثني القوَّة المسؤولة عن خلق هذا الكابوس الذي وجدنا أنفسنا فيه وهو الليبراليَّة الجديدة. إنَّ هذه الرؤية العالميَّة -والتي تُجسدها هيلاري كلينتون- لا تتلاءَم مع نمط ترامب المتطرِّف. وعليه، يكون قرار تنافسهما ضدَّ بعضهما البعض قد حَسَمَ مَصيرنا- فإن كنَّا لا نتعلَّم من أيّ شيء آخر، هل يُمكننا من فضلكم أن نتعلَّم من هذا الخطأ؟

نحتاج لفهم أمر مهم وهو أنَّ الكثير من الناس يتألَّمون، ففي ظلِّ سياسات الليبراليَّة الجديدة والتي تتمثل في تحرير الأَسواق، والخَصخصة، والتَّقشف وهيمنة الشركات الكبرى، انخفضَت مستويات المعيشة بشكلٍّ حاد، وفقد الناس وظائفَهُم ومعاشاتهم التقاعدية، كما فقدوا شبكات الضمان الاجتماعيّ التي كانت تجعل هذه الخسائر أقلّ رهبة بالنسبة إليهم- هؤلاء الناس يرون مستقبل أطفالهم أسوأ من حاضرهم غير المستقر.

وبالتزامن مع ذلك، فقد شَهد أولئك المتألِّمين تصاعد طبقة دافوس، وهي شبكة تتكوَّن من أَصحابِ المليارات في قطاعيّ التكنولوجيا والمصارف، وقادة مُنتَخبون تتقارب مصالِحهم بشكلٍّ فظيع مع مَصالح هؤلاء، إضافةً إلى مشاهير هوليوود الذين يَجعلون الأمر يبدو برّاقاً بشكلٍ لا يُطاق. وكأنَّ النجاح حفلة لم يتم دعوة عامة الناس إليها، وهم يَعلمون جيِّداً في داخلهم أنَّ هذه الزيادة في ثروة وقوَّة طبقة دافوس ترتبط بصورة مباشرة بديونهم المتزايدة وعجزهم المتنامي. إنَّ أولئك، وبالتحديد الرجال البيض، الذين يؤمنون أنَّ المناصب والمكانة العالية هي حقٌ طبيعيٌّ لهم، يرون أنَّ هذه الخسارات غير محتملة.

يُحاكي دونالد ترامب هذا الألم بِشكلٍّ مباشر، كما حاكَت حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبيّ ذلك الألم أيضاً. وهذا ما تَفعله الأحزاب اليمينيَّة المتطرِّفة في أوروبا، فهي تعالج الأَلم بالقوميَّة الحنينيَّة والغضب على البيروقراطيَّات الاقتصاديَّة البعيدة، سواءً كانت واشنطن أو اتفاقية التجارة الحرَّة لأمريكا الشمالية (النافتا)، أو مُنظمة التجارة العالميَّة أو الاتحاد الأوروبيّ. وبالتأكيد، يُعالج اليمينيون خسارتهم بسحق المهاجرين، ومن هم من غير البيض ويشوِّهون صورة المسلمين. وبالتالي، فإنَّ الليبراليَّة الجديدة النخبويَّة لا تمتلك ما تُقدِّمه لألم عامّة الشعب، لأنَّها هي من حرَّرَت قُيود طبقة دافوس، وأشخاص آخرين مثل هيلاري وبيل كلينتون، أي نُخب دافوس؛ الذين بالحقيقة أقاموا هذه "الحفلة".  

إنَّ الردود الفاشيَّة الجديدة على انعدام الأمن المتفشِّي وعدم المساواة ليست في طريقها إلى الزوال، ولكن، ما تعلمناه من فترة ثلاثينيَّات القرن الماضي هو أنَّ خوض معركة ضدَّ الفاشيَّة يَستلزِم يساراً حقيقيَّاً.

 مجموعة كبيرة من مؤيدي ترامب كان يمكن أن يتجرَّدوا من تأييدهم له لو كان هناك طرح لأجندة إعادة توزيع حقيقية [للثروات]، أجندة حقيقيَّة وليس فقط خطابات للانقضاض على طبقة أصحاب المليارات، لاستخدام أموالهم لخطة خضراء جديدة. خطة كهذه قد تخلق مجموعة كبيرة من الوظائف النقابيَّة ذات المرتبات المجزية، وتوفر الموارد والفرص التي تحتاجها المجتمعات "الملوَّنة" حاجة ماسّة، وتُصرُّ على أنَّ ملوثي البيئة يجب أن يدفعوا للعاملين ليتمَّ إعادة تدربيهم ودمجهم بشكل كامل في هذا المستقبل المنظور.

كما يمكن لهذه الخطة  أن تروِّج لسياسات مكافحة العنصريَّة الممأسسة، وعدم المساواة الاقتصاديَّة، وتغيُّر المناخ. كما يمكن أن تقضي على الصفقات التجاريَّة السيئة، وعلى العنف الذي تمارسه الشرطة، بالإضافة إلى تكريم السكان الأصلانيّين كحماة  أصليين للأرض، الماء والهواء.

للجماهير حقُّها بأن تغضب، وأجندة يساريَّة متينة ومتعدِّدة الجوانب يمكن أن توجِّه هذا الغضب إلى حيث ينتمي وإلى مكانه الصحيح، بينما تكافح لإيجاد حلول شموليَّة تستطيع خلق انسجام بين المجتمعات المتوترة والمتنافرة.

مثل هذه التحالفات ممكنة. بدأنا في كندا بصورة عاجلة وعشوائيَّة بالتجمع تحت شعار أجندة ومطالب جماهيرية عُرفت باسم  The Leap Manifesto، والتي أيَّدها  أكثر من 220 منظمة منها: Greenpeace Canada، وBlack Lives Matter Toronto، وبعض من أكبر نقاباتنا/اتحاداتنا التجارية.

قطعت الحملة المذهلة التي قادها بيرني ساندرز شوطاً طويلاً نحو بناء هذا النوع من التحالف، وأثبتت أنَّ هناك شهيَّة/توجه نحو الديمقراطيَّة الاشتراكيَّة. ولكن كان هناك منذ بداية الحملة قصور في التواصل مع كبار السن من الناخبين السود واللاتينين وهم الشريحة الأكثر تعرضاً للاضطهاد والتضرُّر من النموذج الاقتصاديّ الحالي. منع هذا الفشل الحملة من الاستفادة من كافة الامكانيَّات المتاحة، هذه الأخطاء يمكن تصحيحها، وهناك تحالف جريء، وتحوُّليّ موجود نستطيع البناء عليه.

هذه هي المهمة التي تنتظرنا، وهي تتلخص بأنَّه على الحزب الديمقراطي إما أن يتحرَّر وبشكل حاسم من الليبيراليين الجدد الداعمين للشركات الكبرى، أو أن يتم التخلي عنه. من اليزابيث وارن الى نينا تيرنر، وإلى حملةOccupy alumni  التي اتخذت موقع النجم في حملة بيرني ساندرز، هناك حقل كبير من التحالفات الملهمة للقادة التقدميّين أكثر من أي وقت مضى. نحن "مليؤون بالقادة"، كما يقول كثيرون في حركة the Movement for Black Lives.

إذاً لنُشفى سريعاً من الصدمة ونبني هذا النوع من الحركة الراديكاليَّة التي تمتلك رداً حقيقيَّاً على الكراهيَّة والخوف المتمثل في "الترامبيين" في هذا العالم. لنضع جانباً كل ما يفرقنا ونبدأ العمل الآن وحالاً.