اشتروا التمرد

١٣ شباط ٢٠١٧

في العام 2008، وأثناء زيارتي العائلية لدمشق، قابلت إحدى صديقات العائلة في مخيم اليرموك. هزأت مني حينها وسألتني لماذا أشتري بنطلون أبو مزعة بسعر أعلى، وأنه كان بإمكاني أن أشتري بنطالاً عادياً –دون مزعة- بسعر أرخص وأستبدله ببنطال أحد شبان المخيم الممزوع؛ فعلى الأقل، فإن مزعة بناطيل المخيم هي المزعة ذات البعد السياسي الاقتصادي الحقيقي. ومزعة عن مزعة بتفرق.

تبادر إلى ذهني حينها السؤال البديهي: إنَّنا ندفع ثمن المزعة في البنطال، ولكنَّنا في ذات الوقت إذا مزع بنطال آخر مزعاً مطابقاً لذلك الذي دفعنا ثمنه، فإنَّ ذلك لن يمنعنا من اعتباره معطوباً. ألسنا ندفع ثمن العطب في هذه الحالة؟

بدأت منذ حينها بمحاولة التوصل لسيناريو "كيف وصلنا إلى هنا"، وخطر في بالي هذا السيناريو:

افترضت عاملاً في شركة لإنتاج البنطلونات، كان هذا العامل قد اشترى أحد البنطلونات من الشركة، ولكنَّ بنطاله مُزع بعد بضعة أيام، فعاود الكرَّة –وأمره لصاحب الشركة- واشترى بنطلون ثاني، ولكن الثاني أيضاً مزع. فقرر هذا العامل غاضباً ألا يشتري بنطالاً جديداً وأن يستمر في ارتداء البنطال الممزوع. راج سيط بنطال هذا العامل وتحول لثائر في وجهة نظر المجتمع، وتحولت المزعة من عطب في البنطال لرمز للتمرِّد والثورة على شركة البنطلونات.

وصل الخبر لصاحب الشركة الحذق الذي كان يشعر بالخوف من عدم شراء الناس بناطيل جديدة لاستبدال البناطيل الممزعة. فقال في نفسه حينها: "حسنا، إن كنتم تريدون بناطيل ممزعة، ليكن لكم هذا. وبدأ بإنتاج البناطيل الممزعة. فأصبح الناس يشترون هذه البناطيل على أنَّها رمز التمرد. وعاش الجميع بفرح عظيم إلى الأبد. وتوتة توتة، صار عنا بناطيل ممزعة.

لقد راج رأي منذ زمن يقول إنَّ السوق يلعب على أحبال شعور النقص، وكأنَّه يخلق صورةً مثاليةً للإنسان السعيد من جهة ومن ثم يوفر لنا طريقاً لنصبح ذاك الإنسان السعيد من خلال استهلاك هذه السلعة أم تلك. أو أن يخلق صورةً مثاليَّة للجسد، الذي يتوجب علينا أن نستهلك هذه الدهون للوجه وأن نجري هذه العملية التجميليَّة للأنف وشفط الدهون وأن نأكل هذا الطعام دون غيره. وهكذا فإننَّا عندما نشتري الدهون المذكورة، لا نكون قد اشترينا دهوناً فحسب، بل واشترينا طريقنا للجسد المثالي أيضاً. أي أنَّنا إلى جانب المنفعة الحقيقية من السلعة –إن وجدت- نشتري أيضاً الحكي الفاضي.

والأمر ذاته تقريباً ينطبق على الشعور بالحزن، أو الاضطراب، أو عدم الرغبة بالتفاعل الاجتماعي، أو النيرديَّة، وأيضاً –وربما هذه من أغربها- الانتحار، فلقد استطاع السوق أيضاً أن يخلق تصفيفة شعر وملصقات وموسيقى وغيرها الكثير لمن يشعرون برغبة في الانتحار! أي أنَّك حتى وإن أردت الموت، فعليك أن تستهلك أولاً.

ولكن هذا كله لا يخيفني، ما يخيفني حقيقةً هو تسليع التمرد، وتسليع الثورة. ما يخيفني هو أن نكتفي في البنطلون أبو مزعة واللحى المتشابكة كالسياج والموسيقى البديلة، وأن نترك الثورة ذاتها. أن نحصر تمردنا في المزعة عوضاً عن مزع الأنظمة الاستغلاليَّة والقمعيَّة. وأن نستمع لأغاني الثورة عوضاً عن التخطيط لها. ربما أصبحت كل هذه المظاهر الثوريَّة اليوم هي "الفيتيش" أو الصنم الخاص بنا، الذي يسمح لنا بأن نكون ثواراً دون عناء الثورة.