اعتقال اللغة في زمن الصمت: عن اعتقال أحمد قطامش

٢٣ أيار ٢٠١٧

"تنبع الإهانة من إرادة واعية في التعدي على كرامة الآخرين، وليس فقط من الهيمنة. إنَّها أحد الأمور الأكثر انتشاراً اليوم عالميَّاً بفضل مستخدميها ومن يحافظون عليها. وهو الأمر الذي يثير الأقلّ فالأقلّ من السخط من جانب الحكومات والشعوب المهانة نفسها أو من طرف الرأيّ العالميّ والدوليّ".

في ظل الانتفاضة الحاليَّة، تزايدت انتهاكات الاحتلال الإسرائيليّ وأجهزة أمن السلطة الفلسطينيَّة، بحقّ المثقفين بشكل عام والصحفيّين بشكل خاص، وذلك لما لهم من تأثير قويٍّ على أيّ حراك اجتماعيّ، توعويّ ونهضويّ، يقود المواطنين نحو حقوقهم ومطالبهم.

ويرى الجابري أنَّ المثقف هو الذي يلتصق بهموم وطنه، وبهموم الطبقات المقهورة والكادحة، إنَّه المثقف العضويّ الذي يضع نفسه في خدمة المجتمع ويواجه تحدياته المختلفة دفاعاً عن الحقّ والحقيقة ورفضاً لكلِّ أشكال الظلم والقهر والتسلّط في المجتمع. وبذلك يقتسم المثقفون هموم أبناء شعبهم السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، وهم في واجهة الضيم والجور الذي يتعرض له الشعب من قبل السلطات الحاكمة.

وبذلك من الطبيعيّ أن تقوم السلطة بطمس جهود ووجود المثقفين، عبر وسائلها القمعيَّة المختلفة، العنيفة والناعمة، والقصد هنا بالناعمة، الحملات التي تفتعلها السلطة عبر أدواتها للتحريض ضد المثقفين. فمثلاً، شنت وسائل إعلام تابعة وموالية للسلطة الفلسطينيَّة سابقاً حملة إعلاميَّة ضدَّ عبد الستار قاسم بتهمة إثارة الفتن والتحريض.     

رغم ما تقدَّم، سألت نفسي مراراً: "لماذا تعتقل قوات الاحتلال أحمد قطامش"، إلّا أن هذا التساؤل أعادني إلى توطئة كتاب "الإهانة في عهد الميغا إمبريالية" للمفكر المغربي المهدي المنجرة، "إذ يرى الكاتب أنَّ الانتفاضات في العالم العربيّ والإسلاميّ حتميَّةٌ. وما يؤشر لها هو التساؤل المستمر وهمهمات شكوى أسيَّة: أين هم حكامنا؟، أين هم مثقفونا ومبدعونا؟، ما الذي حدث لمناضلينا المدافعين عن القضايا الكبرى؟ أين هم المتحدثون باسم المجتمع المدنيّ؟ إلى أيّ حدٍّ سيصل الارتزاق بنخبتنا وأين ستصل بها الوشاية وتجارة المخابرات؟ كيف نفسّر سكونيتنا الخاصة والقبول بمذلة وطنيَّة ودوليَّة كهذه؟

في هذا الزمن المهزوم، الزمن الذي أصبح فيه السلاح دمية حمقاء في أيدي رجال مُبرمَجين على الطاعة، -طاعة الوشاية-، تصبح فيه الفكرة سلاحاً، ويصبح فيه بثُ الوعيّ مدفعاً من كلام. في زمن صار فيه ضمير الطبقة الحاكمة قطعةً مستقلَّةً عن الجسد ويملي بما يرتئي المأمور، تصبح أفكار الناس ضمائر، ومبادئهم أجساداً تبصر طريقاً ضلَّته الأجساد وغيَّبته النخبة الحاكمة.

في الوقت الذي أصبحت فيه مقاومة الاحتلال مسألةً تُعرِّضُ القائمَ بفعلِ المقاومةِ للاعتقال من قِبَلِ أجهزة أمن السلطة "بحجَّة حمايته"، من الطبيعيّ أن تصبح اللغة سلاحاً مقاوماً في أيدي أناسٍ عاصروا مراحل الكفاح المسلح مروراً بالصمود، وانتهاءً بمرحلة "بناء الدولة". الدولة التي لن تمتلك أيَّة مقومات لبنائها إلّا بعد زوال الاحتلال.

يذكر أنني تعرفت على قطامش من خلال كتاباته، ولا أعرف عنه سوى أنَّه قارئ نهم، ومفكِّرٌ حرٌّ، وشخصٌ يهتم جداً بالوقت. كما لا تربطني صلة بعبد الستار قاسم سوى أنَّني معجبٌ بكتاباته، سيما كتاب "قبور المثقفين العرب".

 

  1. المهدي المنجرة، الإهانة في عهد الميغا امبريالية، ص7.
  2. محمد عابد الجابري، المثقف في الحضارة العربية، ص25.