"افرض سكَّروا "المخسوم

١٣ شباط ٢٠١٧

حين قرّرنا في "اتّجاه" أن نكتبَ عن الزراعة، معتقدين أنّها- على أهميّتها- لا تحظى بتغطيةٍ إعلاميّة كافية، وجدنا أنّنا نحن أنفسنا لا نعرفُ عنها الكثير، بعيدًا عن المعرفة النظريّة.

خلال العمل على هذا التقرير، تنبّهتُ إلى أنّني أسكن قرية طوال حياتي، ولم أزرع نبتةً واحدة، رغم توفّر المساحة والأدوات لذلك، ولا أذكر أيّ مزارعٍ أو مزارعة من القرية يمارسان هذا العمل يوميّاً؛ باستثناء امرأة واحدة عمرها يتجاوز الثمانين عامًا، وتصرّ على الاحتفاظ بنمطِ حياتها ذاته منذُ كانت شابّة، رغم ما يتمتم به أهلُ القرية وهم منطلقون إلى المدينة بسياراتهم صباحاً: "أي شو جابرها على هالشقا؟"، تستيقظ فجرًا كلّ يوم، وتذهب لحسبة البيرة لبيع ما بحوزتها من فجل وبصل وجرجير وفواكه، حسب الموسم، تحملها على رأسها وتمشي باستقامة.

 

فستان "الروح الحلوة":

حين وقفتْ سيارة الأجرة على حاجز الحمرا في الأغوار الوسطى؛ حوّلت نظري عن الجنود إلى يساري، فكان المشهدُ أخضر تمامًا وساحرًا، ولكن لا يُقارن سحره بمرج بن عامر، خصوصًا حين سرنا فيه وعلق ترابه الرطب بأحذيتنا.

لاحَت لنا سيّدة تلبس فستانًا ورديّاً، فاقتربنا من حقل الخسّ الذي تعمل فيه، عرّفنا بأنفسنا ولاقينا ترحيبًا، ثمّ صارحناها بأنّنا لم نستطع إلّا أن نلاحظ فستانها الجميل، فابتسمتْ بودّ وقالت: "طبعًا، هذا فستان الشغل، والشغل بحتاج روح حلوة".

انهمكت هي في العمل، وجلسنا نحادث زوجها المزارع سعيد العبسي (أبو أشرف)، والذي أمضى خمسين سنةً من عمره في مهنة الزراعة، ويعمل حالياً في الأرض مع زوجته وأبنائه.

 

كل الطرّق تؤدّي إلى الحاجز:

كلّما أسهبَ العبسي في الحديث عن حياته اليوميّة كمزارع؛ كان ينطلق ويعود إلى نقطةٍ واحدة: "المخسوم"؛ مشيرًا إلى حاجز الاحتلال القريب، الحدّ الفاصل بين بيع المحصول، أو إتلافه وخسارته: "نفرض سكّروا المخسوم، وأنا خضرتي كلّها مزروعة، وين بدي أبيعها؟".

يعرضُ أبو أشرف محصوله في حسبة جنين، وحسبة قباطية، وفي أسواق نابلس أحياناً، لكنّ البوابة نحو السوق الحقيقيّة بالنسبة له، أي المجدية اقتصادياً، هم التجّار على حاجز الاحتلال، والذين يبيعون المحصول لتجّارٍ آخرين إلى أن تصل البضاعةُ إلى المحالّ "الإسرائيليّة"؛ بينما تُحمّل الخضروات والفواكه "الإسرائيليّة" إلى رفوف محالّ الضفّة الغربيّة.

بدا وكأنّ الحاجز فعلاً هو من يقرّر ما سيُزرع في الثلاثين دونمًا التي يملكها أبو أشرف، مثالان ذكرهما قد يلخّصان الحالة: الأوّل هو الخيار الربيعيّ، فيطلب التجّار من المزارعين الفلسطينيين في المنطقة أن يزرعوا 20 دونماً مثلاً من الخيار، لأنّ مصانع المخلّلات "الإسرائيليّة" بحاجةٍ لها، ويؤكّد العبسي على أنّه ما كان ليزرعها لولا ذلك؛ لأنّ هذا الكمّ من المزروعات يحتاجُ يداً عاملة للقطاف، أي تكاليف إضافية، مضيفاً: "إذا ما أخذوش هم البضاعة وتأمّننا فيها، بنزرعهاش".

المثال الثاني هو البطّيخ؛ والذي اشتُهر به سهل مرج بن عامر، واعتادَ العبسي زراعته في الثمانينات من القرن الماضي، على مساحاتٍ شاسعة قد تصل إلى 200 دونم، وشحنه إلى الأردنّ والكويت ولبنان، مقارنةً بالحال العام الماضي، حين اكتفى بزرعِ خمسة دونماتٍ فقط؛ في ظلّ اكتساح البطيخ "الإسرائيليّ" للسوق كونه أقلّ سعراً وأكثر وفرة؛ لكنّ ذلك لم يمنعه من ابتسامةٍ صغيرة فيها نوعٌ من الحنين؛ قائلاً: "لمّا زرعت بطيخ العام، حسيت الناس تذكّروا إنّه هالزلمة كاين يزرع بطّيخ، لاقوا الناس بطيخاتي هجنة". (الهجنة: شيء مميّز يتلهّفون إليه)

 

من السوق رجوعاً إلى البذرة:

لا يقتصر تحكّم الاحتلال الخفيّ الجليّ بالزراعةِ على فرضِ قواعد السوق وموازين عرضه وطلبه، أو مصادرة الأراضي وموارد المياه واقتلاع الأشجار؛ إنّما يبدأ التحكّم من اللّحظة التي يفكّر فيها أيّ شخصٍ بغرسِ بذرة.

قال العبسي إنّ المشاتل التي يبتاع منها الأشتال، تعتمد على بذورٍ من مصادر "إسرائيليّة"، وأسعارها غير قابلة للنقاش؛ وهو يحاول قدر الإمكان أن يستخرج بذوراً بلديّة ليستغني عن البذور المهجّنة التي يتحكّم بها سوق الاحتلال، لكنّ ذلك غير متاحٍ دائماً.

لا تغيبُ البذور البلديّة عن الأذهان عند التفكير بمهربٍ من ذلك التحكّم؛ أذكر المزارع خضر غطّاس، من بيت جالا، حين وقفَ بين الحضور مؤخراً في ندوةٍ بمدينة رام الله، وقال: "المزارعين بيعطوا بذور، ما بيشتروا"، واصفاً تجربته في إنتاج البذور البلديّة وجمعها منذ 35 سنة، وصورته مع "زرّيعته" تُعرض على الشاشة الكبيرة في القاعة، مبتسماً مع أطفاله يحملون حبّات البندورة الكبيرة البلديّة، التي زرع أوّل بذرةٍ منها قبل ثلاثة عقود.

ومثله مزارعة تُكنّى "أم وسام" في قرية بتّير، تختارُ أفضل ثمرةٍ في المحصول، وتلفّها بشريطٍ ملوّن؛ محذّرةً أحفادها من قطفها، إلى أن تنضج وتستطيع استخراج بذورها لتعيد زرعها المرّة القادمة، أو تخزّنها في علب الحلوى القديمة مع أوراق الميرميّة لحفظها من التلف.