الأب منويل مسلم: كرامة الإنسان وأصل الحكاية

١٧ آب ٢٠١٥
غزة مظلومة وظلامها كثر سيحاسبهم الله، ويجب أن تحاسبهم شعوبهم، جميعاً وبلا رحمة .   يطل الأب منويل ن باب المكتب ملقياً التحية ويتخذ مقعده خلف حاسوبه الكبير، الذي يقضي برفقته أكثر من عشر ساعات في اليوم، يكتب، يؤلف، يراسل، ويعد مؤتمرات.   الأب منويل لا يتذكر حرب غزة كما يرويها الإعلام. هو لا يذكر أرقام الشهداء ولا يعد القنابل التي سقطت على القطاع خلال أسابيع بلا انقطاع. بل إنه يتنهد بعمق ناظراًإلى أعلى، ويضع كفه على جبينه، ويغمض عينيه مفرجاً بعض الدموع وغصة مرة، تشي ببعض مما يسترجعه ليرويه لنا. غزة بالنسبة له هي الأم الهائمة في ساحة الدير الباحثة عن بعض الماء لتعد زجاجة حليب لصغيرها، وهي الأب المفترش أرض الساحة الباردة للعائلته التي فقدت منزلها، وهي الطفل محترق الوجه. التقينا الأب منويل ليحدثنا عن غزة الأنسان، التي لا تزال تنتظر انفراج مصالحة وطنية، وإعادة إعمار موعودة، وتعيش تحت احتمال تجدد المواجهة مع الاحتلال في أي لحظة، وتحت ارتفاع فاحش للغلاء والبطالة والفقر، وتحت حصار خانق من العدو. أبونا، منويل، ولد في بيرزيت عام 1938 من عائلة فلاحين أصيلة. غير أنك قلت في إحدى المقابلات أنك ” لاجئ أبدي يبحث عن  وطن قد لا يجده قبل أن يموت”. لماذا؟ منذ صغري عرفت الغربة. خرجت من بيتي لألتحق بمدرسة الكهنوت “السمينير” في بيت جالا عندما كان عمري 13 عاماً، ثم وبعد سنوات كثيرة تخرجت لأخدم في رعية الرصيفة، قرب الزرقاء في الأردن، عام 1963. لم أر أهلي لفترة طويلة. اكتشفت معنى الغربة مبكراً، في نفس الوقت الذي اكتشفت فيه الكهنوت، وأيضاً قضية شعبنا الذي عانى من الغربة ولا يزال جراء النكبة. هل كان هذا بداية وعيك السياسي؟ أنا لم أبدأ بوعي سياسي، لم تهمني السياسة يوماً، بل ما همني دوماً الإنسان. تعليمي المسيحي يدفعني لأن أتألم مع الإنسان حين يتألم. إذا سقطت قنبلة لا أفكر أين سقطت وما دلالاتها السياسية، بل أفكربالطفل الذي يرتجف خوفاً جراءها. خاصة في غزة، حيث أكثر من نصف الأطفال هم دون سن الخامسة عشر. كيف تتذكر غزة عندما وصلتها عام 1995؟ لم أكن أعرف غزة أول الأمر. البطريرك ميشيل صباح كان يعرف أن المهمة صعبة، ولذلك اصطحبني معه في عدة زيارات لغزة قبل أن يعينني كاهناً لرعيتها، مجتمع غزة معقد، لا يمكن للإنسان أن يعيش فيه معزولاً عن محيطه. فغزة عالم بحد ذاته، ولا بد من التفاعل مع كل مكوناته. لهذا السبب أخذت أتعرف على الجميع، من قوى سياسية، إلى أئمة مساجد، إلى رجال سلطة، إلى وجهاء المجتمع. فوجدت أن غزة لم تكن – كما كان يصورها الرئيس الراحل ياسر عرفات- المدينة الواعدة والمركز الاقتصادي الذي قيل أنه سيصبح مثل المدن الآسيوية الصاعدة. بل وجدت أنها تحتضن كماً كبيراً من الفقر والبؤس.   يوم 27 من كانون الأول عام 2008 اخترقت اسرائيل هدنتها مع المقاومة الفلسطينية وبدأت بقصف شامل لمراكز حكومية في قطاع غزة، مطلقة عملية أسمتها “الرصاص المصبوب” امتدت 22 يوماً. كيف عشت ذلك اليوم من الحرب؟ كنت يومها في مكتبي في المدرسة، في حي الرمال. عبرت أسراب من الطائرات وقصفت مسجد فلسطين الواقع على بعد 500 متر من المدرسة. كان الانفجار من الشدة أن الحجارة تطايرت ووصلت إلى ساحة المدرسة. قبل ذلك بأشهر قليلة انتهيت من حفر بئرين في المدرسة وملئهما بالماء، دون أذن البطريركية.كنا في المدرسة وكان أغلب من فيها من المسلمين، نرتل عند رأس كل ساعة ترتيلة “يا رب السلام أمطر علينا السلام ، يا رب السلام امنبح بلادنا السلام” وكان ذلك يرفع معنويات الجميع. الرسالة الثانية كانت للمقاومة، وللمقاتلين في الميدان، أرسلتها إلى وسائل الإعلام وإلى مسؤولي الحكومة في غزة. تلك الرسالة دعوت المقاومين فيها إلى الثبات. يومها فكرت لأول مرة أنني قد أموت في أي لحظة، لا لكوني أنا، بل لأنني أدركت أن لا مكان في غزة آمن. تأملت في احتمالية الموت تحت القصف وكم هي قريبة، ثم فكرت أنني آؤدي واجباً مسيحياً وإنسانياً ووطنياً، واستنتجت أن لا ميتة خير من هذه. تصالحت مع فكرة الموت واستعددت لها، حتى صرت لا أهاب شيئاً. ما هو أكثر شيء أثر بك من معاناة الناس خلال الحرب؟ كل شيد. كان الناس يفتقرون كل شيء. لم يكن هناك خبز، لأن الفرن تعطل جراء انقطاع التيار. وبما أننا كنا نملك مولداً كهربائياً في المدرسة صرنا ننعد الخبز للناس بأنفسنا، فتحولت إلى ” الخوري الخباز” كنا نوزع على العائلات، لكنهم كانوا يأكلون القليل. لكن أكثر ما آلمني هو الأطفال والأمهات. الأيام التي تلت كانت صعبة جداً. المياه كانت لا زال مقطوعة. ،كثير من الأولاد لم يغتسلرا لأسابيع.كانت الأمهات ينشرن ملابس الأطفال المتسخة في الشمس حتى تجف ليلبسوها ثانية، ولك أن تتصور الرائحة في ممرات المدرسة. الكثير منهم فقد كل شيء، وبعضهم فقد أحد ولاديه أو كليها. سمعنا أنك خلال الحرب الأخيرة،صيف 2014، كنت تستمع كثيراً إلى كلمات نزار قباني بصوت أم كلثوم “أصبح عندي الآن بندقية”؟ أنا لا أؤمن بالدول، ومقتنع تمام القناعة أن ” الأرض لا يحرثها إلا عجولها” كما يقول مثلنا الفلاحي. لهذا السبب أنا أقف مع المقاومة، لأنها عملية خروج الإنسان من حالة العجز والهزيمة إلى حالة التحرر وإمساك زمام قدره بيده. هذا الإنسان هو نفس الإنسان المسحوق، المجروح، المهان، النازف في شوارع غزة، الذي يتحول إلى الشاب الفلسطيني الذي يتدرب، ويحمل السلاح. لقراءة المقالة كاملة في صفحة الرأي. أجرت الحوار: مورين معدّي