الاشتباك الأخير مع المستعمِر: دَلالات ودروس

١٣ كانون الثاني ٢٠١٩

رغم قِصَر عُمْر جولة الاشتباك الأخير بين المقاومة في قطاع غزة والجيش الصهيوني، إلا أن دَلالاتٍ كثيرة يمكن استخلاصها من هذه الجولة. فلا يجب الاكتفاء بالاستنتاج الذي غدا بديهياً؛ كغيرها من المعارك، في تاريخ شعبنا، بيننا وبين المستعمِر، ومنذ حركة القسام في عام 1935 وحتى اليوم: شعبنا يواصل مقاومته ويُصِّر على نيل حقوقه. فتلك بديهية لم يؤكدها نضال شعبنا ضد المشروع الصهيوني فقط، وهو نضال قارب عمره على القرن، بل أكدتها تجارب التاريخ أيضاً، وهو - العلم الذي نعترف به- على رأي ماركس، فالتاريخ أكَّد أن نهاية المستعمِرين حتمية بسبب حتمية مناهضته ومقارعته من الشعوب المستعمَرة. ومع ذلك، يجب التذكير بهذا الدرس التاريخي لفيلق المُستسلِمين والمُطبّعين من قيادة فلسطينيَة وأنظمة عربيَّة عميلة، تُشيع كلَّ يوم ثقافة الاستسلام والتطبيع ورفع الأيدي أمام غطرسة الإمبرياليين والصهاينة. ذلك درس أول ينبغي تسجيله.

 

وِحدةٌ على أساسٍ مُقاومٍ فقط

أول درس يمكن استخلاصه أنَّ وحدة المقاومة مُمكنة وعملية ونافعة، لأنَّها تُحقِّق النتائج المرجوَّة منها، وهذا ليس استخلاصاً من الاشتباك الأخير فحسب، بل مِن مسيرات العودة كنموذج للاشتباك الشعبي المتواصل منذ نيسان الماضي. فمنذ نيسان ومسيرات العودة تنتظم تحت توجيه قيادي يضم أطيافاً حزبية ومؤسساتيّة وشعبيَّة واسعة لأبعد الحدود؛ تمثَّلت في هيئة المتابعة، التي تضم العشرات من الممثلين الذين عبَّروا عن قطاع رسمي فصائليّ ومؤسساتيّ واسع، أكسبها مكانة بين الجماهير تجسَّد في احترام قراراتها وتوجيهاتها.

أما في الاشتباك العسكري الأخير، فقد تشكَّلت غرفة عمليات مشتركة توَّلت، حسب كلّ الأجنحة العسكرية للفصائل، التخطيط والتنفيذ المشترك والإعلام المشترك، وهذا الأخير هامٌ جداً لأنه وضع حداً "للتسابق الصبياني" على تسجيل ادعاءاتٍ إعلامية، حقيقية أو مبالغ بها، ظهرت سابقاً.

في التجربتين، لجنة المتابعة وغرفة العمليات، كان نهج المقاومة هو الأساس، فلا خلاف داخل التجربتين على الطريق السليم لمقارعة المستعمِرين الصهاينة، فالانحياز للمقاومة فعلاً وقولاً كان الأساس لتشكيل الإطارين.

هذا الدرس يضع الحدّ من جديد، بعد أن وُضِع مراتٍ ومرات، للدعوات الرومانسية للوحدة الوطنية دون التدقيق في أساسها. وتزداد أهميته اليوم في ظل العودة لمفاوضات المصالحة الفلسطينيّة، والتي يتم النظر لها كما لو كانت طوشة تستلزم "تبويس اللحى"، وحتى "تبويس اللحى" لم ينفع معها، دون النظر لأساسها السياسيّ، أي بناءً على أيّ برنامج ستجري إعادة بناء اللحمة الفلسطينية؛ على أساس نهج المقاومة أم استمرار التعلُّق بأوهام التفاوض وأوسلو؟ تجربة الاشتباك الأخير ومسيرات العودة قالت كلمتها: الوحدة تُبنى على قاعدة المقاومة فقط ولا غير، وغير ذلك ليس مضيعة للوقت فقط بل ومزيداً من التفكك.

المقاومة فقط تزعزع كيانهم

لمن لا يعلم، فبيننا، ومنهم قيادة السلطة والمنظمة، مَنْ يراهن على التغيير الداخلي في الحكومة الإسرائيلية كي تنطلق عربة المفاوضات لعله يحقق شيئاً، فيتعلق بآمال غبية حول عودة المعسكر الصهيوني وليفني مثلاً للحكومة الإسرائيليّة بديلاً لليمين الصهيوني الفاشي المُمثَّل بنتنياهو. نعم، هناك مَنْ يراهن على ذلك، بل وأكاد أجزم أنَّه يدعو لذلك في صلواته. عندما يبلغ المرء الخاضع للاستعمار هذا الحدّ من الرهان بدلاً عن الرهان على مقاومته وشعبه وإرادته، يكون عملياً رفع يديه مستسلماً تُعشِّش الأوهام في رأسه وتنخر الهزيمة دواخله. لم ينتصر شعبٌ في التاريخ بناء على تغيرات داخلية داخل دولة المستعمِر إلا إذا عملت مقاومة المستعمَر على خلخلة التركيب الداخلي لمؤسسة الاستعمار. خضوع الفرنسيّين للتفاوض في فيتنام والجزائر لم يكن نتاج الرهان على الانتخابات الفرنسيّة الدورية، بل بفعل المقاومة الباسلة للفيتناميّين والجزائريّين، ونزول الملايين للشوارع الأمريكية ضدّ الحرب على فيتنام خلخل الإرادة الامبرياليّة بفعل النضال البطولي للفيتناميّين.

ومرة أخرى: مسيرات العودة و"العلقة الساخنة" التي تلقاها المجتمع الإسرائيليّ وحكومته وجيشه وقواته الخاصة هي التي كادت أن تطيح بحكومة نتنياهو، لا جعجعات ليفني وقادة المعسكر الصهيونيّ، فهذا الكيان الاستيطانيّ المُتوحِّد بكلّ أطيافه السياسيّة والأيديولوجيّة ضدّ حقّ شعبنا في وطنه لن يتزعزع كإرادة واستقرار مجتمعي إلا بهزيمته، وفقط بالمقاومة يمكن هزيمته. يمكن هنا الإشارة للتداعيات في الشارع الإسرائيليّ والارتباك في العلاقة بين مؤسسة الجيش وبعض أوساط الحكومة (ليبرمان المهزوم مثلاً) وهلع المستوطنين، كإشارات هامة أنَّ المقاومة هي التي يمكنها إحداث الفارق داخل دولة المستعمِر.

 

المقاومة ممكنة

ليس مطلوباً من المرء أن يكون عسكريّاً أو محلّلاً عسكريّاً ليرى تطور قدرات المقاومة العسكريّة سواء لاستخدام صواريخ الكورنيت بجدارة، أو امتلاك قدرة صاروخيّة تدميريّة تطال معظم مدن المستعمِر. وفي هذا تطور يُطلِق عليه المحلّلون والمراقبون "تطور قدرة الردع"، ومعناه المحدَّد أنَّ قطاع غزّة ليس مستباحاً أمام الصهاينة، وهي المعادلة التي فرضها حزب الله منذ العام 2006، وبات الصهاينة من كبار القادة العسكريّين والمحلّلين السياسيّين يتحدثون عنها بأنَّها لم تعد تشمل فقط جنوب لبنان بل وقطاع غزّة أيضاً. لا يستهين أحدٌ بذلك التطور، فلطالما أتحفنا الخطاب المستسلم بتبريرات استسلامه استناداً للتفوق العسكريّ للمحتل، دون أن ننسى ذلك الخطاب الذي استنكف عن المعركة بحجة تحقيق التوازن الاستراتيجي! فيما المقاومة في غزة ولبنان حقَّقت معادلة الردع دون تصوّر التوازن الاستراتيجيّ.

ولأنَّ المقاومة ممكنة ومجدية وتحقق نتائج، وقد حقَّقت معادلة الردع، فهي توضّح طريق التحرير وتعزل للمرة الألف نهج التفاوض والتطبيع والتعايش مع المستعمِر، بحيث غدا من المنطقي - بعد كل ذلك - التساؤل من جديد: هل الإصرار على نهج التفاوض، وحتى مع رفض الصهاينة له، مجرد عدم إدراك لدروس المقاومة وتأثيراتها أم أنَّ المسألة باتت فعلاً لا قولاً أنَّ مصلحة أصحاب التفاوض تتوافق والعلاقة مع المستعمِر؟