الانقلاب في البرازيل من منظور شبابي

٢٤ تشرين الأول ٢٠١٦

نعيش في عالم مجنون. إنَّه عالم رأسمالي واستعماري وأبوي. منذ العام 2008 ونحن نعيش من أزمة عميقة في نظامنا الدوليّ شبيهة بتلك الأزمات التي حصلت في الأعوام 1930/1960/1980، وذلك لكونها أزمةً بنيويةً وجانباً مهماً من جوانب النظام الرأسمالي. فهي تحدث بشكل دوري وتتكرر مع الزمن. هذا النظام لا يسعى للحفاظ على عالم نستحق العيش فيه.

حاولت النخب الغربية البيضاء وعلى مدى خمسة قرون على الأقل السيطرة على شعوب وأراض أخرى، ومن ضمنها أمريكا اللاتينية. في البداية، توافد الأوروبيون وقتلوا سكاننا الأصليين واقترفوا مذبحةً بحق الأفريقيين في المنطقة. استمرت هذه الهيمنة الأوروبية حتى إعادة تشكيل القوات الدولية، وخاصةً بعد الحرب العالمية الثانية، التي بها بلورت الولايات المتحدة نفسها كالدولة الامبريالية الرئيسية، وعمقت استغلالها لمصادر وثروات أمريكا اللاتينية الطبيعية والبشرية.

لهذا السبب، فإنَّه كلما لاحت آفاق التغيير البنيوي الذي قد يعدِّل الطريقة التي نُظمت فيها السلطة في البرازيل، كنا نواجه الانقلابات. كان أكبر هذه الانقلابات ذلك الذي وقع في 1964 ودام مدة عشرين عاماَ. حصل ذلك عندما استولت الجيوش-الممولة من الولايات المتحدة – على السلطة بالقوة، ولم يكن ذلك حدثاً معزولاً أو فريداً، فلقد كانت الانقلابات تعمُّ كافة أنحاء أمريكا اللاتينية.

إن ديمقراطيتنا فتية مثل بعضنا. يعود الدستور الديمقراطي في البرازيل لعام 1988، وهو نتاج توليفة تشكلت من تنوع كبير في المصالح. وبالرغم من تحصيلنا للعديد من الحقوق، إلا أنَّ النّظام السياسيَّ بقي تقريباً على حاله، أي مُسيطر عليه بالقوة الاقتصادية. في التسعينيات غُصنا في مرحلة من السياسات النيوليبرالية، والتي أثرت بدورها على قطاعات الصحة العامة والتعليم وخلقت حالة من انتشار العنف واليأس.

عندما انتُخِبَ “تشافيز” كرئيس لفنزويلا عام 1998، وصلت العديد من الحركات اليسارية والتقدمية إلى الحكم في الدول الديمقراطية في أمريكا اللاتينية بالانتخاب، وشهدت هذه الدول –بنسب متباينة- الحكومات اليسارية والتقدمية والاشتراكية مثل: فنزويلا والأورغواي والبرازيل والأرجنتين وبوليفيا والإكوادور.

للأزمة التي بدأت عام 2008 -وهي في أوجها في البرازيل الآن- أربعة جوانب مختلفة : الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والبيئي.

بدأت الأزمة الاقتصادية للنظام المالي عندما وصل السوق المالي إلى أعلى حدوده. إنَّ الدولة القومية التي تم اختراعها عقب الثورة الصناعية لم تعد تلبي احتياجات رأس المال، وإنَّها في أزمة دائمة التحول.

حصلت الأزمة السياسية بسبب الاستثمارات الضخمة للولايات المتحدة التي تهدف إلى زعزعة استقرار الحكومات التقدمية في أمريكا اللاتينية. وبالإضافة إلى ذلك، لم تقدم البرجوازية الديمقراطية أية مبادرات تستجيب لمصالح الناس واحتياجاتهم، مما تسبب بفقدان الإيمان في النظام السياسي بشكل كبير.

تعكس الأزمة البيئية إفقاراً لمواردنا الطبيعية. فالتغير المناخي الذي أثَّر على العديد من الناس حول العالم هو نتيجة مباشرة للجشع الرأسمالي، الذي يعطي الأولوية للربح على حساب حياة البشر. إنَّ العالم يصبح أكثر بؤساً يوماً بعد يوم، فقد سُمم الطعام ولُوثت المياه واستغلت شركات الأدوية المرض لزيادة الأرباح.

رافق كل ذلك أزمة اجتماعية في البرازيل، فعندما تفجرت الاحتجاجات الشعبية في عام 2013، بدأت حركات الشبيبة الشعبية بالتعبئة ضد الارتفاع في أسعار تذاكر المواصلات. ونمت تلك الموجة وازدادت ضراوة مع قمع الشرطة للناشطين. إن تلك المظاهرات الشعبية أصبحت احتجاجات ضخمة بدون أي قيادة أو تنظيم، الأمر الذي جعل الكفة ترجح لطرف اليمين الذي استغل تلك التظاهرات وحولها لصالحه كاحتجاجات عامة “ضد الفساد”.

اتصفت السنوات الـ13 الأخيرة في البرازيل، تلك التي كان فيها حزب العمال حاكماً، بالنمو الاقتصادي الواسع وأرباح ضخمة لرأس المال الكبير، ولكنها أيضاً اشتملت على توزيع للأجور مما جعلها الحكومة المفضلة بالنسبة للبرازيليين. من ناحية أخرى فإننا لم نلمس تغييرات بنيوية سواء أكانت إصلاحات زراعية أو سياسية أو حضرية أو إعلامية. واتسمت تلك العملية بخلوها من المنظور التنظيمي وافتقارها إلى التسيس، حيث كان التوفيق الطبقي أقصى أولويات الحكومة.

تقبلت البرجوازية حكومة حزب العمال، في الوقت الذي كانت تتمتع فيه بالنمو الاقتصادي وتحصد الأرباح الضخمة. ولكن مع انبثاق الأزمة، ربط أسوأ المحافظين في البرازيل أنفسهم مع الولايات المتحدة، وذلك بالترتيب مع نائب الرئيس “تامر” وبدعم من السلطة القضائية النخبوية وشبكة التلفزيون الرئيسية “قناة غلوبو”. ونظموا انقلاباً لتنفيذ السياسات النيوليبرالية. كان الهدف هو ضمان عدم خسارة أي شيء، من خلال تحميل الشعب كل العبء. لقد حدث ذلك مسبقا، مع بعض الاختلافات، في دول ومناطق أخرى في أمريكا اللاتينية وخاصةً في الجنوب.

نحن نعيش الكثير يومياً في البرازيل؛ مظاهرات كل يوم، واعتقالات لنشطاء سياسيين والحكم عليهم، والفساد يمر دون عقاب، وحقوق العمال تُنتهَك. يتحقق النصر تارةً والهزيمة تارةً أخرى في إيقاعٍ متسارعٍ كما هو الحال في كافة اللحظات التاريخية المهمة.

يبنى التاريخ في أوقات الأزمة. نحن نعيش أوقات التغيير والفرص. يعج تاريخ البرازيل بالانقلابات والعنف والاضطهاد. ولكنه يحفل أيضا بالمقاومة، علينا أن نعيش في كفاح مستمر للدفاع عن حياتنا ولحماية سيادة دولتنا وحقها في تقرير المصير.

الشباب هم من يجب أن يُسيطروا على السياسية في البرازيل كما في كافة أنحاء العالم. نحن في تحرك مستمر وهدفنا هو تنظيم الشباب في كل مجال نجد أنفسنا فيه، نعيش ونقاوم ونعبر عن نضالنا القاعدي من خلال مشروع شعبي يستهدف مجتمعنا والعالم أجمع بواسطة التعليم الشعبي.

إن بناء التضامن الدولي أساسي لبناء قاعدة مقاومة في كافة أنحاء العالم. فنحن نواصل نضالنا من أجل الـ43 طالباً في “أيوتزينابا”، ومن أجل إرث “تشي جيفارا”، ومن أجل حزب الفهود السهود، ومن أجل حركة “عمال بلا أرض” في البرازيل. ويجب أن نخصص في جميع أنحاء العالم لحظاتٍ لتذكر أولئك الذين حاربوا من أجل حرية الشعوب. نحن نخصص يوم الثامن من تشرين الأول يوماً للشباب المناضل. وسوف ننظم خلال الأسبوع نشاطات نعبر فيها عن رغبتنا في بناء ترابط قوي بين الشباب المناضل في البرازيل وفلسطين والمكسيك والولايات المتحدة والأرجنتين وكل أنحاء العالم؛ نحن معاً.

في تلك الأوقات عندما لا يخشى اليمين من إنهاء ديمقراطيتنا بالانقلاب، فإننا نسلك المسار المعاكس بشجاعة مدافعين عن حقوقنا ومسمعين صوتنا في كل أرجاء البلاد: “إن ثورتنا هي :السلطة للشعب”.