التدخين الثوري: عربي نخب أول

٠٢ شباط ٢٠١٦

فرض على البعض ولأسباب “مؤسسية”- جمركية تدخين سجائر الدخان العربي، فتكلفته قليلة، وثمنه زهيد، لكنّ رائحته ” كريهة” ومزعجة، تتطلّب منكَ أنْ تستأذن من هم في محيطك إذا كان بإمكانك التدخين أم لا، كنوع من مراعاة ظروف الآخرين الصّحيّة، أو الحسيّة، أو “الطبقية”؛ ومحور الطبقية هنا ليس ملكية عوامل الإنتاج، بل احتواء دخانك على نيكوتين من عدمه، حيث يتقبّله الكثير إن احتوى على النيكوتين، ويرفضه الكثير -بشكل أو بآخر- إن لم يحتوِ عليه.

بعد مضيّ عام على تدخين البعض ل “الدخان العربي”، لم يعد لنظيره المستورد أيّة قيمة تذكر  من وجهة نظرهم، وكأنّها “ثورة” على تلك السجائر “الرأسمالية”، ليخطر ببال مدّخنيه أن يصفوا تدخين السجائر العربية ب “التدخين الثوري”!

لصق الصفة ثوري/ة، نجدها غالباً في ” أدبيات” الثورة الكوبية والتيارات البوليفارية (في أمريكا اللاتينية)، حيث تشمل تلك الصفة كلّ ما هو إيجابيّ؛ عدا التدخين طبعاً.

بالاستماع أو النظر إلى تلك الشعارات،  لا بدّ وأن تُعمِل ذهنَك فيها؛ فلا يكفي أن تقول “نضال”، بل يقولون: “نضال ثوريّ”، ولا يقولون: “نظريّة”، بل نظريّة ثوريّة، ولا يكتفون بذكر الحبّ وحسب، وإنّما يذكرون الحبّ الثوريّ. حتى الكرامة ليس لها معنى إلا إذا أتت في سياقها الثوري (الكرامة الثورية).

النضال والكرامة والنظرية، وغيرهم الكثير، هم أمور وظواهر ومشاعر وأفكارٌ باقية ما بقي الوجود الإنساني؛ لا تنقطع إنما تتجدّد بوجوده؛ لذا أجد وسمها بسمة ثوري/ة ناجعاً، وذلك للوظيفة التي تؤدّيها في التجاوب والتفاعل مع حركة التاريخ بروح الحركة والتغيير والتقدّم، وبالشكل الذي لا تبقى فيه هذه المفاهيم خاضعةً لمعايير الماضي في ظرفها الآني، فالكرامة -على سبيل المثال لا الحصر- لم يعد معناها بيتاً من الشعر يعطى في الوريد ليُهدّئ الجسم الساكن أصلاً، أو أنْ يبقى التعامل مع النظريّة بشكلٍ محضٍ كما وُجدت، دون ملاءمتها للظّروف، والتي تؤدّي بالضرورة لكشفِ الثابت والمتغيّر في النظريّة، وليس القول بعدم فاعليتها أو مصداقيتها تماماً.

بعيداً عن رائحة “الدّخان العربي” المزعجة، واقتراباً أكثر من النهج البوليفاريّ فيما يخصّ أحد جوانب النضال الفلسطيني، وهي المقاطعة الاقتصادية لمنتجات الكيان الصهيوني؛ فهذا الجانب من النّضال يظهر بين حين وآخر، وغالباً ما يكون على شكل مبادرات فردية تبدأ من الذّروة وتنزلق شيئاً فشيئاً لتعودَ للصعود مجدداً وكأنّها سيزيف يحمل صخرته!

كيف لهذه المقاطعة الاقتصادية أن تكونَ مقاطعةً “ثورية”؟

يجبُ أن ننظر للمنتج الصهيوني من جانبين؛ الجانب الأول يمثل وجهاً استهلاكياً للمنتج وهو قيمة تحسب في ” قوانين” السوق، أمّا الجانب الثاني فهو يمثل قيمةً وطنيّةًّ تُحسب في ميزان الصّراع الفلسطينيّ-الصهيونيّ.

المقاطعة الاقتصادية لمنتجات الكيان الصهيوني أمرٌ لا يُستهان به، لأنّها أحد جوانب النضال الفلسطيني في مواجهة الكيان الصهيوني، فلتكن هذه المقاطعة ثورية، بالثورة على “قوانين” السوق، والنظر للمنتج بمنظار وطني، يغلّب القيمة الوطنيّة على القيمة الاستهلاكيّة.

هنا نحتاج لوقفة، حيث نخرج من ذاتيّتنا ونسأل أنفسنا سؤالاً موضوعياً؛ علّمونا في المدارس والجامعات أنّ القوانين والدّساتير، والنظريّات، والعادات والتقاليد، والأفكار صحتها وضرورة تطبيقها تختلف باختلاف الظروف والزمان والمكان… لكن ما لم يعلّمونا إيّاه هو ما إذا كانت السلعة الكمالية أو الضرورية في مكان وزمان وظرف ما، هي أيضاً سلعة كمالية وضرورية في مكان وزمان وظرف أخر، هل ذلك صحيح؟

لا بدّ من إجابة هذا السؤال، وذلك عبر تقييم وضعنا كشعب لا زال خاضعاً للاحتلال وفي مرحلة نضال، وثم تقييم متطلّباتنا بحسب ما يقتضي ذلك الوضع، وعبر إعطاء الأمور حقّها من النقاش والسؤال والتحليل؛ كأن نرى الأبنيةَ “التجارية الشّاهقة” ترتفع -في رام الله خصوصاً- بينما يتناسب مستوى الفقر والبطالة مع ارتفاعها طردياً، وفي المقابل تتناسب مع وتيرة المشاريع التنموية الوطنية بسيرورتها وصيرورتها عكسياً.

في وقت نرى فيه المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار في أراضي السّلطة الفلسطينيّة، الممّول ل”مشروع” بناء قصر الضيافة الرئاسيّ؛ وتجدر الإشارة هنا أنّ هذا القصر يعتبر من الحالات النادرة التي يصدق فيها الاسم بوصف “المشروع” أو “المؤسسة”، فهو قصر فعلاً، وللضيافة حقاً، لكنّه للرئاسة حصراً!

كان من الأولى أن ينفقَ ذلك المجلسُ تلك الأموالَ في مشاريعَ تنمويةٍ وطنيّة تكون سنداً للمقاطعة الاقتصادية لمنتجات الكيان الصهيونيّ، ولأنّه لم يقم بذلك، ألا يجبُ أن نسأل لماذا؟

الأهمّ أن نكون على درجة من الوعي بالتمييز بين جانبيْ المنتجات الصهيونيّة، وأنْ نغلّب القيمة الوطنيّة على القيمةِ الاستهلاكيّة، وأنْ نعيَ حجم المسؤولية التي تقع على عاتقنا بكلّ جدّيّة وصرامة، وأنْ ندرك أنّنا شعب لا زال في مرحلة تحرّر وطنيّ، فيجب ألّا نخضع ل”قواعد” السوق و”قوانينه”، وذلك ب “الثورة” عليها.

على كلّ حال، التفاعل بإيجابية مع الأمر الواقع المتمثّل بفرض تدخين الدّخان العربي على البعض كان كفيلاً بإظهار ذلك الخطّ الواضح، والذي يفصل بين الوجوه المختلفة للسّلعة الواحدة، ويشكّل “دليلاً” للتفكير في أمور أبعد من “مشاعر” و”رغبات” من يطلب منهم “السماح” له بالتدخين.

وفي بداية النهاية فليُرفع شعار ” كلّ ما هو غيرُ ثوريّ، ليس منّا”!