التطبيع بوصفِه وَصفَة

١٣ تشرين الثاني ٢٠١٧

من‭ ‬السهل‭ ‬عليّ‭ ‬بدء‭ ‬كتابتي‭ ‬هذه‭ ‬بلا‭ ‬مقدّمة‭ ‬أو‭ ‬سياق،‭ ‬لأنّ‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التطبيع،‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬النقاشات‭ ‬تحديداً،‭ ‬بات‭ ‬كمريضٍ‭ ‬يطلب‭ ‬حبّة‭ ‬‮«‬بنادول‮»‬‭ ‬من‭ ‬الصيدليّة‭. ‬فمثلما‭ ‬يُعتبر‭ ‬النقاش‭ ‬الذي‭ ‬يدور‭ ‬بين‭ ‬المريض‭ ‬والصيدلانيّ‭ ‬حين‭ ‬يُطلب‭ ‬منه‭ ‬الأوّل‭ ‬مسكنّاً‭ ‬لألم‭ ‬في‭ ‬رأسه،‭ ‬طبيعياً‭. ‬بات‭ ‬من‭ ‬الطبيعيّ‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬نقاشنا‭ ‬حول‭ ‬التطبيع‭ ‬مسكّنًا‭ ‬لمرضٍ‭ ‬آخر،‭ ‬أي‭ ‬بوصفه‭ ‬وصفة‭!‬

 

‭ ‬‮«‬السياقات‮»‬‭ ‬كحجّة‭ ‬للتطبيع

إنَّ‭ ‬الادّعاء‭ ‬القائل‭ ‬أنّ‭ ‬‮«‬تعريف‭ ‬التطبيع‭ ‬يختلف‭ ‬من‭ ‬سياق‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬إلى‭ ‬الضفة‭ ‬مثلاً‭...‬‮»‬،‭ ‬هو‭ ‬ادّعاءٌ‭ ‬صحيحٌ‭ ‬في‭ ‬الغالب،‭ ‬لكنّه‭ ‬خطير‭ ‬حينَ‭ ‬يُستجلَب‭ ‬لحسم‭ ‬النقاشات‭ ‬الجارية‭ ‬حول‭ ‬التطبيع،‭ ‬أي‭ ‬حين‭ ‬يُستخدم‭ ‬لتبرير‭ ‬الفعل‭ ‬وليس‭ ‬لفهمه،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬‮«‬التطبيع‮»‬‭ ‬مفهوماً‭ ‬إشكاليّاً‭.‬

لتبسيط‭ ‬الفكرة‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬التطبيع‭ ‬يستخدم‭ ‬لنفي‭ ‬فعل‭ ‬التطبيع‭ ‬نفسه‭: ‬‮«‬ابن‭ ‬الداخل‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬‮«‬إسرائيليين‮»‬‭ ‬في‭ ‬يومه،‭ ‬إذن‭ ‬لماذا‭ ‬يُعتبر‭ ‬ابن‭ ‬الضفّة‭ ‬مطبّعاً‭ ‬إذا‭ ‬تعامل‭ ‬مع‭ ‬‮«‬إسرائيلي‮»‬؟‭ ‬لماذا‭ ‬نعتبر‭ ‬أحدهم‭ ‬مطبّعاً‭ ‬وآخر‭ ‬ليس‭ ‬مطبّعاً؟‭ ‬كما‭ ‬أنّه‭ ‬كيف‭ ‬لتصنيف‭ ‬التطبيع‭ ‬أن‭ ‬يشمل‭ ‬أحدهم‭ ‬دون‭ ‬آخر،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تشابه‭ ‬السياق‭ ‬أحياناً؟‮»‬

هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬ليست‭ ‬لفهم‭ ‬اختلاف‭ ‬السيّاقات‭ ‬وفحصها،‭ ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬تُستخدم‭ ‬لتبرير‭ ‬فعل‭ ‬التطبيع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استجلاب‭ ‬حجّة‭ ‬اختلاف‭ ‬السيّاقات‭ ‬بين‭ ‬جغرافيات‭ ‬فلسطين‭ ‬المختلفة‭. ‬إن‭ ‬اختلاف‭ ‬السيّاقات‭ ‬بين‭ ‬الجغرافيات‭ ‬المختلفة،‭ ‬أمر‭ ‬واضح‭ ‬ومُعترف‭ ‬به‭ ‬لفهم‭ ‬الاختلافات‭ ‬التي‭ ‬يشارك‭ ‬المستعمِر‭ ‬في‭ ‬تشكيلها،‭ ‬لكنّ‭ ‬هذا‭ ‬يستدعي‭ ‬أن‭ ‬تفكّر‭ ‬هذه‭ ‬السياقات‭ ‬المختلفة‭ ‬مع‭ ‬بعضها،‭ ‬كسياق‭ ‬متوازن،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬تفكّر‭ ‬ضد‭ ‬بعضها،‭ ‬كما‭ ‬يجري‭ ‬عند‭ ‬كلّ‭ ‬‮«‬حفلة‮»‬‭ ‬تطبيع‭.‬

 

فتنة‭ ‬الحكمة؟‭!‬

رُوي‭ ‬عن‭ ‬ابن‭ ‬عبّاس‭ ‬أن‭ ‬جاءه‭ ‬مرةً‭ ‬أحدهم‭ ‬فسأله‭ ‬عن‭ ‬توبة‭ ‬القاتل،‭ ‬فأجابه‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬توبة‭ ‬له،‭ ‬ثمّ‭ ‬جاءه‭ ‬آخر‭ ‬فسأله‭ ‬عن‭ ‬توبة‭ ‬القاتل‭ ‬أيضاً،‭ ‬فأجابه‭ ‬أنّ‭ ‬له‭ ‬توبة،‭ ‬وبرّر‭ ‬ذلك‭ ‬لتلاميذه،‭ ‬بأن‭ ‬الأوّل‭ ‬رأى‭ ‬في‭ ‬عينيه‭ ‬إرادة‭ ‬للقتل‭ ‬فمنعه‭ ‬بجوابه‭ ‬‮«‬أن‭ ‬لا‭ ‬توبة‭ ‬له‮»‬،‭ ‬وأمّا‭ ‬الثاني‭ ‬فرأى‭ ‬في‭ ‬عينيه‭ ‬ندم‭ ‬على‭ ‬فعله‭ ‬فأجابه‭ ‬‮«‬أن‭ ‬له‭ ‬توبة‮»‬‭.‬

إن‭ ‬استحضار‭ ‬هذه‭ ‬القصّة‭ ‬تحمل‭ ‬مخاطرة‭ ‬نوعاً‭ ‬ما،‭ ‬لكن‭ ‬دعونا‭ ‬نحاول،‭ ‬كونها‭ ‬تفتح‭ ‬المجال‭ ‬للفتاوى‭ ‬الفرديّة‭ ‬في‭ ‬موضوع‭ ‬عام‭ ‬وحسّاس،‭ ‬كما‭ ‬أنّها‭ ‬تقول‭ ‬عن‭ ‬الحكمة‭ ‬أكثر‭ ‬ممّا‭ ‬تقول‭ ‬عن‭ ‬التطبيع؛‭ ‬الحكمة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تستخدم‭ ‬معرفتك‭ ‬فتصيّرها‭ ‬في‭ ‬السياق،‭ ‬لتعمَل‭. ‬أي‭ ‬أن‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬سياقين‭: ‬بين‭ ‬من‭ ‬يجب‭ ‬إقصاؤه‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬كونه‭ ‬مطبّعاً‭ ‬وبين‭ ‬من‭ ‬يجب‭ ‬إنقاذه،‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬سيساهم‭ ‬تطبيعه‭ ‬في‭ ‬تشويه‭ ‬الحالة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وبين‭ ‬من‭ ‬سيؤدي‭ ‬إقصاؤنا‭ ‬له‭ ‬لتشويه‭ ‬الحالة‭ ‬الفلسطينيّة‭.‬

إذا‭ ‬أردنا‭ ‬أن‭ ‬نجري‭ ‬تخيّلاً‭ ‬ماركسيّاً‭ ‬بسيطاً‭ ‬للحالة،‭ ‬ستكون‭ ‬المعادلة‭ ‬كالتالي‭: ‬الأول،‭ ‬من‭ ‬يجب‭ ‬إقصاؤه‭ ‬وإطلاق‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬مطبّع‮»‬‭ ‬عليه‭ ‬دون‭ ‬تردد،‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نشبّهه‭ ‬بالبرجوازي‭ ‬الذي‭ ‬يملك‭ ‬وسائل‭ ‬الإنتاج،‭ ‬أي‭ ‬ينتج‭ ‬تطبيعاً‭. ‬الثاني‭: ‬من‭ ‬بالإمكان‭ ‬إنقاذه‭ ‬وعدم‭ ‬إقصاؤه‭ ‬بإطلاق‭ ‬الحكم‭ ‬عليه‭ ‬كونه‭ ‬ضحيّة‭ ‬هذا‭ ‬التطبيع‭ ‬المُمَنهج،‭ ‬ويمكننا‭ ‬أن‭ ‬نشبّهه‭ ‬بالعامل‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬وسائل‭ ‬الإنتاج‭ ‬ويُضطهد‭. ‬إنّنا‭ ‬نملك‭ ‬فلسطينيّا‭ ‬ماكينة‭ ‬بدأت‭ ‬تأكل‭ ‬فينا‭ ‬وهي‭ ‬التطبيع،‭ ‬أحدهم‭ ‬يشغّلها‭ ‬فتطحن‭ ‬من‭ ‬يستخدمها‭.‬

ليس‭ ‬التوازن‭ ‬موقفاً‭ ‬من‭ ‬التطبيع،‭ ‬وإنما‭ ‬تعاملاً‭ ‬معه،‭ ‬لذا‭ ‬هو‭ ‬ليس‭ ‬حياداً،‭ ‬إذ‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬موقفاً‭ ‬أيديولوجياً‭ ‬من‭ ‬التطبيع،‭ ‬وإنما‭ ‬توازنٌ‭ ‬منحاز‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬ضد‭ ‬التطبيع‭. ‬كما‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬معرفة‭ ‬أن‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الحالة‭ ‬بشكل‭ ‬مختلف،‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬تبريراً‭ ‬لأي‭ ‬فعل‭ ‬تطبيع،‭ ‬فالتطبيع‭ ‬هو‭ ‬التطبيع،‭ ‬وإنّما‭ ‬يعني‭ ‬محاولة‭ ‬تثبيت‭ ‬شكل‭ ‬مُمَنهج‭ ‬لمواجهة‭ ‬سياسات‭ ‬التطبيع‭ ‬فلسطينيّاً؛‭ ‬حين‭ ‬يطبّع‭ ‬شخص‭ ‬مشهور‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الثقافيّة‭ ‬مثلاً،‭ ‬هذا‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬شخص‭ ‬ليس‭ ‬معروفاً،‭ ‬الحالتين‭ ‬تطبيع،‭ ‬لكنّ‭ ‬الأولى‭ ‬يجب‭ ‬إقصاؤها‭ ‬بشكل‭ ‬لا‭ ‬تردّد‭ ‬فيه،‭ ‬لما‭ ‬ستحمله‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬جوانبها،‭ ‬والثانية‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬إنقاذها‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬لي‭ ‬صديق‭ ‬بحرارة‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭: ‬إن‭ ‬تفاعلنا‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬حدث‭ ‬تطبيع،‭ ‬هو‭ ‬تفاعل‭ ‬لحظي،‭ ‬تفاعل‭ ‬على‭ ‬الحدث‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬سياسات‭ ‬التطبيع‭ ‬الممَنهجة،‭ ‬والتي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تواجه‭ ‬بعمليّات‭ ‬ممنهجة‭ ‬ستكون‭ ‬إنقاذ‭ ‬أحياناً،‭ ‬وإقصاء‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬أخرى‭.‬

 

نقطة‭ ‬وقوف‭:‬

يَحمل‭ ‬التطبيع‭ ‬اليوم،‭ ‬أو‭ ‬يُحمِّله‭ ‬الناس‭ ‬هذا‭ ‬الالتباس‭ ‬وهذه‭ ‬الضبابيّة،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬منه‭ ‬مفهوماً‭ ‬مائعاً‭ ‬وسائلاً،‭ ‬أي‭ ‬يَصعب‭ ‬الإمساك‭ ‬به‭ ‬وتعريفه‭. ‬لكنّ‭ ‬هذا‭ ‬خطير،‭ ‬كونه‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الحالة‭ ‬مائعة‭ ‬أيضاً،‭ ‬ويخلق‭ ‬تيّارات‭ ‬فكريّة‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬التسمية‭ ‬على‭ ‬موضوع‭ ‬وطنيّ،‭ ‬أي‭ ‬اختلافٌ‭ ‬على‭ ‬هدف‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬أداة‭. ‬

لقد‭ ‬أصبح‭ ‬التطبيع،‭ ‬بحسب‭ ‬الأستاذ‭ ‬خالد‭ ‬عودة‭ ‬الله،‭ ‬هو‭ ‬‮«‬فنّ‭ ‬الممكن‮»‬‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬الظروف‭ ‬الراهنة‭. ‬أي‭ ‬أنّ‭ ‬العدو‭ ‬قد‭ ‬حدّد‭ ‬لنا‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الممكن،‭ ‬وبات‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬فنُّنا‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الممكن‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬صيغ‭ ‬مسبقاً‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬مؤسسات‭ ‬تطبيع‭.‬

انشغل‭ ‬الكثيرون‭ ‬بسؤال‭: ‬‮«‬هل‭ ‬يمكنني‭ ‬أن‭ ‬أشاهد‭ ‬فيلماً‭ ‬لمطبّع؟‮»‬‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬ينشغلوا‭ ‬بسؤال‭: ‬‮«‬لماذا‭ ‬حدثَ‭ ‬هذا‭ ‬التطبيع؟‮»‬،‭ ‬وذلك‭ ‬لأن‭ ‬السؤال‭ ‬الأول‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬نقاش‭ ‬ثنائية‭ ‬‮«‬نعم‭/‬لا‮»‬‭ ‬والسؤال‭ ‬الثاني‭ ‬يفتح‭ ‬على‭ ‬أسئلة‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬‮«‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نواجهه‭ ‬وما‭ ‬العمل؟‭ ...‬‮»‬‭.‬

ولو‭ ‬حاولنا‭ ‬أن‭ ‬نقف‭ ‬على‭ ‬نقطة‭ ‬انطلاق،‭ ‬فما‭ ‬أعرفه‭ ‬جيّداً،‭ ‬أن‭ ‬التطبيع‭ ‬ليس‭ ‬وصفة‭ ‬طبيّة‭ ‬نُعالج‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬المرضى،‭ ‬ليس‭ ‬مسكّناً‭ ‬لألمٍ‭ ‬آخر‭ ‬نرتاح‭ ‬معه،‭ ‬لمرضٍ‭ ‬آخر‭ ‬مشغولين‭ ‬به‭. ‬هو‭ ‬الألم‭ ‬والمرض،‭ ‬سرطان‭ ‬بحاجة‭ ‬للتعامل‭ ‬معه،‭ ‬هو‭ ‬سؤال‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬جواباً‭... ‬انتظر‭ ‬لحظة،‭ ‬هل‭ ‬هذه‭ ‬نقطة‭ ‬وقوف‭ ‬جيّدة؟