التعليم العالي يجرّ الجامعات إلى الهاوية

٠٦ آذار ٢٠١٨

بعد أن لجأت إدارةُ جامعة النجاح برفع دعوى ضدّ نقابة العاملين فيها، وضدّ اتّحاد نقابات الجامعات بالطعن بشرعيّة الإضراب، كان واضحاً أنّ لجوء إدارة الجامعة وبتواطؤٍ مخفيّ من مجلس التعليم العالي، يعني أنّ الصراع النقابي دفاعاً عن حقوق العاملين (نهاية الخدمة واتّفاقية الكادر أساساً للقدامى والجدد) سيتصاعد. مَنْ يتابع وضع الجهاز القضائيّ يتّفق مع ما ذهبت إليه المؤسّسات القانونيّة والحقوقيّة من أن لا عدالة في فلسطين، وأنّ تغوّل الجهاز التنفيذيّ على القضائيّ بات صريحاً، فيما هناك سلسلة من القرارات الحكوميّة والقضائيّة موجّهة تحديداً ضدَّ العمل النقابيّ وحقوق العاملين إجمالاً، وبالتالي لم يفاجئنا قرار العليا بعدم شرعيّة الإضراب النقابي! وبعد تصويب اتّحاد نقابات الجامعات لخطواته القانونيّة سيتجدّد الإضراب في شهر شباط الحالي.

لقد انفجر النزاعُ بين العاملين في الجامعات ومجلس التعليم العالي ومنذ أشهر لا جديدَ في أسباب النزاع، سواء كان طرفه الأوّل الحركة الطلابيّة أو العاملين، فالمعلَن هو الأزمة الماليّة وضرورة خفض نفقات التعليم، وهذه المرّة فالعين مصوّبة تجاه جيوب العاملين، وفي مرّات سابقة تجاه الطلبة، أيضاً ليس من جديدٍ في تحديد (الجيوب) التي تتوجّه إليها الإجراءات. أمّا أن هناك (جيوب أخرى) يمكن التوجّه لها فهذا ما سنتطرّق له تالياً.

ليس النضال النقابيّ الحاليّ للعاملين في الجامعات لتحقيق مكتسباتٍ إضافيّة، -وهذا على أيّةِ حالٍ حقٌ شرعيّ للعاملين يدعمه النزوع الطبيعي لتحسين شروط العمل-، بل هو نضالُ للردّ على قرارات مجلس التعليم بسحب إنجازاتٍ وحقوقٍ جرى انتزاعها قبل سنوات، فيما عُرف باتّفاقية الكادر الموحّد في الجامعات، والتي تحدّد الرواتب وسعر الصرف ونهاية الخدمة وكافّة الحقوق والمكتسبات الإضافيّة.

 وأعلن مجلس التعليم في بيانه الأحد الماضي بوضوحٍ "أنّه يحترم اتّفاقية الكادر ولكن لمن التحق بوظيفته قبل 1/9/2017"، وبالتالي فالعين مصوّبة تجاه الموظّفين الجدد بعد هذا التاريخ، فلسان التعليم العالي واضح: (اتّفاقية الكادر لا تسري على الجدد، وبالتالي لا أتعاب نهاية خدمة، لا تثبيت، لا حقوق ومُكتسبات نصّت عليها اتّفاقيّة الكادر، بل عقود خاصّة يمكن إلغاؤها في أيّة لحظة، وإلقاء الأكاديمي أو الموظّف في الشارع). وحتّى إعلان مجلس التعليم التزامه باتّفاقية الكادر للقدامى فلا يعوّل عليه العاملون، إذ لا ضمانة أن يكون حالهم كحال الثور الأسود الذي أُكل يوم أُكل الثور الأبيض، وما حاولت الإدارات في جامعات بيرزيت والخليل وغزّة فعله بالتنصّل من عقود بعض العاملين المثبتين وتحويلهم لعقودٍ خاصّة، دليل على أن التزام التعليم العالي باحترام اتّفاقية الكادر ذر للرماد في العيون، خاصّة أن السياسة المعلَنة بخفض النفقات المتبنّاة من التعليم العالي لن تتوقّف، حسبما نعلم من تجربتنا التاريخيّة، عند حدود الجدد بل ستطال القدامى.

ليست المسألة إذن الدفاع عن نهاية الخدمة للقدامى والجُدد كحقّ كما أعلنه اتّحاد النقابات كخطٍّ أحمر، بل في الجوهر الدفاع عن اتّفاقيّة الكادر كحقٍ مكتَسب للعاملين القدامى والجدد، فاتّحاد النقابات عندما انتزع اتّفاقيّة الكادر قبل سنوات لم ينتزعها فقط لفترة زمنيّة محدّدة تنتهي لتنشطب في فترة ثانية تبدأ من 1/9/2017 وإلّا لكان حال اتّحاد النقابات كحال مَنْ يقول: "المهم نحن واللاحقين لهم الله!" وذلك سلوك يربأ اتّحاد النقابات أن يقع فيه أخلاقياً ووطنياً وقانونياً، فالقانون يلزم التعليم العالي باحترام والالتزام بالاتّفاقيّة طالما بقي توقيعه عليها للقدامى والجدد معاً، فهي لم تكن محدّدة بفترة زمنيّة تنتهي في 1/9/2017.

ماذا يعني تنصّل مجلس التعليم من سريان الاتّفاقيّة على الجدد؟ ببساطة ودون الحاجة لإعمال التفكير ملياً سياسة ستصب -عرف التعليم العالي ذلك أم لا- في مخطّط تهجير الأكاديميّين والعاملين عموماً إذ يفتقدون (والحال هذا) الاستقرار والأمان الوظيفي، ومع ذلك الكل ينادي بالحفاظ على الكفاءات في الوطن والارتقاء بالتعليم العالي! كيف سيرتقون في التعليم العالي وفي السنوات القادمة  -إذا نجحت سياسة التعليم العالي- سيكون سيف إنهاء عقود العاملين مسلّطاً على الرقاب؟

وخلف كل تلك السياسة تُكمن في الجوهر سياسة الخصخصة (أو الخوصصة حسب أشقّاؤنا المغاربة) وهي سياسة يفرضها المموِّل، ومنهم البنك الدولي مثلاً، على أية قطاعات يجري (دعمها) وما على المموَّل إلّا الانصياع، أمّا ما تأثيرات ذلك الانصياع على القطاعات المختلفة فكلّ مُطّلع على تجارب دعم البنك الدولي في العالم الثالث يعرفها تمامًا: التخريب بكلّ ما في الكلمة من معنى! وفي حالتنا فهي تعني تحويل مؤسّسات التعليم العالي لمؤسّسات لذوي الدخل المرتفع، يعني لأبناء الذوات، (واللي معوش ما يلزموش) ناهيك عن هجرة العقول والكفاءات.

 والحجّة التي تُساق عادةً هي خفض نفقات التعليم العالي عبر المسِّ بجيوب العاملين، وأكثر من مرّة من جيوب الطلبة. عودٌ على بدء: هناك جيوب أخرى يمكن التوجّه لها. طالما يُعتبر التعليم العالي استثماراً في الإنسان ليكون جاهزاً لسوق العمل، فالأَولى بالمستفيدين من هذا الاستثمار أن يتحمّلوا مسؤوليّة التعليم العالي، ففي النهاية يجري الاستثمار على العموم، لصالح هؤلاء: القطاع الحكومي، القطاع الخاصّ والقطاع غير الحكومي.

القطاع الأوّل يمكنه (وهذا مطلبٌ ملحّ ومشروع وعلى كل مكوّنات المؤسّسة التعليميّة العليا وعلى رأسها الإدارات، المطالبة به) إعادة النظر في توزيع الموازنة العامّة، فالأمن مثلاً يستهلك أكثر من ثلث الموازنة، والتضخّم أصلاً في تلك الأجهزة معروف. كما أن الحكومة لا تصرف للتعليم العالي ما يجب عليها صرفه، وهنا على التعليم العالي أن يرفع صوته مطالباً ومحتجّاً بدلاً من المسّ بجيوب العاملين والطلبة.

أمّا القطاع الثاني فحدّث ولا حرج، أرباح خياليّة تجنيها البنوك وشركات الاتّصالات والتأمين وشركات الاستيراد، حسبما يعلن بعضها فصلياً وسنوياً، علماً أنّ المردود الإنتاجي الوطني لتعزيز الصمود وبناء مجتمع مقاوِم لأغلب تلك الأنشطة، صفر. لماذا لا تُفرض ضريبة للتعليم العالي على أرباح تلك المؤسّسات المقدّرة سنوياً بمئات الملايين من الدولارات كجزءٍ حقيقيّ من شعار المسؤوليّة المجتمعيّة والمشاركة المجتمعيّة، الذي لا يغدو حتّى اللحظة من قبل تلك المؤسّسات سوى شعار للدعاية لا أكثر؟ ويقيني أنه لن تعاني الرأسماليّة من الفقر إن فُرضت تلك الضريبة! في السّابق كنّا ندفع شاقلاً واحداً على فاتورة الكهرباء تحت بند ( كهربة الريف) ولم نسمع مَنْ احتجّ فتلك كانت مسؤوليّة وطنيّة وأخلاقيّة، والتعليم العالي هام بقدر كهربة الريف وينبغي أن يجري عليه ما جرى على الثاني.

أمّا القطاع الثالث، المنظّمات غير الحكومية، فهي تستهلك عددًا لا بأس به من الخرّيجين، وبالتالي عليها أن تتحمّل بعضاً من مسؤوليّات التعليم العالي. أيضاً هنا عشرات ملايين الدولارات تُردّ لتلك المنظّمات وبعض من موازنات تلك المنظّمات يفوق موازنات وزارات، وجزء من الملايين يُنفق على رواتب خياليّة تفوق رواتب الوزراء أنفسهم، ناهيك عن (أنشطة) عديدة مثل المؤتمرات والورش والتدريبات والسفريات والامتيازات الكثيرة والتي لا تقدّم بالنهاية كصورة إجماليّة، أي منتوج تنموي حقيقي. لماذا لا يقتطع نسبة معيّنة من تمويل تلك المنظّمات، ويمكن تحديد حد معيّن يجري بعده الاقتطاع لصالح التعليم العالي؟

ذكر محمد شاهين في مقالته في جريدة الأيام يوم 20/11/2017 أن نفقات التعليم العالي تبلغ 200 مليون دولار، وعجز موازنة الجامعات 70 مليون، ورغم أن أرقام أقلّ لكلفة التعليم العالي أُسمعت في اجتماع اتّحاد النقابات الأخير، إلا أنّه وحتّى ال 200 مليون دولار يمكن ببساطة تحصيلهم من القطاعات الثلاث المذكورة دون أن تنهار! فحتّى التعليم الجامعي (والحال هذا) يصبح مجّانياً، وهو مطلب ينبغي على الحركة الطلّابيّة تبنّيه صراحةً لأنّه ببساطة ممكن وواقعي. هنا ( جيوب أخرى) ينبغي التطلّع إليها والكفّ عن سياسة النظر فقط لجيوب العاملين والطلبة في الجامعات، ذلك التطلّع الذي يجري سنوياً ولا يُنتج إلا أزمات تلحق الضرر والتخريب في العمليّة التعليميّة.