التعليم في سوريا للفلسطينيّين.. ومحاولة خلق حركة طلابية

١٩ آذار ٢٠١٨

لا يمكن الحديث عن الحركة الطلابيّة الفلسطينيّة في سورية، دون الحديث عن التعليم في سورية بشكلٍ عام، إذ كان الطالب الفلسطينيّ في سورية يخضع لنفس النظم التعليميّة للسوري حتّى داخل مدارس الأونروا التي وصل عددها قبل 2011 إلى 118 مدرسة، وطلبة وصل عددهم في المرحلتين الابتدائيّة والإعداديّة إلى 65,479.

النظم التعليميّة

كانت النظم التعليميّة في سورية قائمة على التلقين والحفظ من قبل الطلبة ولاحقًا تقديم الامتحان، وكثيرًا ما كنّا نسمع بعضنا نحن الطلبة، نقول، "خلص الامتحان ونسينا كل شي"، هذه العبارة بعد نضج الوعي، لها دلالتها الواضحة، أن التعليم القائم على التلقين أكثر من التفاعل والفهم، يبدو أنّه لا يرسخ طويلاً، وتبقى منه الأشياء المؤثّرة بالعموم، والمميّزة لعقل طالبٍ دون آخر.

وبطبيعة الحال، الطلبة من أبناء اللاجئين في سورية يخضعون للمناهج الحكوميّة المعتمدة من قبل وزارة التربية والتعليم السورية. حتى اللباس كان ذاته المتمثّل بمريول بلون "كاكي" للمرحلة الابتدائيّة، والبدلة العسكريّة للمرحلتين الإعداديّة والثانويّة حتى تاريخ العام 2005. ولم يكن ثمّة فارق إلّا بالنشيد الوطني في مدارس "الأونروا" حيث كنّا ننشد نشيد "موطني" بعد النشيد العربي السوري.

في مدارس "الأونروا" كان لدى معظم المدارس مختبرات، الطالب يشاهد الأفعى الموضوعة بمادة "الفورمول"، كذلك كان درس التشريح في المرحلة الابتدائيّة حالة ممتعة ومدهشة، لأن كل طالب كان لديه كلية يقوم بتشريحها، كما يعلّمه أستاذ المادة.

لكن أكثر من ذلك كان الأمر سيكون صعبًا، فلا مجال لوسائل أكثر تربويّة وتعليميّة، ولا أظن أن الأمر مرتبط بإمكانيّات الوكالة، إنّما لعدم وجود هذه الحالة في معظم المدارس الحكوميّة السوريّة.

تفاصيل غير مملّة

من المعلوم أن اللاجئ الفلسطيني بسورية تمتّع بمجمل الحقوق المدنية للسوري وفقا للقانون 260 للعام 1956، والذي بموجبه أنشئت "مؤسّسة اللاجئين" التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعيّة والعمل، والقانون يمنح حقوق المواطن السوري للاجئ الفلسطيني في المجالات الوظيفيّة والمهنيّة والعلميّة، دون الاستفادة من الحقوق وامتيازات أخرى مثل الجنسية والانتخاب والترشّح لعضويّة مجلس الشعب ونحو ذلك. وبطبيعة الحال هذه المعايير تنطبق على لاجئي 1958، و1956 دون السماح لهم بدخول سوق العمل إلّا ضمن عقود مؤقتة، و1967 الذي ينقسمون إلى قسمين: منهم من تمكّن من التسجيل على قيود مؤسّسة اللاجئين، وهؤلاء يعاملون معاملة فئة اللاجئين عام 1956، بينما الذين لم يتمكنوا من ذلك فيعاملون معاملة الأجنبي إن كانوا من حملة وثائق السفر المصرية (قطاع غزة) ومعاملة العربي المقيم لمن هم حملة جوازات السفر الأردنية (المؤقتة). والفئة الأخيرة من اللاجئين الفلسطينيين في سورية اللاجئين العام 1970 وأغلبهم لم يحملوا أوراق ثبوتيّة.

وجميع هذه الفئات تمكّنت من الاستفادة من خدمات الأونروا على مستوى التعليم موضع حديثنا هنا.

وضمن التفاصيل، كان بإمكان اللاجئ الفلسطيني التسجيل في المدارس الحكوميّة الرسميّة، والتعلّم على مقاعد الطلبة السوريّين دون أدنى تمييز في التعامل والسلوك، ومعروف أنّ لسنواتٍ عدّة كان من بين الأوائل على مستوى سورية، طلبة من اللاجئين الفلسطينيّين، إمّا من مدارس الأونروا أو من المدارس الحكوميّة.

أيضاً من ميّزات التعليم في سورية أنّه مجاني بالكامل حتّى إنهاء المرحلة الجامعية، و"الأونروا" كانت تتوقّف خدماتها التعليمية عند الصف التاسع أو "الكفاءة" كما تُسمّى في سورية. لذا كان الطالب الفلسطيني يكمل تعليمه في المدارس الثانويّة الحكوميّة السوريّة، وهنا يضطّر لشراء الكتب المدرسية المتوفّرة بأسعار تعتبر رخيصة نسبيًا قياسًا مع معدّل الدخل السوري.

بعض الطلبة كانوا يلجأون للخدمة الوحيدة التي تقدّمها الأونروا بعد التاسع وهي مركز للتدريب المهني ((VTC يقوم بإعداد الشباب من اللاجئين الفلسطينيين بمهنٍ معيّنة، كذلك كان بإمكانهم بعد تحصيل شهادة الثانوية "البكالوريا" التسجيل في المركز بإختصاصاتٍ محدّدة.

خلال مرحلة "الأونروا"

أنا من جيل الثمانينيات، ودرست في مدارس الوكالة بمخيّم اليرموك، ولا أعتقد أن أحدًا من زملائي في سنوات الدراسة، يمكن له أن ينسى المظاهرات في المخيّم، تحديدًا تلك التي خرجنا لأجلها من المدرسة عنوة في بعض الأحيان، وبسلوكٍ عفويّ لم يرفضه بعض المعلّمين، لكنّهم ما كانوا ليظهروا موافقتهم، لما له يتعارض مع قوانين "الأونروا" والدولة السوريّة أحيانًا.

بينما أكتب هذا الكلام، تعود إلى ذاكرتي بوسترات الشهداء، خلال ذهابي صباحًا إلى مدرستي، الآن أتذكّر صور يحيى عياش، منتشرة في شوارع و"حارات" المخيّم صبيحة استشهاده. كذلك الشهيد فتحي الشقاقي مؤسّس حركة الجهاد الإسلامي، أذكر يوم تشييعه كيف خرجنا من المدارس، ومشينا وصولا إلى الجنازة الرسمية للشهيد.

أصوات "الهتّيفة" في المظاهرات، فتّحت وعي أجيال في المخيّمات على فلسطين، وهم من الجيل الذي تعلّم على يد جيلٍ سابق، وهم يعلّمون جيلاً آخر يرتدي لباس المدارس ويتعلّم.

ولعلّي هنا أذكر فضل بعض المعلمين في مدارس "الأونروا" الذين كانوا يخصصون جزءًا من وقت حصصهم للحديث عن فلسطين. أذكر مثلاً الأستاذ فراس حمدان مدرس الرياضيات في مدرسة "كوكب" الابتدائيّة، الذي كان يردّد عبارته الشهيرة، "لا يمكن لثورة أن تهزم، لا بدّ لثورة الشعب الفلسطيني أن تنتصر". كذلك لا يمكن أن يُنسى في مخيّم اليرموك معلّم العلوم جمال عبد الغني الذي كان يفعل كل شيء، من وقته وماله من أجل أن يتعلّم الفلسطيني، كان يخبرنا أن لا سلاح لنا في الشتات الآن سوى علمنا.

كذلك عماد رشدان أستاذ "الفنية" أو الرسم، اليساري الذي علّم أجيالاً معنى أن تكون فلسطينيّة وطنيّة ومناضلة أينما كانت.

هؤلاء نماذج من الفلسطينيين في سورية من المعلّمين الذين أسّسوا لوعي أجيال، باتوا في مواقع وأماكن مختلفة، وأصبحوا في ما بعد، رسل فلسطين وطنياً ضمن أقرانهم السوريين في المدارس الحكومية في المرحلة الثانويّة والجامعيّة.

ما بعد "الأونروا"

عند دخول الطالب الفلسطيني إلى المدارس الحكوميّة ضمن المرحلة الثانويّة، ربّما لم يكن يستغرب أي شيء، فجميع الطلبة غالبًا أبناء طبقته الاجتماعيّة ووضعه المعيشي، وغالبًا بعض المدرّسين هم من الفلسطينيين أصحاب الاسم الشهير كمعلّم اللغة العربية المعروف في سورية الراحل أحمد شحادة، ومعلّم الرياضيات محمد عمورة.

قد يكون المستَغرب الوحيد، أن الطالب الفلسطيني اعتاد في مدارس "الأونروا" على وجود الفلسطينيين معه في الغالب، وهنا خليط، كذلك إنشاد النشيد العربي السوري فقط ضمن تحية العلم دون نشيد "موطني".أما المناهج وأسلوبها لا تختلف على الإطلاق.

حكاية مهمّة

معروف أن سورية حتى العام 2012 كانت المادة الثامنة من دستورها تنص على أن حزب البعث العربي الإشتركي هو القائد للدولة والمجتمع. وعليه فإن هذه المادة تنسحب في تنفيذها على الأجيال الصاعدة.

المرحلة الابتدائيّة كان طلبتها ينضوون تحت مسمّى "منظّمة طلائع البعث"، وفي المرحلة الإعدادية والثانويّة "منظّمة اتّحاد شبيبة الثورة" التابعتان لحزب البعث.

ومعظم الطلبة كانوا ضمن المنظومة السياسيّة القائمة، ينضمّون للمنظّمتين، تحديدًا في المرحلة الثانويّة، حيث بعض الطلبة كانوا يستفيدون من علامات محدّدة في حال خوضهم معسكرات تتبع لشبيبة الثورة. والأمر ذاته ينسحب على الطلبة الفلسطينيين، وداخل المخيمات، الأمر كان مرتبطًا بمنظمة "الصاعقة" التنظيم الفلسطيني لحزب البعث.

المرحلة الجامعية

خلال هذه المرحلة كان الطلبة يدرسون في إحدى الجامعات الحكومية المنتشرة في معظم المحافظات السورية. و هنا يصبح الطلبة مرتبطين باتحاد الطلبة، وفي سورية كان اتحاد طلبة فلسطين التابع اسميًا لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفي الواقع هو رديف الاتّحاد العام لطلبة سورية التابع لحزب البعث.

وفي الواقع كانت الفصائل الفلسطينية، ممثلة في الاتحاد، ولكن حقيقة الأمر كانت رئاسة الاتحاد تقتصر على فصائل محددة غالبا بـ "الصاعقة".

واقتصر النشاط الطلابي أو الحراك على ندوات سياسية وأدبية ومعارض فنية وأنشطة عامة مرتبطة بمناسبات وطنيّة وقوميّة.

المكاتب الطلابية للفصائل الفلسطينية

لعل الدور الأبرز لهذه المكاتب، عقد ندوات سياسية وأنشطة، سويتها مرتفعة أكثر من الأنشطة الرسمية المرتبطة باتحاد الطلبة. ذلك أن سقف الحرية أعلى، كذلك المواضيع مختلفة ولها أبعاد تثقيفية على المستوى السياسي الفلسطيني؛ والنشاط الفني أو الأدبي كان الحضور فيه أغنى كون الـ "فيتو" على الشخصيات لها شروط مختلفة عن الحالة الرسمية الممثّلة باتّحاد الطلبة الفلسطيني، فمثلا كان من الممكن إقامة أمسية أدبية تستقطب أسماء ليسوا منخرطين بأجواء مرضي عنها تماما في سورية إلى حد ما.

الحراك السياسي للطلبة من أبناء اللاجئين

المطلوب من هذه المادة أن تتحدث عن حراك طلابي ضمن المفهوم العام للحركة الطلابية في العالم، والتي يدخل في نهجها العمل السياسي، والتاريخ النضالي الفلسطيني حافل بهذا الفعل، ولعلنا نذكر "الكتيبة الطلابية" وتاريخها النضالي الكبير في الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة.

كذلك نتابع في فلسطين انتخابات الكتل الطلابية، وما يرافقها من تحشيد وحراك سياسي على أساس إيديولوجيّ، ووطنيّ بشكلٍ عام. ونتابع بين حين وآخر ما يحصل في الجامعات الفلسطينيّة من إضرابات، ومواقف من وضع سياسي، وقادة رأي تختص بوضع سياسي ما.

فعليا هذا لا يمكن أن ينطبق على الطلاب الفلسطينيين في سورية، فمجمل حراكهم محكوم بواقع سياسي يتعلّق بخصوصيّة سورية، وهنا لست بصدد أخذ موقف منه، ولكن واقع الجسم الطلابي الفلسطيني الذي كان محكوماً بمفاهيم سورية، والخروج عن طوقه لم يكن أكثر من نشاط يحصل في المخيّمات تحت غطاء فصيلٍ ما.