الحادي عشر من أيلول في تشيلي

٢٤ تشرين الأول ٢٠١٦

" هذه فرصتي الأخيرة للحديث معكم فنحن نقصف الآن. عمال بلادي تحركوا لبناء مجتمع أفضل فأنا أثق أن البذور التي زرعناها في ضمائر الآلاف والآلاف من التشيليين لن تذهب هباء".

 

بهذه الكلمات أنهى "سلفادور الليندي" فترة حكمه في تشيلي، يومها في الـ11 من أيلول عام 1973، كان الجنرال "أوغوستو بينوشيه" يقصف القصر الرئاسيَّ ويقوم بانقلاب عسكريٍّ ضدَّ الرئيس اليساري "الليندي" بعد مرور ثلاث سنوات من انتخابه، حاول خلالها إخراج بلاده من الهيمنة الأميركيَّة.

لم يَكُنْ نجاح الجنرال "بينوشيه" في انقلابه ضدَّ الرئيس التشيليَّ "سيلفادور الليندي" في 11 أيلول ممكناً دون دعم وكالة الاستخبارات الأمريكيَّة، وبشكل عام لعبت الولايات المتَّحدة دوراً فعَّالاً ضدَّ نمو الشيوعيَّة  في أمريكا اللاتينيَّة، عن طريق المساعدات العسكريَّة التي قدَّمتها للجماعات الديكتاتوريَّة، التي وصلت قيمتها إلى 1.5 مليار دولار قُدمت ما بين عام 1961 – 1971. وفي تشيلي تمَّ تنفيذ خططٍ أمريكيَّة اشتملت حملات تشهير إعلامية وتجييش للطبقات الأكثر ثراءً في تشيلي، وأنفقت ميزانية قدِّرت بـ10 مليون دولار من أجل شراء ولاء العسكر والنخب، والقضاء على الحكم الاشتراكي.

لم تكن الولايات المتَّحدة ستسمح بـ"تطاول" "الليندي" على مصالحها في تشيلي أولاً والقارة ثانياً. فقبل أن يصل "الليندي" إلى سدَّة الحكم، تمتع نظام الرئيس "إدواردو فري مونتالبا" بمساندة الولايات المتَّحدة، وكانا مترابطين اقتصادياً، ففي عام 1966 تمَّ إنشاء أوَّل شركة مساهمة تشيلية لإنتاج النحاس برأس مال تشيلي- أمريكي، ولم يؤمم "مونتالبا" المصالح الأجنبيَّة الأمريكيَّة التي ضاعفت دعمها الاقتصادي إلى تشيلي بحيث أصبح نصيبها أكثر ب188 مرة من نصيب باقي دول أمريكا اللاتينية، علاوة على المركز العالي الذي كانت تشيلي تتمتع به بين الدول التي تتلقى دعماً تنموياً عن طريق منظمات الأمم المتَّحدة.

جاءت الثورة الكوبيَّة في العام 1959 لتحدَّ من الهيمنة الأمريكيَّة في أمريكا اللاتينيَّة، التي بدأت بالازدياد منذ القرن التاسع عشر، ولتشكّل نقطة تحوُّل في العلاقات الأمريكيَّة- اللاتينيَّة. فنجاح "كاسترو" في الوصول إلى الحكم، متحدِّياً الفكر الرأسمالي الأمريكيَّ وهيمنته، أثبت للولايات المتَّحدة أنَّ الفكر الشيوعيَّ وما سينجم عنه من سياسات وقرارات اشتراكية، سيحدُّ بقدرٍ كبير من تدخلها، وسيهدِّد مصالحها الاقتصاديَّة والحيويَّة في تلك المنطقة الاستراتيجيَّة، وأنَّ العدوى الشيوعيَّة أو أنَّ "كوبا ثانية" ستنتقل كالدومينو في المنطقة.

وعبَّر الرئيس الأمريكيُّ الأسبق "جون كيندي" عن ذلك قائلاً: "كاسترو هو بداية صعوباتنا في أمريكا اللاتنية. والتَّحدي الأكبر لنا هو منع تأثير "كاسترو" من الانتشار إلى بلدان أخرى". وبناء على ذلك، أعلن "كينيدي" عن برنامج (التحالف من أجل التقدُّم) الذي ينصُّ على تقديم مليار دولار سنوياً لمساعدة "الأنظمة الإصلاحيَّة" في أمريكا اللاتينيَّة، إيماناً منه بأنَّ الفقر يولِّد الثورة- فكوبا الثانية لن تحدث إذا قامت الولايات المتحدة بتنمية أمريكا اللاتينيَّة، والقضاء على الفقر فيها.

وعلى إثر هذا الصعود اليساريِّ في تشيلي أولاً، والبيرو، وبوليفيا، وغواتيمالا، وكولومبيا، وفنزويلا، والأوروغواي المناهض للإمبريالية والأمركة، تمَّ تعيين العديد من المستشارين العسكريين الأمريكيين في داخل القوات العسكريَّة في أمريكا اللاتينيَّة بهدف قمع الحركات الثوريَّة، فبين عام 1950 و1970، دُرِّبَ 54270 أمريكيٌّ لاتينيٌّ ضمن برامج عسكريَّة أمريكيَّة.

وحول وضع تشيلي خاصةً، حاولت الولايات المتَّحدة منع "الليندي" قبل انتخابه من الوصول إلى السلطة. ولكن بعد فشلها بذلك بدأ المسؤولون الأمريكيون يسعون بلا هوادة لزعزعة النظام والإطاحة به وبحكومته، فجلب "الليندي" معه إصلاحات تهدِّد المصلحة الأمريكيَّة في المنطقة، حيث سعى فور تنصيبه للقيام بالعديد من الإصلاحات البنيويَّة للتحوُّل بالبلاد من النظام الرأسمالي واقتصاديات السوق المفتوح إلى النظام الاشتراكيِّ، وذلك لتحقيق العدالة الاجتماعيَّة، حيث كان %28 من الشعب يحصل على أقل من %5 من الدخل القومي للبلاد، بينما يحصل %2  على %46 من إجمالي هذا الدخل؛ ومن ثم عمد "الليندي" إلى إصلاحات هيكلية، تضمَّنت تأميم العديد من الصناعات وإعادة توزيع الأراضي، وذلك لمعادلة ميزان القوى بين النخبة الاقتصاديَّة الرأسماليَّة من جانب والطبقة العاملة من الجانب الآخر. الأمر الذي أغضب النخب الاقتصاديَّة وكبار رجال الأعمال الذين ارتأوا في هذه السياسات الجديدة تهديداً سافراً لامبراطورياتهم الاقتصاديَّة ومراكزهم السياسيَّة داخل البلاد.

من ناحيتها، تضرَّرت الولايات المتَّحدة من تأميم "الليندي" لمناجم النحاس وتهدَّدت أعمالها في النقل والتصنيع، وعبّر "هنري كيسنجر" عن خطورة الأمر قائلاً: "لا أفهم لماذا يجب أن نتنحى جانباً مراقبين دولة تسير في طريق الشيوعية نتيجةً لغياب المسؤولية عند شعبها. فالقضية أكثر أهمية من أن تُترك للناخبين التشيليين ليقرّوا بها بأنفسهم". وهذا ما يوضِّح أنَّه غالباً ما تكون النخب في دول العالم الثالث ذات مصالح مترابطة ومتشابكة مع النظام الرأسماليِّ العالميِّ ومع القطب الأوحد المهيمن على هذا النظام – الولايات المتَّحدة-، وتُستخدم، كما استخدمت في تشيلي كأدوات قمع لمنع حدوث أي تغيير.