الحركة الطلابيّة والسؤال النقابيّ الغائب

٠٦ آذار ٢٠١٨

تدور في الآونة الأخيرة نقاشات حول أداء كتلة الوفاء الإسلاميَّة في جامعة بيرزيت، ومع استخدامنا مصطلح "نقاشات"، إلا أنَّنا نُدرك أنّ ما يحدث أقرب إلى مزاودات وتجريح بين أطراف الحركة الطلابيّة. تأتي هذه النقاشات كمحاولة للتّعبير عن تساؤل مشروع حول أداء مجلس الطلبة بقيادة الكتلة الإسلاميَّة في الدورات الأخيرة، وتحديداً مع اقتراب فترة الانتخابات للعام الحاليّ.

إذا استطاعت الكتلة الإسلاميّة حسم المجلس للسنة الرابعة على التوالي هذا العام، يكون قد تخرَّج جيلٌ من الطلبة لم يروا غيرها في رئاسة المجلس -وأستثني من هذا الجيل نفسي وبعض الطلبة المعمِّرين في الجامعة-. صحيح أنّنا مثابرون ويبدو أنَّنا لن نتخرّج، إلا أنَّ الأمور ورغم تقلّب أوجه رئاسة المجلس في سنوات دراستنا تسير بنحو متوقَّع؛ فشهدنا في هذه السنوات صرف مبالغ كبيرة من الأموال، وعدداً لانهائيّاً من الأنشطة الخدماتيّة- وهذه طاقات يُثمّن عليها مجلس الطلبة- إلا أنَّنا لم نر وللأسف خطّة عمل نقابيَّة نضاليَّة أو برنامجاً نقابيَّاً واضحاً أو حتّى رؤية عامّة، والأدهى من ذلك يُكمن في إعادة تعريف دور الحركة الطلّابيّة، وأيضاً في وضع سقفٍ لممكناتها.

فمثلاً، نظَّم القطبُ الطلابيّ نشاطاً ثقافيَّاً بعنوان "مش كوبون" في ذات الوقت الذي كانت فيه الكتلة الإسلاميّة توزّع كوبونات الطعام على الطلبة،  لمحاولة فهم الأسباب الحقيقيَّة لارتفاع أسعار الكافتيريات، وطرح ضرورة التخلّص من خصخصة المرافق الجامعيَّة وإرجاع هذه الملكيَّة للطلبة، كمنتفعين وحيدين من أرباحها كما كان الحال في السابق. تبيّن من خلال النقاش أنَّ المشكلة ليست بعدم فهم الطلبة ضرورة رفض وإنهاء الخصخصة، بل بعدم مقدرة الطلبة على تَخيّل أنَّ هذا ممكن أو أنَّه كان ممكناً، إذاً أدَّت حالة الإغراق الكامل للجامعة في العمل الخدماتي إلى إعادة تعريف حدود الحلم والممكن.

نستحضر-في هذا السّياق-  كتاب "الإنسان ذو البعد الواحد"، حيث يقول هربرت مركوزه "إنَّ وسائل النقل والتوصيل الضخمة، وسلع السكن والأكل واللباس، والإنتاج الذي لا يمكن مقاومته لصناعة الترفيه والإعلام، تحمل معها مواقف وعادات مفروضة، واستجابات عقليّة وعاطفيّة، تربط المستهلكين على نحوٍ بهيجٍ إلى هذه الدرجة أو تلك بالمنتجين...، إن المنتجات تلقِّن وتتلاعب، وهي تروّج وعيَّاً زائفاً محصّناً ضدَّ زيفها".

 

تقوم فكرة جي كونراد ليفنسون "غوريلا ماركتينج" في التسويق على خلق طرق تسويق إبداعيّة وغير تقليديّة، يقول إنّه استلهمها من أساليب حرب العصابات، فوجود عدد محدود من المقاتلين يحملون مسؤوليّة حسم المعركة، يحتّم استخدام استراتيجيّات قتاليّة بأسلحة بسيطة. ومن هنا خلق ليفنسون طرق التسويق غير التقليديّة التي اعتمدتها شركة كوكا كولا في خلق دعايات عفويّة ومؤثّرة.

أي بينما يكون متوقّعاً استخدام شركة كوكا كولا لمثل هذا النمط من التسويق، يبدو غريباً ومؤسفاً اعتماده من إطار طلّابي كالكتلة الإسلاميّة وغيرها؛ فمن منّا لم ير منشور الكتلة الإسلاميّة بعد حفل الانطلاقة "ضع تعليق جميل على الصورة وخذ كرت بخمسين شيكل"، أو حلوى"السنكرز" المختوم على ظهرها الكتلة الإسلاميّة تنتظرك قبل الامتحان في القاعة. والتركيز هنا على الكتلة الإسلاميّة بالتحديد كونها الأكثر قدرة على تسويق نفسها رغم تعدّد الأمثلة من مواقع مختلفة وبجودة أقل.

عودة إلى ليفنسون، تقوم نظريّته-كغيرها من نظريّات التسويق- على فصلٍ كامل بين عمليّة الإنتاج والاستهلاك، وبين المنتجين والمستهلكين، إضافة إلى خلق صورة متخيَّلة وورديّة عن عمليّة الإنتاج. يساعد هذا الفصل في تشويه هذه العمليّة المأساويّة في الغالب؛ فشركة نايك مثلاً لا يمكنها إظهار شكل المصنع أو استغلال العمّال والعاملات في فيتنام أو الصين، ولذلك يتم توجيه تفكير المستهلك نحو الحذاء نفسه أو الرياضي الذي ينتعل الحذاء، وليس العمليَّة الإنتاجية كلها.

الأمر ذاته في العمليّة الإنتاجيّة للأنشطة الطلابيّة، فهناك نخبة معيّنة من الطلبة تنتج الأنشطة وتتعامل مع الطلبة كمستهلك لهذا النشاط أو ذاك، ويتم تصوير عمليّة الإنتاج على أنّها عمليّة صعبة جداً. فإذا قمنا بتوزيع بطّيخ وعنب تحت شعار "فرفش صيفك" نصبح "ذراع طلابي لحزب مقاتل" وبالتالي هناك "نخب لا تنام الليل هدفها حماية الطلبة وخدمتهم".

يُكمن المأزق الحقيقي في خلق الهالة بين مجلس الطلبة والطلبة نفسهم، بالأساس بفصل منتجين الأنشطة عن الطلبة، ورفع شعار مثل "خدمة الطالب". المقصود هنا بالتحديد هي العمليّة السائدة الآن والتي تعامل الطلبة كمستقبل سلبي لخدمات الحركة الطلابيّة، فيصبح هناك طلبة وحركة طلابية؛ الطلبة يريدون أكبر قدر من الخدمات، والحركة الطلّابيّة تريد أكبر قدر من الأصوات.

 

تظهر سلبيات هذه العقليّة في بداية أيّ نضال نقابي، ففي الفصل الدراسي الأوّل من العام المنصرم ومع بداية الإضراب الطلابيّ، تفاجأت الحركة الطلابيّة بأن عدد الطلبة المشاركين في الإضراب لا يتجاوز الـ 100 طالبة وطالب، وبقيّة الطلبة ما هم سوى جماهير تنتظر في المنازل فتح الجامعة بأيّ شرط كان. هذا مثالاً لنظرة الطلبة للحركة الطلابيّة، على اعتبارها موظّفون يعملون لديهم حتّى يقومون "بخدمتهم"، وفي حال وجود أيّ نضال نقابيّ قادم، لن يستطيع الطلبة أن يكونوا جزءاً من العمليّة النضاليّة، فالمكرَّس في وعيهم أنّ غيرهم سيقوم بهذا النضال.

ما إن بقي العمل الخدماتيّ يُهيمن على أشكال النضال والعمل الأخرى، لن نستطيع أن نعي سبب الأزمة الماليّة وآليّات حلّها، فيتحوّل النضال النقابيّ إلى حدث موسمي طارئ، متمثّل بإغلاق الجامعة شهر كل ثلاث سنوات. ليس الاعتراض هنا على إغلاق الجامعة كحالة احتجاجيّة، وإنَّما ضدَّ أن يكون الشكل الأوحد لحلّ الأزمة الماليَّة التي لم تنته بعد الإغلاق، فحلّها يستوجب نضال (ثقافي، واقتصادي، وسياسي) يوميّ على مدى أعوام.  

ليس الهدف الدعوة إلى سحب الثقة من الحركة الطلابيّة أو العمليّة الانتخابيّة، فالحركة الطلّابيّة هي القادرة على حمل الهبّات، وتأجيج حالة الانتفاض، والتوجّه لنقاط التماس، وأفرادها أيضاً مهدَّدين بالاعتقال، ومكاتبها مهدّدة بالتكسير والاقتحام. لكنّ علينا ألّا نغفل عن تقديم نقد بنّاء لدعم الحركة الطلّابيّة ومساندتها، فهي أملنا الأخير والحقيقي في بناء البرامج النقابيَّة النضاليَّة لتحسين جودة التعليم وتقليل تكاليفه والعمل على مضامين تعليميّة تنهض بالمشروع الثقافيّ الوطنيّ الذي نطمح إليه.