الحق في الصحة تنهشه الخصخصة

١٧ آب ٢٠١٧

لا يوجد حتى الآن قانون خاص بالتأمين الصحيّ في الضفة الغربيَّة وقطاع غزَّة، بل يتم العمل ببعض النظم والإجراءات العامة التي تمَّ التعارف عليها مع مرور الوقت، وتم استثناء التأمين الصحيّ من ما يُعرف بقانون الضمان الاجتماعيّ.  

لعب التدخل الخارجيّ من المانحين الغربيّين والبنك الدوليّ دوراً أساسيَّاً في كتم قانون التأمينات الاجتماعيَّة الذي كان قيد الصدور قبل سنوات من التفكير بقانون للضمان الاجتماعيّ، وذلك بحجَّة التكلفة العالية لتطبيقه، الأمر الذي من شأنه أن يثير الشكوك حول الأهداف الكامنة وراء إصدار قانون الضمان الاجتماعيّ الذي تعاملت معه مؤسَّسات المجتمع المدنيّ كمكتسب قابلٍ للتعديل، وليس كقانون نيو- ليبراليّ يعزِّز من عمليَّة جباية الريع لحكومة تعتاش عليه.

وهنا لا بدَّ من التذكير أنَّ العهد الدوليّ للحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة يؤكِّد على حقِّ الصحة وحق التمتع بتأمين صحيّ للمواطنين، لكن هذا العهد يبقى ناقصاً إذ يكمل أنَّ الدول الملتزمة بهذا العقد تستطيع توفيره حسب إمكاناتها، دون أن يضع حداً أدنى واضحاً يمكن اعتماده كأمر ملزم لكافة الدول الموقعة على هذا العهد.

رغم الحديث المتكرِّر من قبل باحثين ومسؤولين رسميين عن التكلفة العالية للتحويلات العلاجيَّة إلى الخارج، إلّا أنَّ ذلك لم يدفع الجهات الرسميَّة في السلطة الفلسطينيَّة إلى بناء سياسة صحيَّة عادلة ومتوازنة. وفي نفس الوقت، خصَّصت السلطة نسباً ضئيلة وثابتة من موازنتها لهذا القطاع، عدا عن المديونيَّة العالية التي تقع على كاهلها للقطاع الطبيّ الخاص والأهليّ، بينما كان من الأجدر أن تلتزم بتطوير المؤسَّسات الصحيَّة القائمة، من مستشفيات ومستوصفات وعيادات. وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى ضعف البنية الأساسيَّة للقطاع الصحيّ الحكوميّ لاسيَّما على صعيد المرافق، والتجهيزات، والكوادر الطبيَّة، الأمر الذي ينعكس على جودة الخدمات الطبيَّة العامة، وضحايا الإهمال والأخطاء الطبيَّة هي خير مثال على ذلك، والتي لم يجرِ على إثرها أيّ مسائلة أو محاسبة للمسؤولين بقدر ما جرى "الطبطبة" عليها.

لا يبرِّئ كل ما سبق القطاع الطبيّ الخاص الذي ينتعش في ظلِّ تقلُّص الخدمات الصحيَّة الحكوميَّة، فهو يتبع السوق، وما دام القطاع العام يعاني من تخلُّف وضعف، فالقطاع الخاص لا يجهد نفسه بتقديم خدمات متميِّزة، بل يتوافق مع أوضاع السوق على نحو تجاريّ، فمثلاً تم مؤخراً إغلاق مستشفى خاص لأنَّه لا يتفق مع المعايير الطبيَّة والصحيَّة المعتمدة، كما ارتكبت بعض المستشفيات والعيادات الخاصة أخطاء طبيَّة ناتجة عن توجهها نحو تعظيم الأرباح وتقليل التكلفة على حساب نوعيَّة الخدمة المقدَّمة.

يدفعنا هذا إلى قراءة أشكال التأمين الصحيّ القائم في الضفة الغربيَّة وقطاع غزة؛ الشكل الأول وهو "التأمين الصحيّ الحكوميّ"، وهو ملزم لكافة موظفي القطاع العام، وتخصم رسومه من رواتبهم رغم كونه غير فاعل وغير قادر على تلبية احتياجاتهم. أما الشكل الثاني فهو التأمين الصحيّ الذي توفره شركات التأمين العاديَّة غير المتخصِّصة بالتأمين الصحيّ، وهي لا تخضع لنظام أو قانون يلزمها بشروط التعاقد الصحيّ، فكلّ شركة تعرض عقدها الخاص وشروطها الخاصة بالتأمين، كما أنَّها ترفض تقديم خدمات للمسنين فوق 60 عاماً، أو من يعانون من أمراض مزمنة، عدا عن أنَّ خدماتها لا تغطي كافة جوانب الحق في الصحة، الأمر الذي يجعل من التأمين الخاص مشروعاً ربحيَّاً على حساب صحة المواطنين.

إذاً، تقتضي الحاجة إلى سنّ قانون عصريّ وعادل للتأمين الصحيّ، لا بل يجب أن يلزم القانون كلّ مواطن بالاشتراك فيه، وأن تتوزع تكلفة التأمين على المواطنين حسب دخلهم، فيما تُترك عمليَّة تنظيم تقديم الخدمات للمتخصصين في الصحة لا لشركات تجاريَّة خاصة، كما يجب أن تخضع مؤسسات التأمين الصحي لرقابة على جودة الأداء من قبل الحكومة.

لكنَّ الواقع عكس ذلك تماماً، فتميل السلطة الفلسطينيَّة نحو خصخصة قطاع الخدمات الطبيَّة الثانويَّة؛ أي المستشفيات التي تمتلك بنية مؤسسيَّة متهالكة، وضعيفة، وغير جاذبة للخبرات، وتعفي نفسها من ابتعاث الكوادر لتعميق معارفهم وتحديثها، كما أنَّها لا تُجهد نفسها في توفير التجهيزات اللازمة للمرافق الصحيَّة، في الوقت الذي تقوم فيه بتحويل عدد هائل من المرضى إلى مستشفيات دولة الاحتلال أو في الخارج، وهذا أمرٌ مكلف.

ومن جهة أخرى يستثمر صندوق الاستثمار الفلسطيني، وهو مؤسسة عامة تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينيَّة، في القطاع الصحيّ الخاص، وهذا يعني أنَّ القطاع العام بات شريكاً للقطاع الخاص في التجارة بصحة المواطنين، إلّا إذا كان افتراضنا بأنَّ الحكومة تريد أن تتخلّى عن تقديم الخدمات الصحيَّة تماماً كما تخلت عن دعم التعليم العالي ومؤسساته.

ولكي تكون الخصخصة ناجحة، يُفترض أن يكون مشتري الخدمة قادراً على الدفع أو مؤمَّناً صحيَّاً، ويُفترض أيضاً أن يكون مستوى الدخل قادراً على مجاراة جشع القطاع الخاص ونزعته نحو تحقيق أعلى الأرباح، وهذا غير متوفر في مجتمع استطاع بعد مساومات طويلة وصعبة مع القطاع الخاص أن يصل إلى حدٍّ أدنى للأجور، دون تحديد سقفٍ أعلى لأجور القطاع العام، ودون وجود ضرائب تصاعديَّة، الأمر الذي أدَّى إلى انخفاض متوسط الأجور مع الحفاظ على ارتفاع أسعار الخدمات الصحيَّة وغيرها.

إنَّ ذلك كلّه يدفع نحو تصعيد النضال الاجتماعيّ الديمقراطيّ تحت شعار "الصحة العادلة للجميع"، وهذا يتطلب بناء مجموعات الضغط والتحشيد، لا لإصلاح النظام القائم بل لنسفه وبناء نظام صحيّ عصريّ يمنح الحق في الحصول على الرعاية الصحيَّة اللائقة بشكل عادل ومتوازن، إلى جانب السعي نحو إعادة بناء مرافق القطاع الصحيّ العام من جديد، ورفض أيّ توجه للخصخصة في هذا القطاع.