الحكومات الفلسطينيَّة: وصفات مُعدّة سلفاً

١٢ شباط ٢٠١٩

لا يكفي نص واحد لتحليل سياسات الحكومات المتعاقبة في فترة قصيرة نسبيَّاً لكنَّها مُكثَّفة على صعيد التغيرات البنيويَّة التي تسببت بإعادة تشكيل القوى السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة في الساحة الفلسطينيَّة، ولكن سيكتفي النص بتسليط الضوء على كيفيَّة نجاح حكومات التكنوقراط بعد انتفاضة الأقصى في كونها أدوات تمَّ من خلالها تمرير سياسات معدة سلفاً والاستغناء عنها فور نفاذ أوراقها.

 

مرحلة جديدة

عام 2007، حُلّت حكومة "الوحدة الوطنيَّة" وانفصلت الضفة الغربيَّة عن قطاع غزة. وتم تشكيل حكومة الطوارئ من شخصيات وصفت بالمستقلة. مرحلة جديدة وشخوص جديدة سيتصدرها شخصان تم الزج بهما عنوةً في وقتٍ مضى من الأطراف الدوليَّة ليأخذا مكانيهما في المشهد القريب من ياسر عرفات خلال سنواته الأخيرة، فنُصّب محمود عباس رئيساً للوزراء وسلام فياض وزيراً للماليَّة.

لنعد إلى 2007: عباس رئيساً للسلطة وفيّاض رئيساً للوزراء، وبرغم الشرعيَّة المنقوصة والتي اقتصرت على الضفة الغربية، إلا أنَّه سرعان ما قامت الحكومة الجديدة بإعادة صياغة القوانين الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والأمنيَّة، بحيث تجاوزت في السنة الأولى من تنصيبها أكثر من 400 مرسوم يتعلق بنواحي الحياة المختلفة، وبدأ المجتمع الدوليّ والحكومة الأمريكيَّة بكيل الرضا والمديح وظهرت ادعاءاتٍ متصاعدة بأنَّ الساحة الفلسطينيَّة تشهد تنمية غير مسبوقة. استغل فياض بذلك عودة الأموال والمنح المجمَّدة بعد انتخابات العام 2006 للتباهي بفقاعة الانفراج الاقتصادي والتنمية المتسارعة، ولكن لم يلبث هذا الحال كثيراً حتى تفشت حمّى البنك الدولي وما تبعها من تفكيك للعديد من الأجسام والمؤسَّسات، وتسريح وتقنين النفقات، ورفع ضريبة القيمة المضافة، وتفكيك قوة حركة فتح كتنظيم، وإعادة ترتيب الأدوار والنفوذ داخل المؤسسات الأمنيَّة والسياديَّة، وبدا جليّاً أنَّ فياض يتعامل مع منصبه كموظَّف في البنك الدولي لا كرئيس وزراء، وكان ناجحاً في تحقيق شروط المؤسَّسات الدوليَّة والمانحين.

وبالرغم من توافقه وانسجامه تماماً مع الخط السياسيّ لرئيس السلطة في خلق ظروف السلام الاقتصاديّ وتجفيف منابع المقاومة وتبني وصفات الإدارة الأمريكيَّة، إلا إنَّ ضغوط وسُخط الشارع على سياسات التجويع التي بدأ الناس يقطفون آثارها، والتي تبعتها حملة تحريض عنيفة من المجلس الثوري ضد فياض كانعكاس لحالة الاحتقان في الشارع، إضافة لسياسة التهميش التي طالت فتح، أجبرت الرئيس أخيراً على إنهاء دور رئيس الحكومة وتسجيل نقطة لفتح وللسلطة بأنَّها انحازت للمطالب الشعبيَّة بإسقاط شخص سلام فياض لكن لا بإسقاط نهجه.

 

حكومة لإنهاء الانقسام أم لإدارته؟

عام 2014 اتفقت الأطراف الفلسطينية على تسمية رامي الحمد الله رئيسا لحكومة التوافق وتم تحديد مهامها بالتالي: توحيد المؤسَّسات المدنيَّة والأمنيَّة، وإعادة إعمار غزة، وإنجاز ملف المصالحة، وتحديد موعد الانتخابات. وما حدث فعلياً هو تعزيز انقسام المؤسَّسة الفلسطينيَّة، وإحكام الحصار على القطاع من قبل السلطة، وتدهور ملف المصالحة، ومؤخراً حل المجلس التشريعي بقرار غير قانونيّ يندرج تحت بند "ليّ الذراع". لم يُحدث الحمد الله أي تغيير جذري في الحالة الاقتصاديَّة أو الاجتماعيَّة، بل التزم بدرب سلفه -وهو الذي لا يملك خياراً سوى الالتزام به-؛ فمثلاً ذكر الحمد الله مؤخراً أنَّ الصادرات الفلسطينيَّة وصلت لأعلى رقم في العام المنصرم، ولكن تجاهل أن يذكر بأن 88% من هذه الصادرات تذهب للسوق الإسرائيليَّة فقط والـ12% المتبقية تتوزع على أرجاء العالم، كما وصل العجز المالي إلى 4.788 مليار دولار.
وبالحديث عن البصمة التي خلّفها الحمد الله، فقد شهدنا الخليط الفريد بالحديث عن دولة المؤسَّسات وعلى الأرض نجد تغوّل الأجهزة الأمنيَّة واستخدامها كأدوات قمعيَّة تجاه العديد من الحراكات الشعبيَّة وتقييد الحريّات العامة، وبخاصة السياسيَّة. أدّى كلّ ذلك إلى إعادة هيكلة مؤسَّسات السلطة بما يضمن بقاء ثقل وسطوة الحمد الله حتى بعد رحيله. هيئات تم ابتداعها ومناصب استُحدثت، وهيكليَّات جديدة على مقاسات جاهزة، هي أبعد ما تكون عن ما نادى به الحمد الله.

تتكرر السيناريوهات وتُحرق الأوراق، وها هي السلطة تتخلى عن رامي الحمد الله وحكومته بعد موجة الاحتجاجات على قانون الضمان الاجتماعيّ، ليظهر الرئيس مرة أخرى ومعه اللجنة المركزيَّة بدور المخلّصين لعموم الشعب بإنهاء أعمال الحكومة وتجميد العمل بقانون الضمان الاجتماعي إلى أجلٍ غير مسمّى.

 

ما الجديد المرتقب؟

لا جديد في المضمون ولا في الركائز، وهذه الجملة هي من المسلَّمات ما دامت الحكومة تعمل كوسيط لتنفيذ بروتوكولات أوسلو ولا تباشر عملها إلا بضمان أخذ الرضا الأمريكيّ والإسرائيليّ.

لكن ما سيختلف هذه المرة هو إصرار السلطة على ضرورة أن يكون رئيس الوزراء هو شخصيَّة فتحاويَّة، وذلك ما صرَّح به عدد من شخصيات الحركة. وهذا يفتح الباب للخيارات والأسئلة الحاسمة: هل هذا يعني سطوةً وقدرةً أكبر على فرض أجندات وسياسات عجزت عنها الحكومات السابقة، أم فرصة فتح لأخذ دور إيجابي يرمم جزءًا من صورتها أمام الجماهير ويعمل على إنجاز ملفات مهمة كحصار غزة مثلاً.

ورغم أهميَّة المرحلة القادمة للسلطة لتحاول إعادة الثقة الشعبيَّة بها، إلا أنَّ الخيارات جميعها تبقى مفتوحة بدءاً بتشكيل الحكومة الفصائليَّة المرتقبة، وانتهاء بإعطاء الحمد الله فرصة جديدة بعد امتصاص غضب الشارع.