الخبز المتعفن والوردة الباقية

١٠ آذار ٢٠١٩

امرأة بلا هويّة، تحمل معها شظايا ثقافاتٍ وتراكماتٍ تاريخيّة لموقِعِها وظروفِها، بإعادة صياغة أفضل، تحمل المرأة هذه الشظايا وتبتلعها بداخلها في الوقت نفسه، فكانت المرأة في تعريفات الفلاسفة والمنظِّرين وعاء جنسيّاً للرجل، ومع تطوِّر مفهوم الوعاء، أقصد مفهوم المرأة، أصبحت المرأة وعاءً للثقافة. ولكن، كيف تُعرَّف المرأة الفلسطينيَّة في إطار ظروفها وثقافتها؟ ماذا يعني يوم المرأة لها؟، وهل يوم المرأة يشملها أم أنَّها ضمن قوانين الاستثناء التي فرضت منذ الأزل على فلسطين.

يظَلُّ تعبير النساء عن اختلافهنّ مُرتبطاً بالرجل، الرجل الّذي اكتسب معاييره من الدين والقانون، والثقافة المجتمعيّة، ولهذا نرى أنَّ محاولة إبراز اختلاف المرأة يكون في غالب الأحيان شكليّ وخارجيّ: الملامح الجسديَّة، والمكتسبات الثقافيَّة الأكثر تحرراً - ولو بقليل -  من ضيق أفق المجتمع، أو بإبراز اختلافها الأكثر جدلًا، بأن تكون امرأة قويّة مستقلَّة متحرِّرة، كتعبير عن خروجها على سلطة "تقرير المصير" الّتي فرضها الرجل بحكم السلطة الّتي اكتسبها من تعريف أدواره داخل المجتمع.

إنَّ محاولة تعريف دور المرأة بما يفرضه المنطق أعلاه، يطرح العديد من التساؤلات؛ ما موقع المرأة في ظل غياب الرجل؟ ومن هي المرأة الفلسطينية في هذا العالم؟ هل هي المرأة صاحبة السلطة؟ أم هي المرأة الضعيفة؟ أم هل هي المرأة المستقلّة والمنتجة والقادرة على تحديد هويّة خاصّة تمكِّنها من الاستمرار؟

بدأت هذه الجدالات والأسئلة منذ طفولتي، وأنا أحاول التفكير في يوم الثامن من آذار، كنت بطبيعة المرحلة العمريَّة أفكر في أمرين؛ الأول: أن أحمل لأُمي وردة حمراء أو بيضاء حتى لا أخسر يوماً أو فرصة للتعبير لأمي عن حبي لها وإيماني بها، والثاني: ماذا حدث للمرأ ة في هذا التاريخ بالذات؟ لماذا هذا اليوم؟

نتيجة للنظام الاقتصادي الريعي "غير المنتج" الذي فرض علينا، أصبحنا نهتم بالنتيجة لا الحدث، نفرح بالاحتفالات حتى لو لم تكن نتاجنا ونشاركها، وتصبح تواريخ وطنيّة، ونُجبِر النساء على المشاركة فيها، "هذا يوم لكِ يجب أن تفرحي!"، وجوب الفرح ومشاركة المجتمع بالفرح في يوم فُرض علينا ولنا. أثناء بحثي عبر الشبكة العنكبوتية في رمزية هذا اليوم، جاء هذا اليوم نتيجة تراكم ما بُني على نضالات نساء أمريكيَّات طالبن بتحسين ظروف عملهنّ، وإعطائهنّ الأجر المناسب للإنتاج في عام 1856 وعام 1908، فهنَّ من صنعن النصر، والأولى أن نمجِّد من رأين أنَّ الوضع الاقتصادي هو المفتاح الذي يدخلن به إلى المجتمع كنساء قادرات.

كل هذا ونحن نتحدث عن دولة رأسماليَّة، أما في الحديث عن فلسطين كدولة هجينة، ترزح تحت الاستعمار، وتتبنى النيوليبراليّة الاقتصاديّة، وذات طابع ثقافيّ ودينيّ محافظ (باستثناء ما يحدث من تحت الطاولة)، ولا أستطيع حصر المركّبات المعقَّدة الأخرى التي يمكن النظر من خلالها للواقع الفلسطيني، فالمرأة الفلسطينيَّة كعاملة (وهذا الوضع مشابه لوضع النساء في جميع أنحاء العالم) تأخذ أجراً لا يوازي انتاجيتها، وللسخرية تأخذ هذا الراتب الذي رفض الرجل العمل ذاته لتدني راتبه!

هذا وضع المرأة المجتمعي، دون إضافة ممارسات الاستعمار، والاستدلال بعدد ونوعية الأسيرات الفلسطينيّات اللواتي اعتقلنّ بسبب المقاومة (واللواتي يُعتبرن –من وجهة نظر الممولين الذين سنذكرهم لاحقاً- عنيفات لممارستهنّ أي فعل للمقاومة) أو لخطأ مطبعي، ودون الحديث عن الشهيدات اللواتي رحلنّ لذات الأسباب، ولا عن المُهجَّرات ولا الفقيرات بفعل قطع سُبل الحياة وأدواتها، لأنَّ الاستعمار هو فعل على الكل الفلسطيني، فهو ليس استعمار جندري، ولا يهتم بهذا البعد على الإطلاق، والسير وراء خطاب وضع المرأة في المجتمع الفلسطينيّ وحقوقها أمام الرجال وفصل ذلك عن السياق الاستعماري ليس فصلًا لصالحنا كفلسطينيين أولًا وكنساء خاصةً.

عودة للثامن من آذار، لا يمكنني نفي حالات النجاح المجتمعيَّة والعالميَّة التي خاضتها المرأة وسطّرت بها اسمها، ولكن هذه حالات فرديَّة لا تعمم، ولا تعكس بنية كاملة، إنها تعبر عن ظروف تم التحكم بها بشكل فردي لإنتاج هذه النماذج.

الخبز والورود كانا شعار مرحلة لإنهاء ظلم اقتصاديّ لمرحلة معينة، لقد تعفَّن الخبز وما زالت الورود تنمو، ولكنها الورود التي توضع على أضرحة الموتى، توضع في الأعراس، هي قيمة رمزيَّة مجتمعيَّة لا علاقة لها بالميت أو العريسين، إنها قيمة اجتماعيَّة بحتة، كما الشعارات التي ملأت شوارع الضفة "لأني رجل احترم خياراتها، لأني رجل لا أضربها"! والمثير للسخرية والاستفزاز هو بقاء هذه الشعارات لفترات طويلة دون ملاحظة أو تغيير، والمهين أكثر أن هذه الحملة وغيرها هي بتمويل خارجي يهدف إلى "تنمية" و"تحرير" المرأة الفلسطينيَّة الواقعة تحت عنف الرجل الفلسطيني فقط، دون ذكر بالطبع لأي استعمار يوقع على النساء والرجال والأطفال الفلسطينيين بشكل يومي شتى أشكال العنف والاستغلال والسلب، وذلك لترسيخ فكرة أنَّ الرجل الفلسطيني بطبعه عنيف، وبالتالي فأيّ فعل مقاوم للاستعمار سيعتبر عنفاً أيضاً سواء أكان ذلك من الرجال أو من النساء.