الدعوة لاجتماع المجلس الوطنيّ: توجّه بائس لتأكيد خيار سياسيّ بائس

٢٣ نيسان ٢٠١٨

يتم التحضير لانعقاد دورة جديدة للمجلس الوطنيّ بعد غياب دام 22 عاماً! لا يستغرب أحد هذا فتلك سمة هيكل منظمة التحرير الرئيس (المجلس الوطني)؛ يغيَّب ويغيب إلا إن استدعت الحاجة توقيعه الشكليّ على سياسات تم اعتمادها أصلاً من القيادة الفتحاويَّة المهيمنة. ولنا أن نتوقع حال عضويَّته؛ فمن مجموع 676 عضو توفي 75 منذ فترة، والعشرات من أعضائه إما أقعدهم المرض أو غيَّبوا أنفسهم عن أي نشاط سياسيّ وطنيّ! تلك هي منظمة التحرير وهيكلها الرئيس المجلس الوطنيّ.

ما الذي استجد ليستدعي تلك الدعوة؟ علَّمتنا التجربة أنَّ وراء تلك الدعوة عادة ما وراؤها. ففي العام 1996 دعا أبو عمار لعقد المجلس الوطنيّ وأضاف حينها أكثر من 200 عضو لعضويَّته لسبب واحد: المصادقة على ما تم توقيعه من خلف ظهر اللجنة المركزيَّة لفتح واللجنة التنفيذيَّة للمنظمة ونعني اتفاق أوسلو، كما شطب الميثاق الوطني كتعهد فرضه على نفسه أمام رابين! فماذا يريد أبو مازن وقيادته هذه المرة من دعوة المجلس؟

يمكن نقاش هذه الدعوة من زاويتين. الأولى هي زاوية المطلب الوطنيّ الشعبيّ بإعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطيَّة لتصبح فعلاً هيكلاً جبهويَّاً موحداً فاعلاً يضم كل الطاقات والقوى والفعاليات الوطنيَّة الفلسطينيَّة، وهذا يتطلب الدعوة لاجتماع وطنيّ عام تشارك به حماس والجهاد لترتيب الدعوة والتحضير للانعقاد، وعلى الأقل، انعقاد اللجنة التحضيريَّة التي اتُّفق على تشكيلها في اجتماع بيروت لتنظيم انعقاد المجلس. ومن القضايا الخلافيَّة أيضاً هو مكان انعقاد المؤتمر؛ فأبو مازن يصر على انعقاده في رام الله ما يعني استثناء حضور عدد كبير من أعضائه من المقيمين في الخارج إلا مَنْ رضي الاحتلال عنه وعن مواقفه، وطبعاً عبر التنسيق الأمني -والأصح التعاون الأمني- فلنا أن نتخيل ما يمكن أن يصدر عن مجلس يريد أن يرسم سياسة مناهضة للاحتلال وصفقة ترامب المسماة "صفقة القرن" في المرحلة المقبلة وهكذا تبدو ترتيبات انعقاده! في الواقع ما تمَّ هو التالي: اتخذت قيادة فتح القرار وحدَّدت الموعد وشرعت بالترتيبات لعقده في رام الله! رفضت بعض التنظيمات حتى اللحظة الحضور وفق تلك الترتيبات وهي حماس والجهاد والجبهة الشعبيَّة فيما لم تتخذ الجبهة الديمقراطيَّة وحزب الشعب موقفاً قطعيَّاً حتى اللحظة مع أنه يُسمع هنا وهناك تصريحات تنبئ بالمقاطعة. وعليه يمكن الاستنتاج دون عناء أنَّ الدعوة ليست سوى إعادة إنتاج ذات الهيكل الجاهز (للبصم) على سياسات معدَّة سابقاً دون أن يقوم بدوره التشريعيّ المطلوب، فقط مع تغيير بعض الوجوه في اللجنة التنفيذيَّة التي يشاع أنَّ هناك نيَّة لتغييرها!

أما الزاوية الثانية فهي زاوية متطلَّبات التصدي للموقف الأمريكيّ بعد إعلان ترامب القدس عاصمة للكيان، والحديث عن المخطَّط التصفوي (صفقة القرن)، وما عناه ذلك من انفلات غير مسبوق للكيان الصهيونيّ في ممارساته العنصريَّة وعنجهيَّة مواقفه وتصريحاته وتوجّهاته. ولكن المكتوب يُقرأ من عنوانه، والعنوان هو سلوك قيادة المنظمة منذ ما بعد إعلان ترامب حتى اليوم. فتلك القيادة وإن رفضت إعلان ترامب إلا أنَّها ما زالت تطوف بلدان العالم بحثاً عن (راعٍ) جديد للتفاوض مع الصهاينة، وأعلنت صراحة تمسكها بنهج التفاوض الذي جلب الويلات على النضال الفلسطينيّ منذ 25 عاماً وهي عمر اتفاق أوسلو. فخيارها ليس المقاومة بل التفاوض وإن موَّهت رفضها الضمنيّ للمقاومة بمصطلح مخادع يسمونه المقاومة الشعبيَّة، والتي يراد لها أن تكون بديلاً لنهج المقاومة فعلاً، وحتى إن تجاوزت تلك المقاومة الشعبيَّة (حدودها) فيمكن ببساطة احتوائها وتطويعها وهذا ما قاله صراحة عزام الأحمد بأنَّ ما يجري من فعاليات، وتظاهرات، واشتباكات شعبيَّة عند نقاط التماس، مُتحكَّم بها!

على المستوى الإقليمي، تبلور محوران بشكل علنيّ: محور المقاومة (إيران، وسوريا، وحزب الله، وفصائل المقاومة الفلسطينيَّة) والمحور الأمريكيّ، الصهيونيّ، الرجعيّ العربيّ وقوامه الإمبرياليَّة الأمريكيَّة والكيان الصهيونيّ والسعوديَّة، وتحت إبط الأخيرة (محطات الكاز) في الخليج (الإمارات والبحرين). أيَّة محاولة للَّعب بين هذين المحورين هي عملية بهلوانيَّة لن يتسع لها أي تصاعد محتمل، واحتماليته عالية بالمناسبة، للاشتباك بين المحورين. وهنا ينتصب السؤال: أين يجب أن تقف قيادة المنظمة؟ مع المحور الأول أم الثاني؟ هي بعيدة بعد السماء عن الأرض عن المحور الأول (المقاومة)، ولم تتخذ موقفا علنياً مناهضاً للمحور الثاني (الرجعي) مع أنَّ تآمره علنيّ ومكشوف، بل تحتفظ بعلاقات وثيقة مع السعوديَّة، وتنسيق مع الصهاينة، وإعلان أنَّ أمريكا يمكن لها أن تكون طرفاً في أيَّة عمليَّة تفاوضيَّة دون أن تكون راعٍ لوحدها! هي قيادة تبتعد عن كونها لاعبة بين المحورين وتكاد تلتحق بالمحور الثاني، ولكن معضلتها هي أنَّ هذا المحور وصفقة القرن التي يعدّ لها، وقبلها إعلان ترامب، لا يعطيها أي شيء يذكر! فأيّ بؤس تعيشه تلك القيادة؟ وبالمقابل يقدِّم الشعب 17 شهيداً في يومٍ واحد على شرف حق العودة في يوم الأرض، ليتأكد من جديد أنَّ القيادة الفلسطينيَّة وخطابها السياسيّ وممارستها السياسيَّة في واد وخيارات الشعب الكفاحيَّة في واد آخر، كالعادة منذ سنين وسنين.

لذلك، وفي هذا الظرف، ماذا تريد تلك القيادة من اجتماع المجلس الوطنيّ؟ ليس إلا أنَّ (يبصم) على هذا الخيار البائس للقيادة؛ استمرار السعي للتفاوض وإدارة الظهر لمحور المقاومة ونهج المقاومة، وبالتالي وجبت مقاطعته وعدم سماح القوى الوطنيَّة لنفسها بأن تكون غطاءً بائساً لخيار بائس.