الدليل الرصين لردّ المطبعين

٢٥ آذار ٢٠١٧

نمرُّ كفلسطينيين -في أغلب الأحيان- في حياتنا اليوميَّة بالعديد من النِّقاشات السياسيَّة الساخنة، نتيجةً لوضعنا الاستثنائي كمستَعمَرين، وتحديداً الأشخاص الناشطين منّا في المواقع السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة. إنَّ أبرز النقاشات التي نخوضها وأكثرها حساسيَّةً هي عن علاقتنا بالكيان الاستعماري وتفاعلنا معه، أو بمعنىً أوضح، النقاشات والأحاديث حول موضوع «التطبيع».

كثيراً ما يظهر بعض الأشخاص المزعجين من حولنا، متَّهِمين ومتسائلين ومستنكرين ما يأخذه البعض من مواقف، أو ما يقومون به من ممارسات تطبيعيَّة، ظانّين أنَّ بإمكانهم إعطاء الشهادات الوطنيَّة للبشر، وهي فئة من الناس يمكن تسميتها «بمعشَر المزاودين» الذين دائماً ما يعكِّرون صفوَ المطبِّعين ويقلقون راحتهم.

عزيزي المطبِّع، عزيزتي المطبِّعة، لا تقلقوا! إنَّ النقاشات حول التطبيع عادة ما تأخذ الشكل الذي تريدون، ويتم جرّها إلى المكان الذي تفضِّلون، وذلك باستخدام مجموعة من الحجج والمقولات الجاهزة والمكررة دائماً، وإن اتَّسمت بعدم الجديَّة والفراغ في المعنى، إلّا أنَّ المهم هو فاعليَّة استخدامها المستمر للتبرير والتذرُّع والتهرُّب. وها أنا أقدمها لكم هَهنا، مرتَّبة وملخَّصة بناءاً على تجربتي اليوميَّة ومتابعتي للنقاشات العامة المختلفة. مع العلم أنَّ هذه النقاط جميعها متداخلة ومتشابكة وتحمل المنطق ذاته، كما أنَّها -بطبيعة الحال- قابلة للزيادة في كل فترة تبعاً للظروف الراهنة والخطاب السياسيّ السائِد.

 

أوّلاً: ماذا يعني التطبيع؟ إنَّها الحجَّة الأسهل، فعندما يتساءل أحدهم عن نشاطك التطبيعيّ، باشِر فوراً بتعويم الموضوع وتضييعه متذرِّعاً بعدم وجود تعريف واضح أو متَّفق عليه للتطبيع. قبل ما يزيد عن عامٍ من الآن، وأثناء جلسة أولى لمشروع شبابيّ كنتُ مشاركاً به، كنَّا في مرحلة التعريف عن أنفسنا وما يفعله كلٌّ منا في هذه الدنيا، وكانت الجلسة عاديَّة، حتى وصل الدور الى أحد الشباب الذي عرَّف عن نفسه ثمَّ أردف بأنَّه يعمل في «مؤسسة اسرائيليَّة» ناشطة في مجال السلام والتعاون بين العرب والصهاينة في مستوطنة في منطقة الخليل. أخذَت علامات الدهشة والاستنكار تظهر على وجوه الحاضرين، وبدأت الأسئلة تتوالى وتتسارع إلى أن تصاعد النقاش واحتدم بين من رفض الفكرة، وقلَّة قليلة حاولت الدفاع عنها أو أخذت موقف الحياد. المهم في الموضوع، هو أنَّ الفكرة الرئيسيَّة التي كرَّرها ذلك الشاب هو ضبابيَّة مفهوم التطبيع. «إنَّ الشَّعب الفلسطينيّ حتى الآن لم يستطع أن يبلور تعريفاً واضحاً ومتَّفقاً عليه للتطبيع»، أذكر هذه الجملة التي رنَّت في أذني بحرفيَّتها، وابتسمت بعدها ابتسامة طويلة.

ليس المثال السابق هو الوحيد لهذه الحالة، لكنَّه قد يكون نموذجاً مثاليَّاً –بل حتى كاريكاتوريَّاً- لفهمها. ولذلك متى وُضِعتَ في موقف محرج وصعب، إجعل هذه الحجَّة دائماً نصب عينيك.

 

ثانياً: الاقتداء بالرموز. استتباعاً للمثال السابق، سوف أطرح مثالاً آخراً من الحالة نفسها، على اعتبار أنَّ النقاش حينها لم ينتهِ عند ذلك الحد. فبعد أن احتدَّ النقاش لوقتٍ طويلٍ تعدَّى ما يُفتَرَض لهُ، انصرفنا جميعاً لاستراحة، وبدأت النقاشات المصغَّرة بين المجموعات. عبَّر شابٌ آخرٌ عن امتعاضه من موقفنا «الإقصائيّ والحاد» الذي لم نحتوِ به ذلك الشاب، وما إن انفتح النقاش مرَّة أخرى حتى استعان فوراً بنموذج الختيار أبو عمّار، القائد التاريخيّ للثورة الفلسطينيَّة، وعلاقاته الحميمة وصلاته مع العديد من منظَّمات السلام الإسرائيليَّة. وإن كان أبو عمّار غير كافٍ فلا داعي للقلق، لأنَّ هناك قائمة وافية من الرموز والقامات الوطنيَّة الرفيعة التي من الممكن الاستعانة بها دائماً، واستحضار مواقفها وتقديمها كنماذج للاقتداء، فمجرَّد أن يُذكَر اسمها حتى ينتهي النقاش ويتوقَّف.

 

ثالثاً: أدخِل «طز» في «مرحبا». إن كان المثل الشعبي يقول «شو دخل طز في مرحبا»، عليك إيجاد الرابط العجيب بينهما، من خلال الخروج المستمر من الموضوع والذهاب لموضوعٍ آخر. عليك أن تبقى متمسِّكاً بموقفك، ومهما قالوا لك «ثوراً» قل لهم «احلبوه». فإن قال لك أحدهم «أنت تعترف بالكيان الصهيونيّ وتشرعنه» أجبه ببساطة: «كفاكم تطبيلاً وتزميراً للمشروع الإيراني».

 

رابعاً: العودة للزمن الجميل. المميَّز في هذه الطريقة أنَّها لا تقتصر فقط على الأفراد واستخدامهم لعبارات من قبيل «وأنا بعمرك كنت عالدبابة» أو «مين انت حتى تزاود عليّ»، بل تمتد لأكثر من ذلك، لتشمل إمكانيَّة تسخيرها في الخطاب السياسيّ لأحزابٍ كبيرة وعريقة. فبالإمكان، وببالغ اليُسر، تجميع قائمة طويلة من الكليشيهات والجمل التي تسعفكم دائماً بالعودة إلى الماضي الجميل، مثل: «إحنا الطلقة الأولى» أو مثلاً «وين كنتو إنتو في يوم الأرض»، وغيرها من العبارات التي تدوم وتدوم وتدوم.

خامساً: استخدم شعارات كُبرى. هل هنالك أسهل من حسم أيّ موضوع يثيره ثرثارٌ من الخروج بشعاراتٍ كبيرةٍ تتعلَّق بقضايا حسَّاسة؟ شعاراتٌ يتم صناعتها وإقناع الناس بها، حتى تغدو بقرةً مقدسةً لا يُمكن المساس بها. فماذا أجمل من إسكات أيِّ صوت بمقولات تتعلَّق بالوحدة الوطنيَّة والمؤامرات وإثارة النعرات الطائفيَّة؟ أمَّا إذا علَّق أحدهم على دردشاتك مع «إسرائيليين»، فلن تجد أفضل من اللوجو الترويجي العظيم الذي صنعته لنفسك: المقاومة والمساس بها وبقدسيَّتها.

 

سادساً: التغابي والاستغباء. التغابي لغةً هو التظاهر بالغباء وعدم معرفة الشيء، أي التَّغافُل. أمّا الاستغباء فهو معاملة الآخرين على أنَّهم أغبياءَ وغافلين. الجميل في هذه الطريقة هي الإمكانيَّة الدائمة لتوظيفها، وإن كنت قلقاً ألّا تسير على ما يرام، فإني أطمئنك. فمثلاً، ظنُّ الفنّان المسكين صابر الرباعي أنَّ الضابط، الذي تصوَّر معه في طريق عودته من فلسطين -بعد إحيائه حفلاً في روابي-، فلسطينيّ وليس إسرائيليّ، يعتبر هنا تغابٍ. أمّا الكثير من المؤسَّسات الفلسطينيَّة التي تَثبُت علاقتها مع «إسرائيليين»، ويفسِّرون ذلك على أنَّه علاقات مع فلسطينيين يحملون جوازات سفر اسرائيليَّة، فهم مُستَغبون. ولذلك كلّه، عليك بالتَّغابي والاستِغباء.

 

أخيراً، أودُّ التنويه إلى أنَّ ما قدَّمته سابقاً يكمِّل بعضه الآخر، كما أنَّه يترافق مع قاموسٍ من الشعارات والمصطلحات المؤثِّرة من قبيل «كفاكم تخويناً» أو «انتو بس بتنظروا» وغيرها الكثير. على أمل أن أكون فدتكم لتطبيعٍ أكثرَ أمناً وسلامة، بعيداً عن ألسنة المزاودين الذين أضحوا فعلاً مجرَّد ألسنة.