الديمقراطيّة والتطبيع عند سعد الدين إبراهيم: التقوقع في البُنيةِ الفوقيّة

٠٨ كانون الثاني ٢٠١٨

مؤتمر حول "الثورة السياسيّة في مصر- إعادة التفكير في التاريخ" عقده مركز موشيه ديّان في جامعة تل أبيب في الثاني من يناير عام 2018، وشارك في هذا المؤتمر الأستاذ المصري في علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات ابن خلدون سعد الدين إبراهيم الذي يُعتبر أيضاً من أكبر دُعاة الديمقراطيّة وناشط من أجل حقوق الإنسان، ومع ذلك يُطبّع ثقافيّا وأكاديميّا بالرغمِ من مطلب المُجتمع المدني الفلسطيني المُتمثل في حركةِ المُقاطعة BDS التي تُشكل الجسم الحقوقي الموّحد لصدّ جميع خطوات التطبيع. ورفضاً لهذا العمل التطبيعي من شخصٍ يحملُ أهميّة مُعينة في مصر وجميع الأقطار العربيّة، تصدى مجموعة من الطلبة الفلسطينيين وقاطعوا مُحاضرته بهتافات توضّح أنَّهم يرفضون التطبيع والتعدّي على النداء الفلسطيني لمقاطعة الاحتلال بكلّ الأشكال.

هذهِ المقالةِ غايتها عرض جذور هذا التطبيع، من خلال التعامل مع هذا التطبيع كحالةٍ أيديولوجيّة تنبع من التقوقع في البُنيةِ الفوقيّة (كما عرّفها ماركس انعكاس للبنيةِ المادّية التحتيّة).

هذهِ المقالة ستعالج في البداية مفهوم الديمقراطيّة "الرأسمالي" الذي يصيغ فكر الدكتور سعد الدين إبراهيم، وكيف ذلك يجعل من التطبيع مع دولةِ إسرائيل ليسَ بالجُرمِ الكبير، وإمكانيّة قبولهِ ضمن مُعادلة تأطيريه. بمعنى إسرائيل ديمقراطيّة (مؤسسات، وثيقة الديمقراطيّة الاستقلال وأيضاً حريّات) ولكن السؤال حول: كيف نتعامل معها ومع سياساتها اتجاه الفلسطينيين. وهكذا يتمّ تأطيرهُ في إسرائيل الديمقراطيّة ولديها بعض انحرافاتها على القانون الدولي، وفقاً لذلك ممكن قبول الدعوة لمؤتمر دولي في جامعة تل أبيب. الديمقراطيّة كما تظهر عند سعد الدين إبراهيم هي بالضرورة لا تتعارض مع الديمقراطيّة في دولةِ الاحتلال إسرائيل. والسببُ في ذلك هو تقوقع هذهِ الديمقراطيّة في بُنيتها الفوقيّة الشكليّة، الغير مادّية، الغير حقيقيّة.

الديمقراطيّة في الدولِ الرأسماليّة هي تُعبر عن حقوق الإنسان البرجوازي، وتخلق وعي زائف اتجاه الفئات الاجتماعية العُمال والفلاحين. يقول ماركس في ذلك: "نُثبت قبل كل شيء أن ما يُسمى بحقوق الإنسان، وهي خلف حقوق المواطن، ليست سوى حقوق أعضاء المجتمع البورجوازي، هذا يعني الإنسان الأناني، الإنسان المنفصل عن الناس وعن المجموع." يجعل ماركس حقوق الإنسان التي تبلورت في الديمقراطيّة هي نتاج علاقات القوى المادّية في البُنيةِ التحتيّة التي تُجسد هيمنة الطبقة البرجوازيّة، مما يعني الإنسان الديمقراطي هو الإنسان البرجوازي، الأناني طالما تبقى علاقات الهيمنة قائمة. هكذا ينقد ماركس مفهوم الديمقراطيّة الرأسمالي. في مُحاضرةٍ ألقاها الدكتور سعد الدين إبراهيم - من إدوارد سعيد ونقد الاستشراق إلى ثورات الربيع العربي- يُعبر فيها عن الفكر الديمقراطي الرأسمالي، يقيسُ سعد الدين إبراهيم نجاح الديمقراطيّة في تبني آليّة الانتخابات، يُعطي أولويّة للإصلاح السياسي، اعتبار للآليّات، اعتبار للشكل دون أخذ علاقات القوى المادّية في الحُسبان. الدكتور سعد الدين إبراهيم يرى في ضرورة الإصلاح السياسي كبداية لكل إصلاح حقيقي، وهُنا يكمن تقوقعهُ داخل البُنيةِ الفوقيّة.

التقوقع داخل البُنيةِ الفوقيّة هو تقوقع داخل الشكل، الشكل الديمقراطي الذي تتخذهُ دولة إسرائيل هو تمثيل آلي وشكلي للديمقراطيّة لتُشكل بذلك وعي زائف لعلاقات القوى المادّية الحقيقيّة، التي بدورها تُجسد هيمنة طبقة البرجوازيّة اليهوديّة الأشكنازيّة. هذا الشكل الديمقراطي يتماهى مع الفكر الديمقراطي عند الدكتور سعد الدين إبراهيم، وبذلك النقاش حول التطبيع سيفقد من حدّتهِ كثيراً جدّا، يجعل من إمكانيّتهِ ليست بالجُرم. وأضيف على ذلك مُؤَلف للدكتور سعد الدين إبراهيم بعنوان –إعادة الاعتبار للرئيس السادات- فهو يرى بعض الخطوات الديمقراطيّة الشكليّة عند السادات، سياسة الانفتاح، تعدديّة الأحزاب، إتاحة بعض الحريّات والخ والخ إنجازات ديمقراطيّة. هذا هو نتاج التقوقع في البُنيةِ الفوقيّة فهو يردّ الاعتبار للسادات حتى لو ضرب بعرض الحائط الإجماع العربي في رفض جميع أشكال التطبيع، بل تفوق على ذلك وقبل باتفاقية كامب دافيد، هُنا يتضح  مفهوم الديمقراطيّة عند الدكتور سعد الدين إبراهيم في سياق التطبيع.

الهوامش-

  • http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/0d010ad9-263a-4147-89dc-5fdca135904b
  • من إدوارد سعيد ونقد الاستشراق إلى ثورات الربيع العربي: https://www.youtube.com/watch?v=21NHmDZqo-I