الذكورة المتخيّلة والأنوثة المقتضبة: لافتات من الانتفاضة إلى الانتفاضة

٢٥ تموز ٢٠١٦

كتبت الباحثة والكاتبة “جولي بيتيت” عام 1992 دراسة بعنوان “الجندر الذكري وطقوس المقاومة في الانتفاضة الفلسطينية الأولى”، وذلك في وقت كان فيه حوالي 40% من الفلسطينيين يعيشون تحت فلسطين تحت السيطرة الإسرائيلية.

تناقش بيتيت في هذه الدراسة العنف؛ أي الضرب والاحتجاز وأشكال العنف الجسديّ الأخرى كافة؛ والموجّهة نحو الذكور “الشباب” الفلسطينيّين من قبل قوات الاحتلال “الإسرائيليّ” خلال الانتفاضة الأولى، وكيف كان العنف بمثابة طقس العبور إلى مرحلة الرجولة؛ حيث إنّ الطقوس اصطلاحاً هي الإجراءات التي يؤدّيها الأفراد أو الجماعات وتقام بالأساس لقيمتها الرمزيّة.

وتفسّر تأثير سياسات العنف المقصود والموجّه على التسلسلات الهرميّة بين الجنسين ومكانتهما في المجتمع الفلسطينيّ، وترى بيتيت أنّ الضرب والاعتقال يؤطر بوصفه طقوس العبور إلى الرجولة، إذ أصبح مركزيّاً في بناء الذات المجنسنة “الذكر” بما يترتب على ذلك من آثار نقديّة على الوعي السياسيّ.

وتنوّه بيتيت إلى أنّ الفلسطينيّين ليس لديهم حقوق سياسيّة على الإطلاق وهم لا يمتلكون سوى الحجارة في الدفاع عن أنفسهم أمام أعتى الأسلحة التكنولوجيّة التي يمتلكها الاحتلال؛ إذ تستعرض سلطات الاحتلال قدرتها على العنف لقمع المقاومة وتذكير الفلسطينيين بعدم استقلاليّتهم باستمرار، وكلّما عجز الاحتلال عن تطبيق علاقات قوّته مع الفلسطينيين؛ كان اللّجوء الى العنف الجسديّ والبنيويّ متواصلاً.

أمّا خلال مرحلة الانتفاضة؛ فقد تحوّل الضرب إلى جهاز هيمنة ممنهج بيد الاحتلال بشكل أقسى وأشمل من مراحل ما قبل الانتفاضة، وذلك بهدف إخماد الانتفاضة وتوجيه رسالة عن عاقبتها، وكان الشباب الفلسطينيون رمز المقاومة وفكرتها؛ لذلك عمل الاحتلال على استئصالهم وقمعهم عبر هالة العنف، وبالتالي أصبح التعذيب والضرب شكليْن فنّيّيْن مطقسنيْن بقصد إعادة تكوين الذكر الفلسطينيّ ليكون ذاتاً لا تقاوم ومذعنة للاستيطان.

كما تتطرّق بيتيت إلى الرجولة وطقوس العبور إليها في الشرق الأوسط، فالذكوريّة ليست طبيعيّة أو معطى؛ بل هي بناء اجتماعي مثلها مثل الأنوثة، كما أنّ الرجولة العربيّة تكتسب وتمارس في الفعل الشجاع وتتجسد في الدّفاع عن “الشرف” وذوي القربى والأهل ضد العدوان الخارجي وصون الموضوعات الثقافيّة المحدّدة جنسيّاً وحمايتها.

وفي السياق الفلسطيني قلّص الاحتلال المجالات التي تتيح للرجال ممارسة رجولتهم وتوكيدها ففي كثير من الاحيان يكون الأطفال والشبّان شهوداً على تعرّض آبائهم للضرب على أيدي الجنود والمستوطنين؛ ما يجعلهم يدركون عجز آبائهم عن حماية أنفسهم وأطفالهم.

وتشير بيتيت إلى أنّ أجسام الفلسطينيّين أصبحت تُعرض باستمرار على الغرباء بحيث تشكل الآثار الجسدية للضرب والطلقات المطاطيّة عناصر بالغة الأهميّة في الحوار مع الآخرين، كما أنّ تمثيل الأجساد الذي وُجد بهدف الإذلال انقلب إلى نقيضه؛ أي إلى تمثيل الشرف والرجولة والتفوّق الأخلاقيّ.

وترى أنّ عرض الآثار الجسديّة للعنف هو بمثابة تعليق على المعاناة، ويشكّل وسيلة مؤثّرة لدحض المزاعم التي تتحدّث عن احتلال حميد، وتحدّد طقوس العبور حسب عالم الانثروبولوجي “فان غينيب” في ثلاث مراحل متميزة وهي: الانفصال والهامشية والاجتماع.

بالإضافة إلى ذلك، تعني الانتفاضة نفض أشكال من الهيمنة الداخليّة المجسّدة بتراتبيّة السنّ والطبقة والجنس، كما أنّ أعمال فتيان يافعين هزّت الاستمرارية التي تخلقها تنقّلات في دورة الحياة مثل الزواج والعمل وبلوغ مرحلة العقل، أمّا عن طقس العبور؛ فيتوسّط بين العنف والهيمنة والأداة السياسيّة من خلال توابع على نحو يتحدى أيّ مفهوم للخطيّة أحاديّة الاتّجاه بين القمع والمقاومة.

وبالحديث عن توكيد الذّوات الوطنيّة والثقافيّة، يعيد الفلسطينيون- بفرضهم تفسيراً ومعنى لعنف المحتلين- بناء أنفسهم بمعنى أخلاقيّ، كما أنّ إعادة بناء الذات الأخلاقيّة من خلال العنف تشمل الرجال والنساء على السواء، لكنّ تمايزاً على أساس الجنس يظهر إلى حدّ ما في ممارسة العنف؛ أي إنّ إعادة البناء الأخلاقيّ الناجمة عن أعمال العنف لا تخترق الحدود بين الجنسين.

ومن الجدير ذكره أنّ العنف الجسديّ لا يعيد إنتاج هويّة المرأة ويؤكد جوانب من هذه الهويّة، ولا يشكّل أيضاً طقس عبور إلى مكانة المرأة البالغة، وفي حين يعيد الضرب إنتاج الهويّة الذكوريّة؛ فإنّه يعيد أيضاً إنتاج سلطة الرجل وهيمنته الفيزيائيّة في العائلة.

أما اليوم وبعد مرور أربعة وعشرين عاماً (خلال ما سمّي بانتفاضة القدس أو السكاكين) تجاوز الطقس وظيفته، إذ إنّ الضرب أو العنف كأداة قمع وهيمنة تّجاه الفلسطينيين من قبل الاحتلال لم يشكلا طقس عبور من مرحلة لأخرى لكلا الجنسيْن، وإنّما كان أداة عبور إلى مرحلة الموت “القتل”.

ونحن جميعاً شاهدنا وابل الرصاص يخترق جسد من حمل السكين عن بعد أمتار قليلة، وأحيانا أخرى شاهدنا كيف كانت تلقى السكين بجانب الشهداءلتهيئة فعل العنف وممارسته كطقس عبور الى مرحلة لا عودة منها وهي الموت.

أعتقد أن التعطّش للعنف لدى الاحتلال بقي كما هو، وبالإضافة الى ذلك؛ ظلّت هذه الممارسات لا تفرّق بين صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، وذلك بما تقتديه حاجة العنف مع كلّ فرد، ممّا يعني إحداث تغيّرات بشكل متقلّب على المكانة والدور الاجتماعيّ لكلا الجنسيْن.

وفي النهاية؛ جدير بالذكر أنّ العنف خلال هذه المراحل الزمنيّة ظلّ عنصراً ثابتاً بينما كان الفلسطينيّ هو المتغيّر.