الرّمية الأخيرة - "قصة رثائية"

١٣ شباط ٢٠١٩

"1"

إنّها الرّمية الأخيرة... رميةٌ لا دور للحظِّ فيها... فالإنسانُ هنا من يختار، هو صاحب القرار... هي رميةٌ بوجهيها؛ الموت والنجاة. هل كان عليه أن يختارَ نجاته؟ وهل تكون النجاة دوماً باختيار الحياة؟ ذاك الإنسانُ الّذي قضى الخمس سنوات الأخيرة من حياته في مجابهةٍ ندّيةٍ مع الموت، تعطّلت خلاياه وأجهزته.

وحدها الأجهزة الأمنيّة ما تعمل؛ "الإسرائيليّة" والفلسطينيّة والمصريّة والأردنيّة، إنها مزيجٌ متناسقٌ رغم اختلاف الأدوات والنكهات، ولكن أياً منها لم يجد ذاك الإله العملاق في جسد غسان الصغير، الواهن، المتهالك والعاجز، ذاك الذي كان أشبه بستارةٍ تعصفها الرّيح!

"2"

إنها الرّميةُ الأخيرة... ألقى الطّبيبُ بقطعةِ النّقدِ في الهواء ونظرَ إليها تتقلّبُ أمام غسان عساه يختارُ نجاته إلى أن سقطت أرضاً، أحنى الطّبيبُ ظهرهُ يأخذها عن الأرض وهو يتحدّث وكأنّما يحدّثُ نفسه:

- إذن فقد فشلت محاولة التهريب إلى القدس؟

أشعلَ غسان سيجارةً ولم يجب.

- وتدخّن أيضاً؟ ألم أطلب منك أن تكف عن هذا؟

سحب غسان نفساً عميقاً من السيجارة وتنهد ينفثُ الدخان بصورةٍ تلخّص حكايته مع السجائر، ثم قال بعد صمتٍ:

- لم أسمع كلام الضابط عندما وضعني أمام خيارٍ كهذا... أنسيتَ أنه أيضاً وضعني في مأزقٍ ما بين الموت أو النجاة بالانصياع لما أراده مني بشأن شقيقي محمد ورفضته؟

- أمّا أنا فلستُ الضابط، وأمّا التوقّف عن التدخين فلا يتساوى بالاعتراف عمّا يضمر أخوك.

- ماذا ستفعل الآن؟ السّرطان قد توغّل في دمك، عليكَ أن تجد خياراً لا يحملُ موتك.

أمسكَ غسّان بقطعة النقد ونظرَ في وجهيها يقول:

- لا أعرفُ خياراً كهذا...

- والسفر؟

- قلتُ لك... مَنعني الضابط من السفر.

- ولكن يا غسان أنتَ الخاسر... في كلِ دقيقةِ تأخيرٍ تزداد بوزنها الخلايا وتخسرُ من حياتك.

- ليسَ مهمّاً أن أنجو من موتي، المهم أن أنجو من حبيَ الشّديد للحياة بتجلّياتها، إنها تداعبني بمغرياتها وسجائرها وفتاتها الّتي كنتُ أحبها، تداعبني بطريقي الجميل من بيتي إلى المقهى، ذاك الّذي كان محضَ طريقٍ أمضي فيه بلمح البصر، لا أعرفُ له من بداية ولا نهاية، وصارَ الآن طويلاً وشاقّاً أحسبهُ بالخطوةِ وفي كلِّ خطوةٍ يزدادُ تلهفي لرائحة القهوة، وصار فنجانُ القهوةِ يحملُ معه متاعب الطريق وشقائي ولهاثي واستراحاتي الطّويلة والكثيرة على أرصفته.

"3"

إنّها الرمية الأخيرة... مضى الوقتُ فيما مضى السّرطانُ منتشراً في جسده المفخخ بالخلايا السرطانية... لو يستطيع تفجير نفسه في مكتبِ العقيد بل في جهاز المخابرات بأكمله... لو يستطيع ذلك فتتناثرُ الخلايا في الجهازِ بأكمله عساهم يدركون أمام أية خياراتٍ يقف غسان وفي أي مأزقٍ هو.

"فلنحذف السطور الأخيرة فربما تكون قاسيةً، ولكن كيف يتوقف العقيد "الفلسطينيّ" عن ابتزازه؟"

توقّف العقيد عن اطّلاعه الطويل والمملّ على ملف غسان وكرّر ما بدأ الجلسة به: "كما أخبرتُكَ؛ قضية سفركَ أبسط مما تتصوّر... تستغرقُ أقلّ من ثانيةٍ... هي ضغطة زرٍ على حاسوبي... الأمر بسيطٌ يا غسان، أفلا تساعدني بمساعدتك؟"

ابتسم غسّان وهو يردّ:

"سمعتُ الكلامَ نفسه من الضابط الإسرائيلي، أتعرفه؟"

لم يكن غسان ليتصوّر أن يصفعه العقيد في هذه اللحظة تحديداً، تحسس جبينه وهو يبتسم، فأغلقَ العقيد حاسوبه منفعلاً.

يالبلاهة أجهزة المخابرات، هنا وهناك، الذين يرون في الإنسان أجهزةً وخلايا!

سَقطَ شعر رأسه مع سقوط الأمل الأخير بالحياة وسقوطِ أجهزة المخابرات، ومع سقوط كلِّ شيءٍ كان ثمّة ما يقرع جدران صدره وينبض بحياةٍ ما، كأنه "الموتُ يلد حياة"... ذاك الموتُ الّذي كان خياراً ونادراً ما يجسرُ المرءُ على اختيار الموت.

كلُّ شيءٍ قد سقَطَ فتحالفت الخلايا السرطانية مع أجهزة المخابرات وأجهزة الطب العاجزة وأجهزة غسان المعطّلة في احتلالٍ واحد انقضَّ عليه وحاصرهُ من كلِّ جانبٍ... وقتلهُ سريعاً قبل أن يصحو ذاك الإله الضخم الذي بدأ بدودة الرفض.

كانت قطعة النقد تتقلبُ في الهواءِ وتعلو...