الشباب كمفهوم، خلق جديد: أزمة المفهوم وإشكالية التحليل؛ أو كيف يتم افراغ الشباب من محتواه

٠٥ أيار ٢٠١٨

ازداد استخدام كلمة "شباب" في العالم العربي بشكل واسع وملحوظ جداً، وقد انتشر المصطلح كمفهوم وأصبح الحديث فيه روتين يوميّاً بين جميع الفئات والجهات ذات الاختصاص وعلى جميع المستويات أفقيَّاً وعموديَّاً. فمن الوزارات إلى أجهزة الأمن إلى وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها. فعُقدت مؤتمرات، على مستوى دولي وإقليمي ومحليّ كان آخرها في مصر برعاية السيسي، وكُتبت تقارير وخُصّصت أموال ووقت وطاقات هائلة وخُلقت وزارات باسم الشباب للبحث والحديث في قضاياهم. فمتى وكيف بدأ الحديث عن "الشباب" العربي؟ وفي أيّ سياق يتم نقاش وبحث مفهوم الشباب؟ ومن هي الجهات التي تقوم بذلك؟ وما الهدف من كل ما تقوم به؟ وكيف يُستخدم كل ذلك في السياق الفلسطيني وما دلالاته؟ وغيرها من التساؤلات التي أحاول مقاربتها في هذا النص.

يقترح البعض بأن الحديث عن "الشباب" كفئة اجتماعيَّة في العالم العربي قد بدأ بالظهور الواضح والمكثف منذ أحداث الانتفاضات العربيَّة حيث كان للشباب كقوى محركة وفاعلة في الانتفاض دور أكبر من أي فئة أخرى، وإن لم ينكر أحد بأن الحديث عن الشباب قد بدأ منذ وقت أبكر. لكن البداية الحقيقية كانت في العام 2001 بعد أحداث سبتمبر وتفجير برجي التجارة في الولايات المتحدّة، فمثلاً قام غراهام فوللر عام 2003 بتطوير ما بدأ به منذ عام 1993 عندما قدَّم مقترحاً لقسم الموارد الجغرافيَّة في وكالة الاستخبارات المركزيَّة يرى أنَّ هناك تضخم في نسبة الشباب في المنطقة العربيَّة التي صنفت على أنَّها مناطق اضطراب اجتماعي-سياسي. وامتد الخطاب من دوائر الاستخبارات والأمن إلى مراكز البحث الأكاديميّ وغيرها، وانتشر لاحقاً في العالم العربيّ الذي تحول إلى مختبر وبأدوات المعرفة نفسها التي يقدمها الخبراء الغربيون للمُخبر المحلي تماماً كما في الاستشراق التقليدي.

والواضح من بنية الخطاب الذي يتم تداوله على مستوى السلطات والمؤسسات المدنيَّة الرائدة في ذلك الميدان أنَّ مفهوم الشباب يستخدم في سياق المحاولات الرامية لخلق البنية الفوقية-الثقافيَّة الداعمة للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي بدأت تجتاح المنطقة العربية بشكل أكبر وأعمق من الربع الأخير من القرن الماضي عندما كانت خجولة ومترددة بعض الشيء. ويتبين ذلك أيضاً من خلال التقارير والمسوحات الأمنيَّة والاقتصاديَّة من قبل الجهات الدوليَّة الداعمة لسياسات السوق الحر في المنطقة وعلى رأسها الولايات المتحدة. وليس من المستغرب أنَّ الولايات الأمريكية هي أول من أنشأ مثل تلك المبادرات الحاملة لذلك الخطاب، مثل "مبادرة الشباب المسلم" و"قادة شباب الشرق الأوسط" وغيرها من البرامج الرامية لإعادة هيكلة الشباب في إطار حماية مصالحها ودعم خطابها في المنطقة. فالشباب العربي إما أن يكون مع قوى "الشر والإرهاب” وإما أن يحمل خطاب السوق الذي سيحقق الأمن والسلام في المنطقة العربية بناءاً على ذلك الخطاب.

 

"الشباب" كهوية خطابية:

 

 تسوِّق كلُّ المؤسسات والجهات الحاملة لخطاب "الشباب" نفسها على أنَّها داعمة لقضايا الشباب كفئة اجتماعيَّة لها همومها وقضاياها الخاصة المتشكلّة بناءاً على العمر كمحدّد أساسي لتلك الفئة الاجتماعيَّة، فيصبح العمر، أو ما يسميه علاء العزة في مقاله "وهم الشباب" بـ"الجيلية"، وهي وحدة تحليليَّة ونطاق مركزي لبنية اجتماعية تتأتى باقي همومها وإشكاليات حياتها نتيجة لعامل العمر. لذا تقوم تلك المؤسسات بخلق خطاب عام موجه للشباب يرجعون من خلاله كلَّ إشكالاتهم إلى العمر كمحاولة لتغييب السياق الاجتماعي والسياسي الاقتصادي الذي يخلق تلك الظروف التي تهمش المجتمع بكل فئاته وتشكيلاته. وهكذا يتم انتزاع الجيل الشاب من سياقه الاجتماعي الأوسع الذي يشترك فيه مع فئات أخرى ليس بالضرورة أن يكون العمر مركزها، وتصبح كلمة "شاب" أو "شباب" هوية جامعة لفئة اجتماعية مصطنعة اصطناعاً. فالهويات تتشكل عادةً من خلال خطابات تخلق تكويناً اجتماعياً ثقافياً ترتكز فيه إلى محدِّد مادي تشترك فيه فئة اجتماعية معينة، وبالتالي انبثاق شعور جمعي مشترك بين عناصر تلك الفئة الاجتماعية، إذ يعتبرون أنفسهم كتلة بشرية واحدة مختلفة عن الفئات الأخرى وطاردة لها.

وبما أنَّ المجتمع العربي فتيّ، ولا يختلف الفلسطينيين عن باقي الشعب العربي في هذا السياق إلا بالوجود المادي للاستعمار، حيث تشكل نسبة الشباب 60-70% من سكان الوطن العربي أي غالبية السكان. وفي ظل منظومة تهميش واستغلال وعدم تكافؤ الفرص لصالح فئة قليلة فإن من الطبيعي أن يشكل الشباب الفئة الأكثر تهميشاً في المجتمع العربي. بالإضافة إلى أنَّ الشباب هم الروافع الأساسية للنضال المجمتعي والسياسي، وبهذا السياق تأتي محاولات تطويع الشباب من خلال استدخال مفاهيم وبنى معرفية تعزز وتخدم شكل النظام القائم وتخفي أشكال السلطة والنخب المستفيدة وتوازنات القوى بينها.

 

خطاب لغوي، شباب نيوليبرالي:

 

بدأت المؤسسات الشبابية تللك من فكرة مفادها أنَّ الشباب العربي وفي ظل بيئة اجتماعيَّة سياسيَّة مضطربة يشعر فيها بالاغتراب، يكون أكثر ميلاًّ للتطرف والانضمام إلى مجموعات “إرهابيَّة” تهدّد مصالح النخب والسلطات والقوى الاستعمارية في المنطقة. لذا لابد من إعادة تأهيلهم وصياغة بنية فكرية يجد فيها الشاب العربيّ نفسه بعيداً عن العنف ويخدم مصالح الفئات المستفيدة، فاختلق خطاب كامل يدعو إلى الريادة والإبداع والمبادرة وإنشاء المشاريع الخاصة لخلق أفراد متفردنين معزولين عن سياقهم الاجتماعي. حيث يصبح همّ الفرد فيه أن يكون صاحب مبادرة أي كان نوعها تصب في نهاية المطاف لصالحه وحده، وإن فشل سيكون هو وحده المسؤول عن ذلك. 

هكذا تحاول تلك المؤسسات تسطيح مشكلة الفقر من خلال تذويته وتحميل الشباب مسؤولية أخطاء النظام والبنية الاقتصاديّة السياسيّة القائمة، ويتم نزع السياسة والاقتصاد من حياة الشباب إلا بما يخدم خطابهم ويعزز النظام القائم. ويصبح نموذج الشاب الريادي صاحب المشروع المبدع الذي أسسه بنفسه ولنفسه برغم الظروف، والذي لا يشتكي الظروف، والذي لا يعتني بالسياسة والمجتمع أيضاً، طموح الشباب. وذلك يشبه سياسة العصا والجزرة التي سيبقى الشباب العربي يلهثون وراء تحقيق حلم الشاب الريادي المبدع غير واعين لتوازنات القوى في المجتمع التي تمنعهم من تحقيق أحلامهم.

لا يختلف الوضع في السياق الفلسطيني كثيراً إلا من حيث عامل الوجود المادي للاستعمار، فكما يوضح علاء العزة في مقاله المذكور سابقاً بأنَّه منذ تأسيس السلطة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو تم اختزال الشباب في الخطاب الرسمي بالرياضة وإفراغه وإقصائه عن العمل السياسيّ والمجتمعيّ من خلال تأسيس ما سمي بوزارة "الشباب والرياضة. فالإضافة لمحاولة تطويع الشباب الفسطيني من خلال اجتثاثهم من العمل النضالي ضدّ الاحتلال، انتشرت مؤسسات مجتمع مدني تدعو إلى الريادة والمبادرات الفردية والتي تعمل بنفس الآلية ونفس الاسم كما في الدول العربية مثل "انجاز العرب" و"شارك" وغيرها. فيصبح الشباب الفلسطينيّ قوة خادمة لمنظومة القوى التي تكرس الاحتلال بعد أن كان الرافعة الأساسيّة في النضال على مدى تاريخ الثورة الفلسطينيّة. ومن أشكال الخطاب الذي يحمله الشباب الفلسطيني اليوم الذي يأتي على شكل مقولات ناجزة تعكس بنى فوقية تكرس واقع الاحتلال وتدعمه بل وتشرعنه. مثلاً كيف نكون "حضاريين بتعاملنا ومقاومتنا للاحتلال" لكي يتقبلنا العالم، و"إشكالاتنا ليس للاحتلال دخل في وجودها" بل نحن من صنع واقعنا. والأخطر من ذلك كله هو نزعة الفردنة المتزايدة واللهث وراء الهمّ الخاص حتى على حساب المجتمع، والعزوف بل وتحقير أي عمل جمعي للنضال ضدّ النظام القائم.

 

خاتمة

 

لم يكن خطاب الشباب حكراً على دعاة السوق الحر والسياسات النيوليبرالية/الإمبريالية، فمعظم التيارات والقوى العربية تعول على الشباب بأنَّه حامل لواء التغيير والتقدم في المنطقة. لكن الاختزال والعزل عن السياق الاجتماعي السياسي واستدخالهم كفئة مشتبكة مع ذاتها ومحيطها المجتمعيّ كنقيض تناحريّ هو ما يدفعنا إلى التساؤل عن أهداف تلك الخطابات. وإن كان لابد من معاينة الشباب كوحدة تحليلية فمن الضروري قراءتها في سياق تناقضات المجتمع وأزماته البنيوية. إذ كيف لابن عامل بسيط أن يشترك في أحلامه وهمومه مع ابن طبقة لها نفوذها السياسيّ والاقتصاديّ؟ وكيف يمكننا إقصاء من يشاركنا النضال اليومي ضد المستعمِر والمضطهِد المحليّ لمجرد أنَّه خارج فئتنا العمرية؟ ألا يتساوى الفلسطينين مثلاً بجميع فئاته أمام الحواجز ونقاط التفتيش؟ 

هناك نقطة أخرى ذات اهمية بالغة وهي محاولات تذويت الفقر والقهر وحتى الاستعمار، نعم هناك عامل ذاتي يكرس ويقوي منظومة القهر والاضطهاد. لكن هناك أيضاً عامل موضوعي هام وهو البناء التحتي للنظام القائم على الاستغلال والاضطهاد ومنع أي محاولة لتفكيكه، حيث تحاول تلك البنى إخفاء ذاتها وتحميل المسؤولية للمضطَهَدين. فيصبح الفقر والاستعمار غير موجودين إلا بسبب غباء وكسل الفقراء والمُستَعمَرين. ولا يكون العامل الذاتي مهماً إلا بفهم دينامياته مع العامل الموضوعي المشكِّل له بحيث تتجمع الطاقات الفردية بتقاطعاتها الاختصاصية في السياق الجمعي لتقلب وتفكك منظومة البنى القائمة على الاضطهاد، وليس بالحلول الفردية التي تعزز تلك البنى.