الشرفات ترحل أيضًا

٢٦ كانون الأول ٢٠١٦

هل أنهض الآن وحدي؟

دبيب الضياء أسمعه بوضوح في المدينة. صياح سائقي سيارات الأجرة يهزُّ أركان سريري، نافذتي، يكسر طمأنينة عتمتي. صمت العمال والعاملات وهم ينحدرون باتّجاه مصانعهم يطنُّ في أذني كطنين ذباب أرعن المخيّلة يركض مبتهجًا نحو ضوئه القاتل. شمس الربيع اللعوب تختال في أنحاء المدينة، ترفل في دفء خضرتها، فتنة عريها، ظرف بلاهتها، تتسلّق جدران البيوت، تدغدغ أطراف الستائر الرمادية السميكة. تلجم عاصفة التنهدات في الغرفة الهرمة المعذبة. توزع على المارة باقات التسامح وابتسامات المحبّة، تسكب بسخاء مفاجئ على الطرقات الموحشة وعوداً منيرة بنهارات هادئة، نجوم مسالمة ورياح صديقة، هل أنهض الآن وحدي؟ هل أستجمع قوى رأسي ويدي ونصف مؤخّرتي، كما أقرّر كل ليلة أغفو فيها على سعار إصرار وهيستيريا تحدّ؟.

غدًا سوف أبدأ مرحلة جديدة، أودّع ليلتي بنصف ابتسامة مبقياً النصف الآخر لليلة المقبلة. فمخزون ابتساماتي ينذكر بالنضوب. أهبط في عمق غيبوبتي المريحة. يأتي الغد اللعين، يتقدمه حطام الإصرار وأنقاض التحدي، ووجها أمّي وأختي. هل أنهض الآن وحدي؟ من غرفتي تتقدّم أختي وأمّي. أسمع خطوهما المنتحب خلف الباب، تأتيني طرقاتهما الهامسة الدامعة. ينفتح الباب عن حضنين دافئين وأياد حانية رفيقة. تحملني أمي وأختي صامتتين، تضعانني في الكرسي المتحرّك، تجرانني في موكب بائس نحو الشرفة.

كان الليل يفرش عباءته الشفافة الناعمة فوق المدينة برقة متناهية، لم تكن تعرف أنَّ الآخرين الكامنين خلف بيت مهجور يحملون لك كلَّ هذا الإصرار المحموم على الإساءة. كانت التعليمات واضحة تماما: نريد شعاراً كبيراً بحجم الذكرى نفسها: “غسان كنفاني كتب بدمه لفلسطين”. توزع رفاقك على المفارق، كان الليل حالماً صامتاً حنوناً، والشوارع خالية تماماً، الطرقات الخلفية ما زالت تتنفس الإرهاق والكبرياء بعد نهار طويل عنيد أشغلت فيه المدينة غضب سواعد، لهاث جنود، أنين جرحى، وزغاريد نسوة.

شرفة الرماد

ضجيج المدينة تحتي لا يهدأ، وحيداً على الشرفة، أتفرس المارة والمحال والسيارات الجديدة والوافدة ذات اللوحات الخضراء والصفراء والبيضاء، وبقايا الشعار الباهت القاتل الذي لم أكمله على جدار المبنى المقابل لشرفتي “غسان كنفاني كتب بدمه لـ ..”

الآن سيصفعني المشهد المؤلم ذاته، رفاقي القدامى يمرون من أمامي ببذلاتهم الأنيقة وسحناتهم الفاخرة دون تحيَّة دون ابتسامة، دون ذكريات. سينظرون إلي نظرة خاطفة أجهل تفاصيلها، لكنني أشم فيها فيما بعد رائحة ضجر، وحنق، هاشم هو الوحيد الذي سوف يلوّح لي بيده، هاشم “صقر المدينة” كما كنا نسميه في الزمن الجميل الآفل، هو الوحيد الذي استطاع اقناعي أنَّ فسحة ضيقة شاحبة من وفاء تتلخص في تلويحة يد وابتسامة عريضة، تستحق الحياة من أجل تذوقها. هاشم هو الوحيد الذي واظب على زيارتي وإرسال باقات الورد لي ومهاتفتي، ولكنَّه في الأيام الأخيرة المحيِّرة اكتفى بتلويحة اليد الخضراء المرحة وابتسامة عريضة عارمة.

ضجيج المدينة تحتي لا يهدأ، أمي وأختي لا تكفان عن افتعال المرح والضحكات الممتدة وتمسيد شعري والربت على خدي والتندُّر أمامي بدعابات وطرائف لا تهزني أبداً.

نصف ساعة وتمر من أمامي، قطة برية هي، بحقيبة يد بنية وخطوات ثابتة ذكيَّة وشعر ذهبي مشتعل، منفلت من عقاله، تموج عيناها بقوارب هادرة وشواطئ بعيدة، لن تنظر نحوي، لن تراني أصلاً. ستواصل خطوها باتجاه محطة باصات تنحدر باتجاه مكان لا أعرفه، سيسقط فنجان القهوة من يدي، ستندّ عني تنهيدة واسعة منكسرة يهتز لها زجاج شرفتي، ستهرع على أثرها أمي وأختي تضماني إلى دموعهما، تلملمان أشلاء غدي، لحظتي، فنجاني.

على الهاتف كان صوتها يتوغل في أعماقك أنغام قيثارة شجيَّة تعزف عليها أصابع أثيريَّة غامضة، ينزّ منها ألق إنساني رهيف.

  • أنا بانتظارك في القدس، أعتقد أنَّ هذا الاختيار، يستهويك، أرجوك لا تتأخر.
  • في الطريق إلى مكان مجهول لم يجرؤ أحدكما على تحديده قالت:
  • – هل شربت قهوة الصباح؟

بعد دقائق، كنت تجلس أمامها أخرق الأمنيات والنظرات، حائراً، مرتبكاً، لاهب الأطراف، فقد دفعت باتجاه وجهك المتعب بصدرها الهائل وهي تخلع معطفها الثقيل، تتصنع الشعور بالحر، في لحظة مضطربة كانت فيها السماء تمطر جنوناً بارداً ورعوداً مدوية.

يرحل النهار الوديع بشمسه اللعوب، يتوقف طرب الستائر الرمادية السميكة, هل أحس كآبتها تلفح وجهي؟

يتوارى صياح السائقين، يحلُّ محلّه على الفور صياح مكتوم ثقيل لمراهقين يشقون طرقات المدينة بعرباتهم الفارهة وتدفق الحياة في أطرافهم، على وجهي ينثال الحضنان الدافئان، والأيادي الرفيقة الحانية، في وجه أمي أحس رغبة مخنوقة للحديث معي.

– أمي العزيزة، أرى في عينيك كلاماً خائفاً يطل برأسه يرتد.

– نعم يا حبيبي، هناك أمر أريد أن أحدّثك به، الشرفة يا حبيبي لم تعد مناسبة لك. عليك أن تغيّر الجو. ما رأيك بالسطح؟ فالأسطح يا بني أرحب وأبهى من الشرفات. يالهم من قساة! أنت تعرف فالمدينة تتوسّع هذه الأيام. يالهم من قساة ولكن لا بأس يا بني فالأسطح أبهى وأرحب من الشرفات. قالت لنا الجارة بأنَّهم سيبنون بناية ضخمة أمام الشرفة مباشرة. يالهم من قساة! ولكن لابأس، أليس كذلك يا حبيبي؟ لا بأس.

حلم

بهدوء شيطاني يرتدي مسوح الرشاقة والرفعة، تقترب مني القطة البريَّة الجميلة المتوحّشة الملعونة المباركة، تكشر عن مدية حادة لامعة، أرى في نصلها الصقيل تصدّعات روحي وشروخ ابتسامتي، تهبط المدية فوق صدري ووجهي، تشقّ طريقها الدمويّ في شعاب الفم والعينين والعنق والذاكرة. يتدفّق دمي قاسياً نزقاً، يتقدم الرفاق القدامى، يمدّون صحونهم الفضّيّة ويتلقّفون دمي، يعبّئونه في أكياس بلاستيكية سوداء ثم ينسحبون ملوّحين للوالدة المنتحبة والأخت المنهارة تلويح الامتنان الساخر، المرعب. لاهثاً يندفع هاشم نحو غرفتي. يقف مبهوراً فوق مزقي، بيده الخضراء المرحة المرتجفة. يعيد ترتيب أطراف وجهي وصدري المبعثرة، يقطع شرايين يدي بأسنانه، ينهمر دمه وفياً فوق شحوب واصفرار لحمي، تدب الحياة في مخيّلتي وذاكرتي وأمعائي، تتحسّس أمي وجهي، تنهداتي، حرائق أحلامي، وأسمعها تتمتم مع أختي “افتحي الباب يا ابنتي، أسمع طرقاً دافئاً وملحّاً”.