الشفاء في مرحلة ما بعد الاستعمار

٠٥ شباط ٢٠١٨

*قُدّمت هذه الورقة في مؤتمر عقد بتاريخ 23 آذار 2017 حول "إرث فرانس فانون"، وقد نُظم هذا الحدث في إطار أسبوع العمل لمناهضة العنصرية الذي ينظمه كلّ من: Afro Project، و Librex Center، و Maison du Livre، و MRAX.

في الحقيقة، عندما طُلبت مني المشاركة في هذا المؤتمر، لم أتردّد للحظة واحدة. ولم أدرك إلا لاحقاً أنّه من الجنون أن أتحدث حول فانون أمام هؤلاء الحضور، الذين كان العديد منهم يقرأ فانون حينما كنت ما زلت أعدّ أصابعي.

ماذا يمكنني تعليمهم عن فانون؟ سألت نفسي هذه الأسئلة مراراً خلال الخمسة أشهر التي تلت قبولي للمشاركة. وأخيراً، أدركت أنَّ المساهمة القيّمة الوحيدة التي أستطيع تقديمها في هذا المؤتمر هي ما يعنيه فانون بالنسبة لي، كطالب طبّ يعتبر الطب النفسي المحرّك الأوّل للدراسة، وكناشط كويري[1] من أصول مغربية يعيش اليوم في بروكسل.

في سبيل ذلك، قرّرت التركيز على فانون "الطبيب". أعتقد أن تجربة فانون في عالم الطبّ من الممكن رؤيتها في ثلاثة أطر: الأول، عندما درس الطبّ ومن ثم الطبّ النفسي، وهو ما يتقاطع مع تجربتي الحاليّة. الثاني، عندما عمل كطبيب في المستشفيات النفسيّة. أمّا الثالث والأخير- وهو أكثر ما عُرِفَ عنه- عندما انضمّ للمقاومة الجزائرية ليصبح الطبيب النفسيّ الثوريّ الذي نعرفه ونحترمه جميعاً.

بالتأكيد، يُعتَبَر مسار فانون فريداً من نوعه من عدّة نواحي، إلّا أنّ الجانب الذي جذب انتباهي هو التفاني المشترك الذي أظهره فانون طوال حياته لمهنته المزدوجة  كعالم "جوهري" وطبيب. معروف أنَّ فانون استمر برؤية مرضاه طالما كانت الظروف تسمح له بذلك، وذلك كان لفترة طويلة بعد طرده من الجزائر من قبل السلطات الفرنسيّة. كتب في رسالة استقالته: "إذا كان الطبّ النفسيّ هو التقنية الطبيّة التي تهدف إلى السماح للبشر بعدم الشعور بالبعد في بيئتهم، سأدَّعي أنَّ العربي، في حالة اغتراب مستمرة، يعيش في حالة من تبدد الشخصيَّة المطلق." ومع ذلك سيكون من الخطأ أن ننسى أنّ فانون أولاً وقبل كل شيء يعتبر نفسه عالماً. كان يدرك تماماً أصالة اكتشافاته وحقيقة أنَّ وجهة نظره الفريدة من نوعها أعطته إمكانية اكتشاف البقع العمياء عند معاصريه وأسلافه (فرويد، بالتأكيد، ولكن أيضاً لاكان، وميرلو-بونتي وغيرهم) أو حتّى هفواتهم كما سنرى لاحقاً.

كما نجد عند فانون ما سيسمّيه الأطباء لاحقاً نموذج (السرير للمقعد- المقعد للسرير)، الذي يتكوّن من أخذ الوقت لتطبيق النظرية على الممارسة والممارسة على النظرية. باختصار ما أسماه ماركس بالدّيالكتيك، أحد مفاهيمه الأساسيّة الذي يجب أن يكون في صميم كلّ "ممارسة" ثوريّة. بفعل ذلك، قرّر فانون، مثل آخرين من قبله، أن يٌقلع عن إنتاج النظريّة من أجل النظريّة، وأراد أن يكون مفيداً، في كتاباته وممارسته، الطبيَّة والثوريَّة على السّواء.

ولكن دعونا نعود لفانون الشاب الذي تخرّج حديثاً كطبيب نفسيّ. كان خياره الأول كمهمّة له- وهو خيار مفهوم- العودة إلى وطنه. ولكن، مجبراً تبعاً لطبقته، كان عليه الذّهاب إلى البليدة في الجزائر بدلاً من جزر غوادلوب، لأنّه المكان الوحيد الذي أتاح له العمل خارج حيّز المدينة. نحن الآن في عام 1953، عام بعد نشر كتاب "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء"، ويبدو أنّ فانون يعلم من الآن ماذا سيفعل بتطبيق الطب النفسيّ. وأنّ ممارسة كهذه لن تكون قادرة على الازدهار داخل المدينة. وهكذا يغادر فانون إلى الجزائر، بلد لا يعرف ثقافته، ولا طقوسه، ولا حتى دينه. والشيء المألوف الوحيد الذي سيجده هناك هو النظام الاستعماري الوحشي الذي أقامه الفرنسيّون أينما ذهبوا.

سيبذل فانون مجهوداَ كبيراّ ليتآلف مع البيئة التي يتواجد فيها مرضاه، وسيثبت أنَّ ذلك شرطاً من شروط صحّة الممارسة. وكتب عن ذلك بالتفصيل في مقال: "العلاج الاجتماعيّ في قسم الرجال المسلمين: الصعوبات المنهجية"، الذي نشر في فرنسا مؤخراً في مجلة "Ecrits sur l’aliénation et la liberté"[2].

نستطيع الآن فهم تفضيل فانون الذهاب إلى جزر غوادلوب؛ فلتطبيق العلاج الاجتماعي في أيّ مكان، يجب على المرء أن يكون على دراية بكلّ تفصيل بسيط من الحياة اليوميّة في ذلك المكان. لذا كان من الأسهل عليه أن يطبّق ذلك في المكان الذي ترعرع به. لكن لا شكّ  في أنّ فانون لم يكن ليكون فانون الذي نعرفه اليوم دون الصّعوبات التي واجهته في حياته المهنيّة في وقتٍ لاحق.

لن نعرف أبداً ما إذا كان فانون واعياً أنَّه باختيار الجزائر سيواجه مباشرة مدرسة الجزائر، التي كانت حينها قائمة على الطب النّفسيّ الاستعماريّ، والتي كان إنتاجها العلميّ العنصريّ مؤثراً جداً في ذلك الوقت، إن لم يكن المهيمن تماماً. أطروحة المدرسة الرئيسيَّة وهي "البدائيَّة" ادَّعت أنَّ "السكان الأصليّين في شمال إفريقيا  كانوا بين الإنسان البدائيّ والإنسان الغربيّ المتطور" وأنه "في جوهره مندفعٌ بالفطرة".

من الممكن التّعامل مع ذلك من خلال استخدام أساليب مختلفة، بكميّات غير مبررة، كانت رائجة في ذلك الوقت، مثل: جلسات الصعقات الكهربائية الطويلة، الغيبوبات الناتجة عن الإنسولين، ربط أنبوب فالوب (كوسيلة لتعقيم النساء)، وعمليات فصل فص المخ الجبهيّ لعلاج الصرع.

يمكن للمرء أن يرسم خطاً موازياً هنا بين تلك الأساليب والمشكلة التي استكشفتها السيدة فيرجيس في عملها الأخير “Le ventre des femmes” (بطون النساء). هنا أيضاً نجد مثالاً على السياسة الحيوية، سيطرة الدولة المباشرة على الأجساد. وفي هذه الحالة الأجساد المستعمرة تبعاً للأيديولوجية التي حكمت الدولة، التي كانت استعمارية وبالتالي عنصرية بشكل معلن، كما بيّنت سابقاً.

يبقى الحديث الآن حول الجواب الذي قدّمه فانون للسؤال الأساسيّ حول جذور الطب النفسيّ: هل يمكن إزالة اغتراب إنسان، حتى وإن كان ذلك من قبل طبيب نفسيّ؟ أو هل يمكننا فقط إدارة ذلك لاستبدال اغتراب بآخر، اغتراب مقبول أكثر لدى المجتمع الذي نعيش به؟

لا يخجل فانون من هذا السّؤال، بل يسأله بإصرار، كما رأينا في رسالة استقالته والملاحظات التي استطعنا جمعها من دروس العلاج الاجتماعيّ التي أعطاها في جامعة تونس. كان من أبرز الملاحظات السؤال الخطابي الذي كان يسأله خلال الدرس، والذي أحضرته لنا ليليا بن سالم: "هل من الصحيح أنّ هدف الإنسان هو ألّا يكون أبداً عائقاً/إزعاجاً للمجموعة؟"

لا نستطيع إنكار أنَّ السؤال يعطينا، حتى وإن لم يُجب عليه، دلائل لما يمكن أن تكون الإجابات.

في تونس، حيث يدخل فانون المرحلة الأخيرة من نشاطه الطبيّ- مرحلة الطبيب الثوري- يحصل على تصريح من السلطات التونسيّة ليفتتح مركزاً نهارياً لطبّ النفس والأعصاب. هذا هو المركز الأوّل في القارة جميعها المجهّز لعلاج المرضى النفسيين كمرضى خارجيين، بمعنى أنّهم غير ملزمين بالبقاء ليلاً. كان لذلك المركز فاعليّة عظيمة، بالتحديد لأنّ الطبيب لم يكن المعالج الحقيقيّ، بل المجتمع نفسه. في تونس المستقلة حديثاً آنذاك، لم يتعرض المرضى الذين تمّت إعادة دمجهم بالمجتمع لحالة من تبديد الشخصيّة كما كان يحدث في الجزائر الفرنسيّة، حيث كانت أيّة محاولات للعلاج، قصيرة أو طويلة الأمد، غير ذات فائدة. وبشكلٍ أبسط، كان ذلك لأنّ المجتمع نفسه قد تحوّل بطريقة سمحت للناس البدء بالعلاج.

استنتاجي إذاً بسيط: أنا أعتبر أنَّه لا يمكن فصل الممارسة الطبيّة والممارسة الثوريّة عن بعضهما، سواء في سياق استعماريّ أو في سياق ما بعد الاستعمار. في كلتا الحالتيْن، يجب على المرء أن يكافح ضد قوّة تحصل على المزيد والمزيد من السيطرة وبالتالي المزيد والمزيد من الاغتراب. استمعوا فقط لقياداتنا ولاهتماماتهم غير المخفية في النموذج الأمنيّ "الإسرائيليّ" على سبيل المثال، وستدركون أنّ الإلهام الأفضل للأنظمة الغربيّة الـما بعد استعمارية هو الاستعمار، سواء في شكله الماضي أو الحالي.

إذاً، الشفاء في مرحلة ما بعد الاستعمار يبدأ بشفاء المستعمرة.

 

 


[1]  النّشاط الكويري قائم على تحدّي كل ما هو سلطوي ومهيمِن في المجتمع، ويُعنى بالأساس بقضايا التعدديّة الجنسيّة والجندريّة، وهو مبني على النّظريّة الكويريّة التي تُعتَبَر نظريّة نقديّة حديثة ما بعد بنيويّة.

[2] Fanon F., Ecrits sur l’aliénation et la liberté, La Découverte, 2016, p.297