الصيف الفلسطيني وأزمة المياه في اراضي 67 هل علاجها قناة البحرين؟

٠١ أيار ٢٠١٦

قبل عام 67 كان يقطن الضفة الفلسطينية وقطاع غزة نحو 1,5 مليون نسمة, وهزيمة حزيران جرفت معها نصف هؤلاء فاصبحوا مهجرين خارج الوطن. وكانت امطار فصل الشتاء التي تصل 500 مليون م3 تغطي
حاجة الناس واكثر. غير ان سلطات الاحتلال وضعت يدها على احواض المياه الجوفية وقننت استخراج المياه واستخدامها  كما صادرت الكثير من الينابيع السطحية وبالتالي اصبحت نسبة لا تقل عن ثلاثة ارباع المياه الفلسطينية بعيدة عن استخدام الفلسطينيين, وبات المستوطن في الضفة يستهلك ا ربعة اضعاف المواطن الفلسطيني حسب ارقام الامم المتحدة وستة اضعاف حسب المصادر الفلسطينية.

ولم يكن صدفة ان يضع الجدار النهبي التوسعي على امتداد 800كم غرب الضفة, الاحواض الجوفية الاستراتيجية وراءه وان يرفض المفاوض الاسرائيلي وضع الاغوار على طاولة المفاوضات بما فيها من ثروات طبيعية جزء منها املاح البحر الميت كما المجرى المائي الجيولوجي  من شمال  الضفه الى جنوبها وصولاً لقطاع غزة.

والمياه اساس الحياه ودونها ليس ثمة زراعة او وجود مجتمعي مستقر

واتفاق اوسلو قام بترحيل قضية المياه اسوة باللاجئين والارض والقدس والحدود والمستوطنات والاسرى  الامرالذي اتاح للنظام الاستعماري التحكم بهذه الملفات وفرض امر واقع اسهم بمضاعفة الاستيطان الكولونيالي في الضفة والقدس الشرقية. واستمرار سرقة المياه الفلسطينية الى درجة ان يعيد بيعها عبر شركة ميكوروت للفلسطينين دون مراعاة الزيادة الديمغرافية للفلسطينين الذين انتقلوا من اقل من مليون الى اكثر من 5 مليون في الضفة وغزة وهذا ما يفسر ازمة المياه في كل صيف من جهة وعدم توافر ما يلبي احد متطلبات الزراعة الحديثة من جهة اخرى.

قناة البحرين

منذ هرتزل في اواخر القرن التاسع عشر مروراً ببن غوريون “وتحويل النقب الى زهرة” وصولاً الى الحكومات الاستعمارية المتعاقبة الى احتلال جنوب لبنان 1982  وبعدءذ تم  البحث غير مرة بند تحويل نهر الليطاني ونهر الاردن وحفر قناة البحرين واقامة مشروعات مائية اقليمية, حتى ان الطائرات العسكرية الاسرائيلية قصفت المنشئات الاردنية التي تأسست لتحويل نهر الاردن عام 63 الامر الذي حفز النظم العربية لعقد مؤتمر القمة الاول وتأسيس م.ت.ف .

واليوم استقر الامر على قناة تربط البحر الاحمر بالبحر الميت من خلال مد شبكة انابيب على طول 190 كم تنجز على مرحلتين, الاولى بطول 12 كم تبدأ بمحطات تحلية وتصل لمحطات تضخ المياه على ارتفاع 120 م فوق سطح البحر وتأمين مولدات الطاقة الكهربائية. والثانية على طول 180 كم وصولاً الى البحر الميت.

والشرط السياسي بات متوافراً بعد اوسلو 93 ووادي عربة 94 بما ادى الى توقيع مذكرة تفاهم اسرائيلية – اردنية – فلسطينية في واشنطن 12- 2013, بل وثمة اتفاق اردني – اسرائيلي على بدء التننقيذ في شباط 2015 بما دفع صحف اردنيه لنشر عطاءات بمئات ملايين الدولارات علما ان التمويل الاول سيكون من البنك الدولي.

والشعار العام للمشروع هو انقاذ البحر الميت من الجفاف الذي ينخفض سطحه المائي سنويا ا م وتزداد ملوحته باضطراد اما الاردن فمصادره المائية شحيحة ويتوقع ان يحصل على 50 مليون م3 سنويا اضافة الى كميات من بحيرة طبريا.

واهل الاختصاص في الجانب الفلسطيني يقولون ان الانضمام لمذكرة التفهام يحمي الحقوق الفلسطينية كدولة مشاطئة ويأتي ب 20 – 30 مليون من المياه العذبة سنوياً, وان هذا الانجاز تحقق بمساعدة الاردن ودور اللجان الفنية التي طرقت الابواب الامريكية والاوروبيه واللجنة الرباعية…

في ميزان الربح والخسارة

معروف في علم الديبلوماسية ان اية مفاوضات لا تفضي الى اتفاق او تفاهم الا اذا ربحت منها كافة الاطراف. على هذا النحو دَرست ودّرست لفترة قصيرة. وبالتالي من الطبيعي ان يعود مشروع قناة البحرين من الناحية البراجماتية بفائدة على الاطراف الثلاثة, اما المستفيد الاول فهو بلا شك الاسرائيلي ولولا ذلك لما رأى هذا المشروع النور.

من ناحية استراتيجية لقد بحثت السياسة الاسرائيلية عن كولونيل لبناني منذ الخمسينيات لتوقيع اتفاق ونجحت في اواخر السبعينات مع سعد حداد وانطون لحد ومن بعدهما توقيع اتفاق شباط مع بشير الجميل على اثر حصار بيروت 1982, وقبلئذ مع السادات في كامب ديفيد 1978. وصرح بيريس “لولا كامب ديفيد لما وقعنا اوسلو 93 ولولا اوسلو لما وقعنا وادي عربة 94  واننا بحاجة لدمشق لتوقيع اتفاقيات مع كل العواصم العربية” ونجحت في اختراق اكثر من عاصمة عربية باقامة تعاون امني ومكاتب عمل وتبادل زيارات, ناهيكم عن السلع الاسرائيلية التي تتسلل للعواصم العربية بطرق مختلفة فضلا عن الاتفاقات السياسية مع القاهرة وعمان ورام الله والعلاقات العملية مع الاقليم الكردي شمال العراق ومجموعات مسلحة سورية

وهناك مشروعات اقتصادية اسرائيلية في مصر والاردن كما ان النظام الاستعماري الاسرائيلي يمضي قدما في تهويد ما تبقى من فلسطين الشيء الذي دفع شخصيات دولية للقول ان التوسع الاستيطاني في الضفة وصل شأوا يتعذر معه اقامة دولة فلسطينية بصرف النظر عن الجدلية الفلسطينية حول هذا الموضوع.

يفكر رأس المال اولا بالربحية وعلى رأي ماركس اذا كانت ربحيته 10% يكذب واذا كانت 50% يقتل و اذا كانت 100% يشعل حرباً ,والربحية هي قدس  اقداس النيوليبرالية التي تنحاز لها العقلية الرسمية الاسرائيلية بعد ان قطع التطبيع مع العرب شوطا كبيراً

وهذا المشروع الاقليمي ( قناة البحرين) يؤمن ربحاً وتطبيعاً على قاعدة مصلحة مشتركة وهذا يجعل بداهة التطبيع اقوى وارسخ ,وهو يأتي في سياق مشروعات اقليمية واخرى اوسع مدى ما ان يتوافر الشرط السياسي كانعكاس لرؤية بيريس في كتابه “الشرقالأوسط الجديد”.

والمكاسب الاسرائيلية الاقتصادية عديدة علاوة على المياه العذبه التي تناهز 50% من المشروع حيث يتوقع ان تقيم مناطق سياحية ومنتجعات وسلسلة فنادق وشاليهات ومراكز علاجية وتجارية ومحطات كهربية وسكة حديد

وقد ينفتح المجال لمنطقة اقتصادية مشتركة , اسرائيل تنتج والعرب يستهلكون, وشبكة مواصلات نحو العرب التطبيعيين بما  يشكل في النهاية منافساً لشرم الشيخ المصرية.

ومن ناحية استيطانية هذا المشروع يفتح في المجال امكانية تأسيس مدينة او تجمعات سكنية كبرى في النقب تلبية لمطالب التنمية والتوسع سيما وان المجتمع الاسرائيلي

مقام على 15% من الجغرافيا وربما يكون لذلك صلة بمخطط برافر وتجميع 40 قرية عربية بدوية في تجمعين او اربعة تجمعات بما يتطلبه ذلك من مصادرة لمعظم اراضهم التي تربو على 800 الف دونم.

اما من الناحية العسكرية فانشاء بنية تحتية وما يتصل بها من خدمات انما يسهل تاسيس مفاعلات نووية جديدة بعد ان هدد امين عام حزب الله حسن نصر الله ان لديه احداثيات المفاعلات النووية والمختبرات البيولوجية والكيماوية الاسرائيلية وما تستلزمه المفاعلات النووية من مياه تبريدية.

ملاحظات ختامية:

يجري هذا المشروع الاقليمي قبل الوصول لحل للقصية الفلسطينية وهذا ينطبق على مشروعات تطبيعية واقتصادية اخرى  بما يعزز المقولة الاسرائيلية ” القضية الفلسطينية ليست مركزية و هي لا تمنع اقامة سلام مع العرب”  والمقولة الاخرى “المهم المصالح الاقتصادية” والسلام القتصادي .

وبالنسبة لنا كفلسطينين’ هذا سيعمق الانقسام بين النهج المقاوم والنهج التطبيعي ويزيدنا الحاقاً بالاقتصاد الاسرائيلي سيما وان الميزان التجاري مختل على نحو جذري وصادراتنا اقل من مليار دولار فيما واراداتنا اكثر من 5 مليار دولار سنويا .

وختاما لا يمكن تجاوز مقولة الصمود الفلسطينية التي تتطلب توفير شروط الحياة بما فيها الماء, ولكن هذا الصمود لا يتعزز  الا ببناء اقتصاد صمودي وانتاجي وتعميق التلاحم الشعبي لا العكس والضغط لاسترجاع الولاية على الماء.

وهذه المقولة تستخدم ايضاً في تسويغ التزامات “اوسلو” وما توالد عنها من مساعدات دولية وسيما ان الموازنة السلطة تدفع رواتب ل 170 الف موظف واكثر من 100 عائلة مساعدات اجتماعية في الضفة وغزة على حد سواء

ولكن لا ينبغي هنا الفقز عن حقيقة ان المساعدات تستخدك لاهداف سياسية وان خزينة السلطة تلقت اقل من 50% عام 2015  قياساً بعام 2014 وبما في ذلك حجب المساعدات الامريكية, ومثلما تستخدم المستحقات الضريبية كورقة ضغط علة  السلطة احياناً وهذا حال المواد التي تتدفق عبر معابر غزة, فمشروع القناة قد يستخدم كورقة ضغط ايضاً ويكفي تذكر حصار بيروت 82 وقع الماء والكهرباء

ان المأزق الفلسطيني كبير ومتعدد الابعاد ولكن الروح الوطنية متأجحة أيضاً ولا سبيل لأطفائها, كما ان الصمود الفلسطيني حقيقي اذ لا وطن اخر للشعب الفلسطيني والمطالب عادلة ( انكم اعدل قضية في العالم) رئيس اتحاد الكتاب التركي, هدالة معمدة بالتضحيات ولا احد يستطيع الغاء وشطب الشعب الفلسطيني

ولان الامور كذلك واكثر يتعين الادراك انه ليس ثمة تسوية سياسية قريبة ولا في الزمن المنظور فاكثر ما يهم السياسة الرسمية الاسرائيلية هو ادارة الازمة وضبط الوضع الفلسطيني وبالتالي مصادرة ما تبقى من ارض فلسطينية.

ولتعزيز الجبهة الداخلية الفلسطينية لا ينبغي انكار الحقائق, فأي موقف انكار لا يفيد في شيء والحقائق تشير ان امكانية جسم التناقض السياسي الداخلي غير متاح في ظل المعطيات التي عرفتها الساحة في السنوات الاخيرة. وان المخرج هو البحث عن قواسم مشتركة وحسب, مع التعايش مع الانقسام اي قواسم ميدانية وهي اكث من ان تحصى ولتعزيز الصمود لا مهرب من استراتيجية تنموية عكس الاستراتيجية السائدة, جوهرها بناء اقتصاد انتاجي من مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر ومتوسطة, سواء من قبل السلطة او رأس المال أو المواطن العاطل عن العمل  بما يتطلب ذلك من تسهيلات ودراسات وبما تسمح الشروط الموضوعية.

فثمة قطاع انتاجي خاص في الضفة وغزة وهذا درس يؤكد انه ثمة مساحة متوافرة , اما اللهاث وراء الليبرالية الجديدة فهذا جربه الشعب ونتائجه اختلال جذري في الميزان التجاري وبطالة تزحف ال 40% وفقر يصل الى 50% وقطاع خدماتي هش يناهز 60 % اما الخطط الاقتصادية والمشروعات الاقتصادية المتسارقة مع هذه الاستراتيجية تتطلب حوار شعبياً جماعيا يبدأ اول ما يبدأ من اعادة النظر فلسفة التعلم ومناهج التعليم التلقينية التي تقوم بحشو الي لا قيمة له وتجاوزه الزمن, كما اعطاءحيز التعليم النقني وتحسين مخرجاته بحيث يرتبط كل ذلك بمطالب السوق والتنمية. فالبلدان الاكثر تطوراً والاقل تطورأ يذهب للتعلم المهني فيها ما لا يقل عن 30% من خريجي المدارس بينما في الضفة وغزة مجرد 3% فيما نسبة هؤلاء في البطالة هي الاقل من بين الخريجين

وربما مفيد في ضوء مواجهات الاشهر الاخيرة ودروسها وحوارات الدوحة وتبايناتها والمستجدات السياسية الاقليمية والدولة التي لها اسقاطات على المشهد الفلسطيني تخصيص مقال منفصل.