الطالب الذي عَلَّم أستاذه

١٢ آذار ٢٠١٩

الابنُ المحترم ساجي، وطالبي الذي علّمني:

تبحث الأقدارُ في فلسطين عن مصائرَ لا يتوقعها عقل، ويصير الواقعُ أبلغَ من حكايته، ويحدث أن يُعلِّمَ الطالبُ أستاذَه لا العكس، يحدثُ هذا يا ابني دون تكلُّف، فأنت كنت ملاكي الحارس منذ رحلت، ورجلي الشجاع الذي علَّمني أن أوقف دموعَ 35 طالباً في المحاضرة، وصرت مهجةَ قلب كل أستاذ وأستاذة في جامعة بيرزيت.

كنت ملاكي الحارس يا ابني لأنني قبل أسبوعين عندما ضاقت الروحُ من جنودِ حاجزِ عطارة، ورفعت صوتي على الجنود، وجدتك تبتسم لي، وشجاعتُك تقودُ شجاعتي وجبينُك يرفع جبيني، رأيت لحظةً فارقة كنت فيها أنت الحقَ الجميلَ، وكانوا هم الجهلَ والبشاعة. فهمت كيف يثور الحرُ بعقله وقلبه، وكيف يقتلُ الجاهلُ بغدره ونذالته. تعلمت منك كيف يحلم الولدُ الفلسطيني ويموتُ مبتسماً قرب فرسِه في القرية، وكيف يقتلُ الاسرائيليُ بجبنٍ من خلف أسوارِ الإسمنت والتحصيناتِ والأسلاك الشائكة، عرفت الفرقَ المعنوي والثقافي بين من يزرعُ ثورة على تلة وبين قاتل يتحصن في ثكنة.

الابن المحترمُ والطالب المجتهد ساجي:

شاء القدرُ أن أكون أنا أستاذاً جديداً في بيرزيت وشاء القدر ذاتُه أن تكون أنت طالباً جديداً، التقينا بسرعة، اعتذرتَ أنت عن الحضورِ اليومي، وانشغلنا نحن في بقائك الأبدي.

وعندما عدتَ لتودعنا، رأيت الطلّابَ والطالباتِ يكبُرون فجأة ويتحولون إلى آباء وأمهات، يرفعون رؤوسَهم بشهادةِ الابنِ الطيب والمحترم والعصامي.

ورأيت كلَ أساتذةِ بيرزيت وموظفيها يتركون محاضراتِهم وينتظرونك على الباب تائهين بين مجازِ المجد للشهداء في اللغة، والانكسارِ والدموعِ النبيلةِ التي نزّت من عين كل أستاذ وأستاذة.

كانت صعبةً جداً يا ابني المحاضرةُ الأولى بعد وداعك، وهناك تعلمت منك أن أكون أباً لخمسةٍ وثلاثين طالبةً وطالبة، أمنعهم من البكاءِ في المحاضرة، وأدعوهم إلى تجاوزِ الخوفِ وبناءِ المعنى والقيمةِ من الموتِ في فلسطين، واستعادةِ الراحلين دموعاً خفيفةً وابتساماتٍ صعبة بمستقبلٍ لا يغيبون عنه، بل يصنعونه بكل أناقة وفخر.

طالبي العزيز: لا تحرر الخبر ولا تلتقط الصورة ولا تكتب التقرير ولا المقال، فأنت القصة كلها. ثم إنَّ الصحافة بحاجةٍ إلى كلامٍ كبيرٍ عن الموضوعية، الموضوعية التي خسرها زميلي محمد دراغمة عندما كتب عنك في صحيفة الحياة اللندنية بدموعه لا بقلمه. والتي رواها زميلي أمجد سمحان باعترافاته لا بمعلوماته.

الابنُ الحبيب ساجي:

كنت أضيقُ ذرعاً عندما كنت طالباً من نداءاتِ التربويين علينا: "يا ابني... يا بنتي"، واكتشفت عندما رحلت أننا يجب أن نقولَ هذه الكلمة في كل محاضرة ومع كل امتحان.

اتفقتُ مع زملائِك على ابقاءِ اسمِك في دفترِ الحضورِ والغيابِ حاضراً الى آخرِ الفصلِ الدراسي، وعندما ناديتُ على اسمِك في أولِ محاضرةٍ بعد غيابك (ساجي صايل محمد درويش جرابعة)، سمعتُ أكثرَ من طالبٍ وطالبة يقولون: نعم.. حاضر.. موجود.

أيتُها العائلةُ المحترمة، عائلةَ ابننا جميعاً ساجي، كلُ العزاءُ لكم وكلُ الحنانِ عليه، وأنت يا فقيدَنا الغالي نأتمنُ عليك السماءَ والأرضَ والذاكرةَ فأنت: نعم.. موجود.. حاضر.

نُشِر هذا المقال في 16/05/2014