الطريق إلى يافا

١٧ كانون الأول ٢٠١٦

أبطأت سيارة الفورد الصفراء السير، ثمّ توقّفت نهائيًا، أخذتُ حقيبتي ونزلتُ منتشيًا، وذاك الشعور المُنتظر، مذ كبرتُ، يستبدّ بي، نظرتُ إلى رفيقيّ ولم نتكلم، أية كلمات تندلقُ الآن من شفتيّ المرتخيتين لأقذفها في هذا الفضاء، وسط نوبة من المشاعر والآهات القديمات اللواتي انعتقن من فُوّهة البركان الحميميّ، وتناثرن في الجو؟

يافا الآن على بعد حاجز واحد؛ البحر، البنايات القديمة، ذاكرتي المدفونة، يافا التي قرأتها، تنتظر وراء بضع متاهات حديديّة وقليلٌ من الجنود وثلاث شاشات في ثلاث مكاتب.

وقفنا في الطابور، صوت وشوشات وصراخ آخرين وتهامس شابين صغيرين “يبدو أنّهما يخطّطان لجمع أكبر عددٍ من الجميلات في يافا”… وأنا أصمت متلهفاً فيما كانت دفقةٌ من الخيالات المتداخلة تغزوني.

كثيرٌ من الصمت وكثيرٌ من الانتظار والازدحام وقليلٌ من الحزن، والزمن لا يمضي؛ ذاك الذي لم يعد محض عقارب ساعة نترقّبها، بل أنصال حادّة تنغرس في قلبي.

العرق يتصبّب على وجوهنا فيحطُّ الذباب عليها يتسكّع في رحاب لزوجتها وأنا أنتظر، أطيل التفرّس في الوجوه؛ وجه عجوز يمتلئ بالأحافير والتجاعيد كأن الزمن كان شلالَ مياهٍ تدفّق ليصنعها، يحمل حقيبته الصغيرة على كتفه فيما تتكلم عيناه، تقولان أشياء كثيرة، قصصًا كثيرة، بكاء، نداءات، توسّلاً، فقداناً، ذاكرة، وأكثر… أزيل نظري إلى أمٍ تنهر طفليها الصغيرين، وهناك شاب يصمت مثلي، ثمة فتاة في بداية صباها ترمي بنظراتِ التأمل إلى كلّ شيء؛ كانت نظرتها عالماً طفلاً، يركض صوب الفرح بعفويّة.

رفيقاي صامتان، هذا يضع يده على ذقنه، والآخر يقضم أظافره بتوتّر مشوب بأمل دفين، تومض عيناه بلمعةٍ تبدو وهلةً بلا معنى وما ألبثُ أن أدركَ ذاك الضوء فيهما… ينظر إلينا ويبتسم، فنبتسم بدورنا، أقدم له منديلاً تحسّباً لأية دمعة تنسكب على غفلة منه، فيأخذها ويمسح بها جبينه المتعرّق.

جاء دورنا أخيرًا…

دخلتُ المبنى الذي اعتدنا آسفين على تسميته “معبر”، وقفتُ في الطابور متوجّسًا، مرتجف الشفتين، وقلبي ينتفض بأملٍ ممتزجٍ بتخوّفٍ ما؛ دوماً أخشى السعادة، مريضٌ بذُعرها…  جاء دوري أمام جندي روسي الملامح، عرضتُ له هويتي وبصَمْتُ متوتراً فصاح في وجهي “انصرف” وانسحبتُ بهدوء رجل مسنّ محاولاً مع جندي آخر حنطي اللون “يبدو أنه شرقيٌّ” ثم مع مجنّدةٍ شقراء، ونفس الصيحة واللهجة تتكرر “انصرف إلى بيتك ” ولم أدخل يافا.

لم أتصوّر يومًا أن الإنسان يمكن أن يحزن بهذا الشكل!… شعرتُ بقلبي يموج في صدري، تمطّت كآبة سوداء فيه… وسمعتُ شيئًا في داخلي يتمزّق وينوح… اجتاحتني رغبة جامحة بالانتحار، رغبة هائجة مثل قلبي، مائجة كالبحر الذي لم أره البتة، متّقدة كالشمس الحمئة التي سلّطت جام نارها على رأسي فيما أنا أنتظر العبور… تستبدّ بي وتلعنني، تتهاوى والكون على صدري وتفتّتُ قلبًا كان يومًا ما يتوهّج، وتأمره بالموت حينًا والسقوط حينًا، كان يراودني شعورٌ آسن بأنّي ببصمتي أسقط، وبتوتّري، وتوجّسي، ونظراتي إلى “المعبر” الذي ليس سوى حاجز على أطراف قرية نعلين… أنا الآن أخونك يا وطنًا أفرط في قتلنا فأفرطنا في نسيانه… ولم أكن أدري أنه وجب علينا أن نخون دولتنا الطفلةَ لنرى ذاك الوطن الكبير!

وإلهنا الذي نعبده لم يعد واضحًا كما كان، فما الذي يحتاجه أكثر من بائس يجلس على أربع أرجل، ويمسّد التراب بجبهته ساجدًا ويبكي خاشعًا، هائمًا في لطفه كي يعبر إلى وطنٍ صار سخيفًا أكثر

ممّا نتصوّر.

ذات يوم كان لنا وطنٌ من أجله كنّا نقاتل، صار لنا دولة مقيّدة وأنا لستُ أكثر من مواطن فُرض عليه قانون ما… شعرتُ بأني قتلتُ الذي من أجله كنا نقاتل وما زلتُ سخيفًا.

صرنا نتزاحم متلهفين للدخول إلى جنتنا خلف الحاجز ببضعة أمتار، ولولا دفع الناس بعضهم لسجدتُ مرّة أخيرة بين الملأ ذليلاً لربّي، شاكيًا له سخافة دولتي، راجيًا منه أن يغشي عليهم بصيرتهم وأن يُعيدني إلى وطني، وأقسم بقلبي التوّاق أنّني لن أنظر إلى الخلف! “أغشِهِمْ إلهي فَهُم جيداً يبصرون!”

كان يسوقني كما تُساق الأغنام ” انصرف… على بيتك… روح” ولذت بالصمت شاعرًا بوجع الخيبة يستبدُّ بي، ويلعنني، ويخنقني، وليس ثمّة غير الصمت، أنا خرستُ! وخرجتُ ورفيقايّ، وبتُّ متيقناً بأن تجربتي لم تكن سوى ضربة طيشٍ، والأمل فيها قنديل مطفأ في ليالي البائسين المؤمنين بأن لهم وطناً خلف الحاجز يستحقون احتساء الهواء وعبق الماضي فيه… أولئك البسطاء، تمامًا مثلي، المنكفئون على وجوههم في دولة أخرى غير التي رسم التاريخ معالمها وغير التي كانوا يتمنّون.

فكّرتُ مجنونًا بوضع نهاية لهذا الوجود الذي أتقيّأه في كل صيحة من جنديٍّ يتقن جيداً وظيفته، وفكرة انفعاليّة بقتلنا معًا ونلتقي في العدم لنكمل الصراع… ثمّ انتهى الأمل إلى جحيمٍ أسود يسحق في كلّ يومٍ آمال الحالمين… أحاولُ أن أنسى أني تعيسٌ فأفرطُ في الثمالةِ، تتشنّج أصابعي على كأس العرق الرخيص فأسكر وأسكر أترنّح فأقعُ أرضاً وأدركُ أني تعيسٌ أكثر مما كنتُ أعرفُ. فلذتُ بالصمت الذي له مذاق اليأس في عتمة الانتظار، ولم يزل صدى صيحات الجندي يدوّي في أذنيّ ويعتمل في قرارة نفسي، وكل تلك الجسور التي رسمتها بيني وبين يافا لم توجد قط، لم تبنَ قط… كسر رفيقي صمتي مثل لوح الزجاج وهو يصرخ “سأدخل بالتهريب”

* * *

بعد ساعاتٍ عاد رفيقي بوجهٍ متعرّق ومتّسخ، وملابس مهترئة مع قليلٍ من الدم، شتم وصرخ، ولم يكفِ صراخه لتخرج كل الكلمات البذيئة التي كان يمكن أن أقذفها، أحسستُ بأن كل الكلمات العاهرة جفّت في حلقي ولم تتهاوى على هذا العالم… ليس ثمّة من كلمة أو شتيمة أو بصاق، بل ليس ثمّة من أي فعلٍ يكفي، هزّني رفيقي:

“تكلّم يا ابن الكلب!”

وبقيتُ على حالي، فأردف:

“ما أبغض صمتك لحظة الخيبة!… تمزّقني الخيبات يا رفيقي فاحكي أي شيء… لحقني الجنود، خلف بأقدامهم وقنابل الغاز، هربتُ إلى الشيك، دخلتُ من تحته فمزّق جلد ظهري… أنت مصرٌ على الصمت؟… تكلّم يا ابن الكلب!”

“لا أعرف”

لا أعرفُ أي شيء… لا يقين عندي إلا أن لي خلف السياج مدينة جميلة هي يافا… وكي لا تمزّق الأسلاك الشائكة ملابسي وجلدي سأقطعها في الغد، وأدخل.

بُعيد آذان الفجر غسلتُ وجهي ثم وضعت مقصّ الحديد على كتفي منسلّاً من العراء صوب سياجٍ صارت تبدو أكثر هشاشة من أي وقت مضى فأخذت مشاعري بالتهيّج والتوتّر المشوب بأمل ما.

وضعتُ هُويّتي جانبًا تحتَ صخرة ما، ورميتُ نظري خلف السياج حالمًا بيافا، ترددتُ قليلاً حين لمحتُ عمّالاً يتسللون من فوق السياج ويتمزّقون حالمين بلقمة العيش. قطعتُ السياج بعد لحظات، ألقيتُ المقص من يدي ودخلتُ مسرعًا… سمعتُ صوتًا عبريّ اللغة يصيح بالعمال فعدتُ زحفًا إلى القرية، مؤجّلاً ما عزمتُ عليه. بعد ساعتين ونصفّ امتلأت القرية ضجيجًا بخبر مقتل بضعة عمال بتهمة قطع السياج واجتياز الحدود.