العصيان المدنيُّ في السودان

٢٦ كانون الأول ٢٠١٦

قد مرّ طاغيةُ من هُنا ذات ليل

أَتى فوق دبّابةٍ

وتسلَّق مجداً

وحاصر شعباً

غاص في جسمه

ثمّ هام بعيداً

ونصَّب من نفسه للفجيعة رَبَّا

حين كنت اتدرَّب في محكمة جنايات بحري في الخرطوم، بحثت في الدار السودانيّ للكتب عن دواوين شعريَّة للشاعر السودانيَّ محمد الفيتوري، فقال لي موظف المكتبة “أنَّ الفيتوري قد مُنِع منذ أنْ قامَ جعفر النميري بإسقاط الجنسية السودانيَّة عنه عام 1974. وحين قام الثوار برفع أشعاره في ثورة 1985، حظره البشير بانقلابه 1989 مرةً أخرى، وهكذا مات الفيتوري ممنوعاً من دخول السودان هو وشعره”.

عانت السودان في السنوات الأخيرة من ازدياد نسب البطالة والفقر. وسوء المرافق الصحيَّة ونقص في الأدوية وخصخصة المستشفيات وتردّي وضع التعليم وبيع الممتلكات العامة للأجانب (الخطوط الجويَّة السودانيَّة)، ولكن جاء شهر نوفمبر الحالي معبراً عن احتدام الصراع الطبقيّ وانصهار التناقضات لتصل ضرورةَ الثورة الاجتماعيَّة وضرورة تحرير التاريخ السودانيّ من سيطرة البرجوازيَّة الدينية. متمرسين على تكتيك تجربتهم التاريخيَّة بإسقاط النميري  التي بدأت بمظاهرات وعصيان من مجلس طلبة امدرمان وانتهت باستيلاء الشعب على السلطة في السادس من أبريل 1985، بدأ العصيان المدنيّ.

بدأ العصيان المدنيّ في العاصمة الخرطوم قبل أيام، بعد ثلاث قرارات حكوميَّة جاءت كالتالي؛ الأول، قرار بنك السودان في الأول من شهر نوفيمبر الحالي بإضافة حافز بنسبة 123% لسعر العملة الأجنبيَّة، حيث انخفضت قيمة الجنيه السودانيّ أمام الدولار من 6.48 ليصبح 14.5 جنيه سودانيّاً لكل دولار. وبعد هذا القرار أخذت السلع في الأسواق تتضاعف. والثاني قرار البرلمان في العاشر من نوفمبر الذي نصَّ على رفع الدعم عن الموادِّ البتروليَّة مما رَفَعَ سعر جالون البنزين من 21 جنيه ليصل 27 جنيه. والثالث قرار بنك السودان برفع الدعم عن الدولار المدعوم للأدوية مما أدى لارتفاع أسعار الأدوية المدعومة بنسبة 900% وما يزيد عن هذه النسبة في بعض الأدوية حيث قفزت حقن مرضى الكلى من 48 جنيه لتصل 1200 جنيه. وهكذا أعلنت نقابة الصيادلة والأطباء بدء الإضراب، ودعا الحزب الشيوعيّ السودانيّ في بيان له في أواسط نوفمبر الحالي للانتفاض: “إن المعركة مع النظام بعد اكتمال كل شروط زواله تستوجب استنهاض كل أشكال المقاومة لسياساته، عبر أشكال العمل المختلفة، وإن تحقيق الانتفاضة والعصيان المدنيّ والإضراب السياسيّ لا يتأتى إلا عبر التجهيز الجيّد لذلك. فلنعمل معاً بالتظاهر والمقاومة اليوميَّة بكافة الأشكال والضغط لإطلاق سراح كافة المعتقلين مع العمل لتكوين أوسع جبهة للمقاومة في المحليات المختلفة مع اتخاذ الحيطة والحذر من ألاعيب النظام التي أضحت مكشوفةً للجميع”.

وقامت الحكومة العسكريَّة السودانيَّة باعتقال الأطباء والصيادلة لإنهاء إضرابهم، واعتقال قادة من الحزب الشيوعيّ السودانيّ وبعض أعضاء مجاس طلبة جامعة الخرطوم بعد تصديهم للزيادات على الأسعار من خلال دعواتهم للتمرّد والمظاهرات والإضرابات العامة، الذين اقتصرت مطالبهم في البداية علىتراجع الحكومة عن قراراتها بالإضافة لعلاج الحلات الحرجة والأطفال مجاناً وتحسين شروط عمل الأطباء والتكفُّل بحمايتهم والإفراج عن المعتقلين السياسيين. وبعد أيام من سكوت الحكومة جاءت ضرورة التصعيد فدعت القوى الشعبيَّة والأحزاب السياسيَّة لبدء العصيان المدنيّ السلميّ الكامل في السابع والعشرين من نوفمبر، وازدياد سقف المطالب ليشمل إعادة بناء كافة القطاعات من خلال تحقيق الخطوة الأولى وهي إسقاط نظام عمر البشير وحزب المؤتمر الوطني.

يبدو أنّ موظّفَ المكتبة قد أخطأ، فلا يمكن لأشعار الفيتوري أن تبقى خارج السودان وبعيدةً عن متناول الشعب طول الزمان، فلا بدَّ لها –وإن بعد حين- أن تعود ليهتف الشعبي:

قد مرّ طاغيةُ من هُنا ذات ليل

ثم هام بعيدًا