العمال في مهب الفصل التعسفي دون رادع يذكر

١١ كانون الثاني ٢٠١٨

عرّفت محكمة النقض الفلسطينيّة الفصل التعسفيّ على أنَّه: "حالات استعمال الحقّ بطريقة غير مشروعة"، والمقصود بالحقّ هنا هو حقّ ربّ العمل بإنهاء العلاقة العماليَّة مع العامل لديه.


ويترتب على هذا التعريف أنَّه وعلى الرغم من أنَّ حقّ إنهاء عمل العامل هو حقّ طبيعيّ لرب العمل؛ إلّا أنَّ القانون جعل سلطة ربّ العمل باستعمال هذا الحقّ مقيَّدة، وذلك بالنص على مجموعة من القيود القانونيَّة التي من شأنها أن تكبح جماحه عن التعسف باستعمال حقّه ضدّ العامل هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى عمل المشرِّع الفلسطينيّ على إقرار مجموعة من الضمانات القانونيَّة التي تكفل حماية العامل من خطر التعسف الذي قد يكون عرضةً له نتيجة استعمال ربّ العمل لحقّه بطريقة غير مشروعة.
التعويض عن الفصل التعسفي مثلاً هو أحد تلك الضمانات التي نصّ عليها المشرِّع في قانون العمل الفلسطينيّ. إذ ابتغى منه حماية العامل من الخطر الذي يحدق بمصالحه وبمصدر دخله الوحيد طيلة سريان مدة عقد العمل، الخطر المتمثل بإنهاء العلاقة العماليَّة بإرادة ربّ العمل وحده، حيث أنَّه وحتى يستطيع ربّ العمل إنهاء العلاقة العماليَّة بينه وبين العامل بوجه مشروع يجب أن يتم ذلك بالاتفاق، او بإرادة ربّ العمل المنفردة مع توافر أحد الأسباب التي نصّت عليها المادة (40) من قانون العمل الفلسطينيّ، والتي تجيز لربّ العمل إنهاء عقد العمل بإرادته المنفردة نتيجة مخالفة العامل لقواعد قانونية معينة، وإلا إذا ما أقدم ربّ العمل على إنهاء عقد العمل دون اتفاق أو دون توفّر أحد الأسباب المسوّغة لذلك استحق العامل تعويضاً عن إنهاء عمله بصورة تعسفيّة.

عند الحديث عن قيمة التعويض المستحَّقة للعامل الذي أٌنهيَ عملُه بصورة تعسفيَّة يُشار إلى المادة(47) من قانون العمل الفلسطيني لعام (2000)، والتي بينت الأحكام الواجب اتباعها في احتساب قيمة التعويض المستحقة عن الفصل التعسفي؛ والتي تنص على الآتي: "مع احتفاظه بكافة حقوقه القانونية الأخرى، يستحق العامل تعويضاً عن فصله تعسفياً مقداره أجر شهرين عن كلّ سنة قضاها في العمل على ألّا يتجاوز التعويض أجره عن مدّة سنتين".

ويُفهم من نصّ المادة أنَّ العامل الذي فُصِلَ تعسفيّاً يستحق تعويضاً قيمته أجرة شهرين عن كل سنة قضاها في العمل، مع بقاء هذه القيمة محدودة بسقف أعلى قيمته الأجرة التي كان يتقاضاها العامل عن عمله لمدة عامين أي 24 شهراً، وهذا ما فهم قضائياً واستقر العمل به في المحاكم طيلة السنوات الماضية في مختلف درجات التقاضي في نظر دعاوى التعويض الناشئ عن الفصل التعسفي.
يُعتبر ما سبق ذكره في الأعلى مقدّمة افهام وتوضيح للواقع القانوني المستقّر في هذه المسألة، وذلك قبل أن تُصدر محكمة استئناف رام الله حكماً قضائياً في واقعة استحقاق تعويض ناشئ عن فصل تعسفي بتاريخ 22/3/2017، وقد أسّست الاستئناف حُكمها الصادر بالدعوى المنظورة على تفسير قضائي مغاير للمادة السابق ذكرها (47) من قانون العمل؛ والتي بينت بصورة جلية لا لبس فيها الطريقة القانونية لاحتساب قيمة التعويض استناداً للأحكام التي سبق ذكرها.

ويقوم التفسير المستجد للمادة المذكورة على أن قيمة التعويض المستحقة هي أجرة شهرين عن كل سنة قضاها العامل في عمله، مع اعتبار شرط السقف الأعلى الذي تحدثت عنه المادة هو ألا يزيد مبلغ التعويض بالإجمال عن المبلغ التعويضي المستحق عن مدة عمل سنتين وهو حسب القاعدة العامة شهرين عن السنة الواحدة، وعن السنتين أربعة شهور ، بالتالي السقف الأعلى لقيمة التعويض حسب ما صدر عن محكمة الاستئناف يكون اجرة أربعة شهور لا اجرة سنتين (24 شهر) كما سبق وأوضحت المادة؛ وذلك مع العلم أنَّ حكم محكمة الاستئناف قد صدر بعد أن حكمت محكمة البداية بالدعوى ذاتها -بصفتها محكمة درجة أولى- على أساس التفسير المستقر للمادة (47) بواقع أجرة 10 أشهر عن مدة عمل 5 سنوات، إلا أنَّ محكمة الاستئناف عدّلت في الحكم على أساس التفسير الطارئ الذي تمَّ توضيحُه في الفقرة السابقة لتجعل قيمة التعويض المستحق هي أجرة العامل عن عمله لمدة أربعة شهور. وبعد نظر الدعوى أمام محكمة النقض بصفتها محكمة رقابية تنظر في مدى تطبيق محاكم الدرجة الأولى والدرجة الثانية لنصوص القانون في الأحكام التي تصدر عنها قررت محكمة النقض تأييد حكم محكمة الاستئناف على أساس التفسير المستجد لأحكام احتساب قيمة التعويض، مما أدى بالنتيجة تضارب هذا الحكم الجديد مع ما استقر عليه القضاء الفلسطيني في السابق.

بناء على ما سبق وبعد تأييد محكمة النقض للحكم الأخير نجد أنَّ غاية المشرِّع من إقرار ضمان التعويض عن الفصل التعسفي قد تم تهميشها في فحوى هذا الحكم، فليس من المعقول اعتبار هذا الضمان رادعاً لأرباب العمل عن التعسف باستعمال حقّهم ضدّ العمال وإنهاء عقد العمل في أيّ وقت ولأيّ سبب كان وقد حدد هذا التعويض بسقفٍ أعلى قيمته أجرة أربعة اشهرٍ من العمل! الأمر الذي من شأنه فتح الأبواب أمام أرباب العمل ودفعهم للاستخفاف والتهاون بحقوق العمال وضماناتها المقرَّة حسب القانون.

تأويل ما لا يحتمل التأويل وزعزعة الاستقرار القانوني في هذه المسألة ليس بالأمر الهين! تحوّل القضاء للجهة المقابلة للعامل وحقوقه وضمانات حمايته يحتّم على جميع العمال والأطر النقابية الوقوف عند هذه القضية وعدم تمريرها والسلام!


اقتباس من الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف: 

صورة القرار الصادر عن محكمة النقض 813/2017: