العمل من مسافة صفر: تعقيبات على أعمال لافتة

١٣ شباط ٢٠١٧

أُنتجت في السنوات الأخيرة مجموعة من الأعمال السينمائية اللافتة التي تحمل سمات جديرة بالملاحظة والاهتمام.  سأتطرق في هذه المقالة إلى بعضها، مشيراً إلى ما يثير اهتمامي بشكل خاص في كل واحد من هذه الأعمال، وإلى ما أراه ملهماً وجديداً فيه.  أعتقد أن كلاً من فيلم "متسللون" لخالد جرار، و"روشميا" لسليم أبو جبل (الجولان)، و"المطلوبون الـ 18" لعامر الشوملي، و"استعادة" لكمال الجعفري، و"اصطياد الأشباح" لرائد أنضوني يشكل، بطريقته الخاصة، إضافة مهمة إلى رصيد السينما في فلسطين.  تحمل هذه الأفلام بذور توجهات جديدة، سواء فيما يتعلق بالطريقة التي يتناول فيها المخرج موضوعه (الفلسطيني)، وبموقع المخرج منه، أو فيما يخص موضوع الذاكرة.

ما أجده مثيراً في فيلم "متسللون" (وثائقي، 70 دقيقة، 2013) غير الجرأة والشجاعة الكبيرتين (من جانب مخرج الفيلم ومصوره خالد جرار) اللتين انطوى عليهما صنع هذا الفيلم، حيث يتشارك الفنان خالد جرار (القادم من حقل الفنون البصرية)، مع موضوع فيلمه؛ العمال المتسللين عبر الجدار إلى مناطق عملهم داخل الخط الأخضر، خبراتهم اليومية القاسية ومغامراتهم الخطرة، وترقباتهم الطويلة التي يمرون بها، هو انغماس الفنان الشديد في التجربة أثناء تكوين عمله الفني، والالتحام مع واقع شخصياته بشكل يكاد يكون تطهرياً، ليقدم، من مسافة صفر، صورة مفصلة ومؤلمة عن حياة هؤلاء الأشخاص، وغيرهم ممن جعل الجدار وأجهزة دولة الاحتلال كل يوم في حياتهم فصلاً تراجيدياً وصراعاً مريراً مع العبث الإنساني.

إن التحام الفنان بموضوع عمله، دون الإبقاء على أي مسافة بينهما، بحيث لم يعد واقع ما مجرد موضوع بحث أو عمل فني على أهمية الأمر، ينطوي على مقولة صريحة من قبل الفنان تجاه ذلك الواقع، والقضايا التي يعمل عليها، والكيفية التي ينجز بها عمله.  ويمكن القول إن البذور الأولى لهذا التوجه بدت في الأعمال المبكرة لجرار، ولا سيما في فيديو "عبور" (2008).

نرى في ذلك العمل المخرج وقد غاصت قدماه حتى الركبتين ريحة وذهاباً في مجاري المياه العادمة، وهو يتتبع رحلة الذاهبين والذاهبات إلى القدس (من أجل الصلاة غالباً) في ذلك المعبر الذي يمر من تحت الجدار، ليجعل من عمله في ذلك المكان بعتمته ورائحته النتنة والأقدام التي تخوض في "نجاسته" في طريقها إلى "المقدس"، علامة فارقة في توجهه ومسيرته.

ويمكن تناول فيلم "روشميا" (وثائقي، 70 دقيقة، 2014) من زاوية قريبة، فأرى أن معايشة مخرج الفيلم ومصوره أيضاً، سليم أبو جبل (الجولان) لحياة الزوجين العجوزين، وهما الشخصيتان الأساسيتان موضوع الفيلم، أمر مثير للإعجاب، ما مكنه من بناء الثقة الضرورية، وبالتالي امتلاك دراية ثاقبة بجوهر هاتين الشخصيتين الطاغيتين في حضورهما وقوتهما، وببؤر التوتر والصراع الذي يدير شؤون علاقتهما الملتبسة والمهددة بالانتهاء، كلما اقتربت قصة ذلك المكان؛ الملجأ الهش الذي يجمعها في وادي روشميا قرب حيفا، من نهايتها، لينتهي أبو جبل بتقديم عمل وثائقي يكاد يكون مسرحية مصورة لصمويل بكيت.

إن الوقت الذي صرفه المخرج في معايشة شخصياته، إلى الحد التي تآلفت فيه مع وجوده الصامت الذي لم يعد ملاحظاً، بل ربما وصل حد الاختفاء أو كاد، جدير بالانتباه والتقدير.  وكذلك بلاغة الفيلم في القبض على طبقات مركبة من المعنى الذي يتجلى في مواجهة الفرد (الفلسطيني) المجرد من كل أسباب القوة والبقاء، سوى من قوة ذاكرته وإصراره على الصمود، لمصيره وخياراته أمام سطوة أجهزة دولة تسعى، بشكل ممنهج لا يكل، إلى تعطيل تلك الذاكرة، وإلى إيقافها عن العمل، وإن تطلب الأمر تدمير كل أماكن وأسباب توالدها، حتى تستسلم أمام الرواية النقيضة، وسطوة التاريخ الرسمي، لأن تلك الذاكرة الحية تواصل فعلها في زعزعة الحاضر، وإبقاء شبح الماضي حائماً في المكان.

أما فيلم "المطلوبون الـ 18"، (وثائقي ورسوم متحركة، 75 دقيقة، 2014) فأرى جديده في تناوله للانتفاضة الأولى، تلك اللحظة الفارقة والبطولية في حياة الشعب الفلسطيني وفي ذاكرته ووجدانه.  بقيت الانتفاضة حتى وقت قريب أرضاً بكراً من حيث المعالجة الفنية أو الأدبية، حيث حالت التطورات السياسية التي أعقبتها، وما خلقته من واقع جديد، دون إتاحة الفرصة للتأمل في تلك التجربة.  ينجح الفيلم، بشكل استثنائي، في استحضار طاقة الانتفاضة الأولى ممسكاً بها من إحدى ذرواتها وتجلياتها؛ تجربة أهالي بلدة بيت ساحور في المقاومة والعصيان المدني والاكتفاء الذاتي.

إن الشكل الذي اتخذه كاتب الفيلم ومخرجه، عامر الشوملي، في معالجة موضوعه ثوري، من حيث مزاوجة الوثائقي الصرف بفن تحريك الرسوم، مقدماً هذه التجربة الملهمة من خلال تناوب جريء ما بين الحاضر بشخصياته التي تسرد قصتها برصانة وقوة ووضوح ممزوج بالألم، في محاكمة غير معلنة للحاضر الذي يبدو مهزوماً ومغلق الأفق، وللقيادة السياسية التي استعجلت استثمار تلك الثورة الشعبية فسقطت، وأسقطت الناس معها، في شرك اتفاقية أوسلو، وبين ذلك الماضي المنتصر الذي يعاد استحضاره بالرسوم المتحركة، وكأن الأمر يدور عن حكاية من نسيج الخيال، حيث نشاهد قصة مجموعة من البقرات المطاردة، من قبل أجهزة دولة الاحتلال بحجة تشكيلها خطراً على أمنها.  وهذه المزاوجة الجريئة تمكن العمل من امتلاك لغة فنية قادرة على الانتشار على مستويات متعددة ومتشابكة وواسعة.

إن السياق السياسي والاجتماعي الذي جاء فيه الفيلم، والذي يشهد تفتتاً غير مسبوق في النسيج المجتمعي، وإفلاساً للمشروع السياسي، وتداعياً للمشروع الوطني برمته، تزيده حالة الانقسام السياسي تردياً، يجعل من هذا العمل عملاً ملهماً واستثنائياً، وإشارة إلى طريق الخلاص من مأزق الحاضر، لأنه يستحضر ذاكرةً نقيضةً شهدت تماسكاً وتضامناً مجتمعياً منقطع النظير، وإرهاصات حقيقية بالخلاص الجمعي.  وعلى مستوى العمل نفسه، تتجلى روح الانتفاضة في بناء مشهد المقاومة الشعبية لجنود الاحتلال الذي يرد في الفيلم من قبل مئات الناس الذين هبوا للمشاركة التطوعية.  عائلات بأكملها هبت مستجيبة لنداء المخرج عبر الراديو، ليتولى الأهالي زمام العودة إلى تلك اللحظة البطولية وتقديمها على طريقتهم مع تنحي المخرج عن لعب أي دور في ذلك، سوى حرصه على تقديم الصورة، هذه المرة، من منظور الناس ومن بينهم، وليس من منظور المراقب البعيد للحدث.

إن هذا الفيلم ينجح، بطريقة فذة، في تصوير الجانب العبثي في الاحتلال، مُسفِّهاً منطقه وسياساته وجيشه، وجاعلاً منه محلاً للسخرية، وفي الوقت ذاته ينجح في القبض على روح الانتفاضة كتجربة جمعية تركت آثارها عميقاً على كل من عاشها، وفي نقل هذه الروح إلى الأجيال الجديدة التي كانت ترى فيها فقط حلقةً من تاريخ بعيد، ولاسيما من منظور اللحظة الحاضرة.  ولا بد، أيضاً، من لفت النظر إلى حشود الناس التي قدمت لمشاهدة الفيلم من كل حدب وصوب، وكأنهم بذلك يودون العودة، ولو مجازاً، إلى تلك اللحظة المنتصرة والمليئة بالمعاني والكرامة الوطنية، وإعادة الوصل معها.  هذا فضلاً عن النجاح الكبير الذي حققه الفيلم في الخارج.

يصعب الرضى بتصنيف مريح لفيلم كمال الجعفري "استعادة" (70 دقيقة، 2015)، حيث يقترح شكلاً سينمائياً مغايراً لما ألفناه، ما يجعله يصلح لأن يعرض في صالات المتاحف، أو مراكز الفنون المعاصرة، كما في صالات السينما(تيك).  الفيلم نتاج لعملية مضنية من المشاهدة المنفردة للعديد من الأفلام السينمائية الإسرائيلية والأمريكية التي تم تصويرها في يافا خلال عقود الستينيات وحتى التسعينيات.  يتتبع المخرج خلال هذه الأفلام الأطوار المختلفة التي مرت بها مدينة طفولته ومراهقته.  وفي محاولة منه لاسترداد أمكنة ذاكرته الأولى، انخرط في عملية مونتاج مركبة ليبني مشاهد جديدة، بعد أن قام بمحو الشخصيات السينمائية المقحمة على المكان، واستحضر في المقابل شخصيات المكان الأصلية التي حاولت السينما نفسها نفيها تماماً من المشهد، لكنها كانت تفرض، بحكم وجودها الطبيعي (التراجيدي) في المكان، حضورها الغامض على الكادر، وإن بشكل هامشي أو شبحي احياناً.

إنه محاولة استرداد لمكان في طور الإنمحاء، بعد أن حاولت السينما مصادرته وإفراغه من طبقات المعنى الكامنة فيه، وتبديل ذاكرة أمكنته، بذاكرة جديدة قابلة للاستهلاك والنسيان، إلى جانب إمعان أجهزة دولة الاحتلال في محاولاتها المتواصلة طمس ملامحه ومحوها.  إنه محاولة (مجازية) لاسترجاع المكان بأناسه الحقيقيين، ومواقع ذكرياته عبر تعقب حارات هذه المدينة وأحيائها وأزقتها وشوارعها وعتباتها وأدراجها وشرفاتها وشبابيكها، ونوافذها وأبواب بيوتها في أفلام واكبت، من حيث لا تقصد، التحولات التي فرضت عليها، وتقصدت إقصاء أهل المدينة الأصليين، ونفي من بقي منهم خارج الكادر، بل وساهمت، أحياناً، في المحو الفعلي للمدينة لدرجة أنه في فيلم "دلتا فورس" (1986) بطولة تشوك نوريس، يتم فعلياً تفجير مدرسة بكاملها.

يشكل هذا العمل اختراقاً في التعامل مع الأرشيف السينمائي.  فالأرشيف في هذا الفيلم الذي هو كله مادة أرشيفية، يكف عن كونه إشارة إلي الماضي أو إحالة إليه أو شاهداً عليه، بل إن المخرج يشد كل ذلك الماضي إليه في نص ختامي يمرره على الشاشة، منقذاً المدنية وأؤلئك الأشخاص من النكران أو النسيان أو الإنمحاء الأبدي، أو على الأقل، من حالة التشرذم في الأرشيف والتاريخ والرواية.

إن ذلك الأرشيف السينمائي الذي يقدم لنا يافا خاوية؛ خواء يكاد يكون سينمائي الصنع، بحيث لا يقطعه سوى صوت البحر وتلاطم أمواجه على شواطئ فارغة ومهملة، حيث البحر هو الموتيف الأشد حضوراً في تردده، بين الحين والآخر، بأمزجة مختلفة، ما يضفي غرابة، ويطرح تساؤلات بديهية عن سبب خواء هذه المدينة ببيوتها الجميلة التي تقابل البحر، واختفائها المتصاعد، هو الأرشيف ذاته الذي يحمل شهادة على شكل المكان الأول، الذي يتضح ظهوره، وتزداد ملامحه حضوراً واكتمالاً كلما ذهبنا أبعد في مشاهدة مقاطع من الأفلام المبكرة.

في هذا العمل، يواجه المخرج السينما بالسينما، والمحو بالمحو، لكن المحو الذي يمارسه الجعفري محو رمزي، أو ربما نبش في طبقات الصورة من أجل استرداد أمكنة الذاكرة الأولى والأليفة.

يمكن تخيل تجربة المخرج القاسية في مشاهدة تلك الأفلام رحلة مؤلمة في التذكر، تغرورق لها العيون، مثلما اغرورقت عينا بطل فيلم "سينما براديسو" وهو يشاهد المقاطع التي تم إبعادها بسبب مقص الرقيب، أو ربما تشبه، ببساطة، إزالة طبقة من الغبار السميك عن وجه صورة تطلق العنان لتدفق سيل لا ينضب من الذكريات، ويشبه، أيضاً، إعادة الزمن المستحيل إلى الوراء قدر المستطاع، إلى ما قبل الكثير من الخسارات الكبيرة التي نتكبدها مع مرور الوقت، من أجل استعادة زمن الطفولة والمراهقة وأمكنتها وخساراتها الصغيرة.

وتلك الشخصيات التي ظهرت مجردة من فرادتها وصوتها في كثير من المشاهد، وبدت وحيدة ومنزوية، على شرفة بعيدة، أو تستند إلى جدار، أو تمشي في شارع أو زقاق، تنتزع في نهاية الفيلم حضوراً مغايراً وتسترجع أسماءها وسماتها وحضورها، بل يعمل المخرج على جمع شتاتها لتبدأ رحلة المسير معاً. ينهي المخرج الفيلم بنص حميمي جميل مليء بالأسماء يمر على الشاشة، ليخبرنا بأن السيارة المركونة إلى جانب ذلك الجدار تعود إلى عمه، وأن الدرج الإسمنتي يقود إلى البيت حيث ولدت أمه، وأن ذلك الذي يعبر الدرب مراراً هو خاله، وأن تلك المرأة على الشرفة جارته، وأن ... وأن... ، ما يجعل هذا العمل الفني بامتياز شاهداً على نجاح صاحبه، وإن رمزياً، في استرجاع عالم كامل لم يعد قابلاً للنسيان.

أما فيلم "اصطياد الأشباح" (دكيودراما، 94 دقيقة، 2017) الذي يتناول، وبذرائع تبدو علاجية أيضاً، إن استحضرنا تجربة فيلم "صداع" ( وثائقي، 98 دقيقة، 2009) للمخرج نفسه، تجربة الاعتقال القاسية التي عاشها الكثير من الفلسطينيين فرادى في سراديب التحقيق، وتركت في أرواح الكثير منهم ندوباً عميقة وزرعت في دواخلهم أشباحاً.

يحاول هذا العمل، من خلال مشاركة شخصيات حقيقية مرت بتلك التجربة، استحضار ذاكرة السجن، في عملية تراوحت ما بين الجدّ واللعب، والتناوب على لعب دور السجين والسجان، والمحقِّق والمحقَّق معه، في شكل تداخل فيه التسجيل بالتمثيل، والتوثيقي بالروائي، فاتخذ الفيلم شكل تسجيل ليوميات ورشة تصميم وبناء أقبية التحقيق فيما يعرف بالمسكوبية في القدس، كما يحاول تذكرها هؤلاء السجناء، في رحلة بدت في ظاهرها محاولة للتذكر، وفي باطنها العميق محاولة للتعافي والشفاء.  وربما أكثر ما وجدته مثيراً في هذا الفيلم، أن لا فيلم فيه، بل عملية صناعة الفيلم نفسها، العملية (The making of) هي الفيلم، أو على الأقل، هذه الطريقة التي أود من خلالها رؤية هذا العمل السينمائي.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى فيلم شاهدته، مؤخراً، أراه يتقاطع مع بعض سمات الأفلام قيد التعقيب، ولا سيما فيما يخص موضوع الذاكرة، وهو "عمواس: استعادة الذاكرة" (وثائقي، 53 دقيقة، 2016) لديمة أبو غوش.  يقوم الفيلم على عملية بناء ماكيت لقرية عمواس التي دمرها الاحتلال في العام 1967، بمشاركة العديد من عائلة المخرجة وأهل القرية ممن حملوا معهم ذاكرة ذلك المكان، بعد أن تشتتوا داخل فلسطين وفي المهجر.  يشكل موقع القرية في هذا الفيلم مكان الذاكرة والتذكر لأولئك الذين استطاعوا الوصول إليها، في حين يتخذ ماكيت القرية نفسه، في مراحل إنجازه المختلفة، والذي يمثل القرية كما يعاد بناؤها أو تخيلها، مكانة القرية نفسها أثناء عملية التذكر، لأولئك الذين لم يعودوا يستطيعون زيارة القرية، مكان الذاكرة الأول.  والملفت أن من قام بإعادة بناء القرية رمزيا هو الجيل الثالث من أبنائها، الذين لم يخبروا القرية، إلا بعد أن تم تحويلها لما بات يعرف بمتنزه كندا (Canada Park).

ما تقوله هذه الأعمال بقوة أن الماضي للفلسطيني لم يمضِ تماماً، بل لم يمضِ بتاتاً، ويجب ألا يمضي قبل أن تبرأ جراحه وتتوقف عن التحول تماماً، لأنه، الماضي، دائم التوالد والمراوحة في الحاضر والذاكرة.  وأن الفلسطيني غداً يدرك أكثر من أي وقت مضى، أنه لا يملك أن يمضي إلى المستقبل دون ذاكرته.  فمن هو من دون ذاكرة؟ وأي مستقبل يمكن أن يكون له إن استند إلى ممكنات حاضره فقط، التي يتكشف بؤسها يوماً إثر يوم! لذلك، فهو لم يعد ينظر إلى النكبة كفعل تم وانتهى في العام 48، لأن الحاضر يشهد استمرارها وتشظيها وانشطاراتها اللامتناهية في الحياة وفي الحكاية، ما يجعل الكثير من الأفراد، ولاسيما الفنانين والمبدعين، يصبحون صناعاً لتواريخ (ثانوية) جديدة (microhistories) تصب في إعطاء الرواية الجمعية الكبرى، سماتها الحيوية، وملامحها الأكثر فرادة وتفصيلاً، فينقلون بذلك النكبة في تجلياتها المختلفة من حيز التاريخ الجامد إلى منطقة الذاكرة الحية والتذكر الفاعل، ويهزون أركان الرواية المضادة وركائزها، ويقضّون مضاجع الضمير الإنساني.

إن هذه الأعمال تجمع فنياً كل عوامل النجاح على المستويين المحلي والعالمي، حيث تحركها طاقة فعل صادقة تتناول قضايا كبرى من منظور الفرد، وبصفتها، أولاً وأخيراً، شأناً إنسانياً، ولا ترى العام بصفته تذويباً للفردي، فتغيب الملامح الإنسانية عنه، ويصير عرضة للبلاغة والخطابة والترميز.  شفَّت هذه الأعمال عن انخراط عميق من جانب الفنان في واقع عمله بشكل يكاد يكون تطهرياً، ملغياً المسافة بينه وبين موضوعه، خابراً بنفسه التجربة بقسوتها ومرارتها، وخطورتها أحياناً، تاركاً في الوقت نفسه للشخصيات أن تقدم نفسها، دون أن يمنح لنفسه شرف التكلم نيابة عنها، حتى لم يعد مع هذا الانخراط هناك حاجة إلى التعليق، لأن الفعل نفسه يصبح منتهى القول.

وأرى أن هذه السمة تشكل سابقة من حيث تجليها بهذه الكثافة، حتى في مرحلة ما عرف بالفن الملتزم، باستثناءات قليلة ومتفرقة، وهنا لا أتحدث حصرياً عن الأفلام الوثائقية.  فنرى أن عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، مع أنها شهدت ولادة تجارب ملهمة ورائدة، ولاسيما في المسرح والأدب، وبشكل أقل في الموسيقى، فإنها راكمت، وبخاصة في حقل الفنون البصرية (أو التشكيلية كما كانت تدعى حينها) ، كثيراً من الأعمال التي راوحت في منطقة السطح، أو نزع بعضها إلى التبشير، أو الغلو في النوستالجيا أو الجنوح إلى الرمزية، وتعامل كثير منها مع الماضي بصفته ذاكرة معلبة وبعيدة، لا يمكن استدعاؤها سوى بلغة تعبيرية مباشرة، غالباً ما ترى في الفولكلور، ورموز الحياة القروية، مفاتيح استدراجها، دون أن تكون قادرة على التعامل مع الماضي بصفته فاعل في الحاضر والمستقبل.

في المقابل، نرى أن كثيراً من الأعمال الفنية التي أنتجت خلال العقدين اللذين عقبا اتفاقية أوسلو، كشفت عن انشغال الفنان بعالمه الضيق المعزول، تحت سطوة الحاضر المنبَت عن الماضي والذاكرة، لأن أوسلو نفسه نجح، ولو إلى حين، في التسبب في قطيعة مع الماضي، مشكلاً حالة من الانفصام في الواقع، وانفصال في صيرورة الماضي، وكيفية تجليه في الحاضر.  فبدا الفنان إما مراقباً لواقعه، وإما ناقداً له، مبقياً على تلك المسافة الضرورية التي تتركه في منطقة الأمان، وفي الوقت نفسه يواصل بجد عملية البحث عن الأدوات واللغة التي تمكنه من إيجاد موقع له في العالم الجديد المزدحم، دون أن يكفل بالضرورة مثل هذا الموقع في المشهد المحلي، فنرى، أحياناً، أن عدداً من هؤلاء الفنانين يحقق حضوراً لافتاً في الخارج لا يتناسب مع حضوره المحلي الذي يكاد يكون متواضعاً.

إن هذه الأعمال تعبّر عن فرادة ونضج في معالجة قضايا متنوعة (فلسطينية في جوهرها)، برؤية فنية وإنسانية، وبلغة بصرية قادرة على مخاطبة المشاهد محلياً وفي الخارج في آن، دون أي تسوية لصالح أحدهما على حساب الآخر.

 

روابط الأفلام المذكورة في المقال: 

 المتسللون 

المطلوبون ال ١٨

روشميا

استعادة