العنقاء والشعب: الأسطورة والحقيقة

٢٢ آذار ٢٠١٦

عُرف عن العنقاء أنّها ذلك الطائر الذي يقوم بإفناء نفسه حرقاً؛ ليعود بعد ذلك إلى الحياة مجدداً، بانبعاثه من تحت الرّماد كما كان قبل حرق نفسه؛ لكن هل تعتبر هذه الأسطورة المتداولة في الوسط العربي تمثيلاً للحالة التي تعيشها المنطقة العربية اليوم؟

هل هناك نهضة عربية- بعد الأحداث التي تشهدها المنطقة العربية من دمار وخراب أشبه ما يكون بالموت- إيذاناً ببعثٍ جديد؟

موضوع النهضة العربيّة في هذه الفترة يتناوله البعض على “استحياء”؛ كون التكهن أو التوقّع بحدوث نهضة عربيّة يتمّ مقاربته مع الأحداث التي شهدتها أوروبا قبل نهضتها، ربّما يكون التردّد في طرح موضوع نهضة عربيّة محتملة ناجماً عن النأي بالنفس من الوقوع في شرك الخصوصيّة العربية مرّة أخرى.

تلك هي العقبة التي واجهت التيّارات النهضويّة العربية منذ ظهور الأفكار الإصلاحيّة عند محمد عبده والأفغاني؛ فتمثّلت تلك العقبات في العوامل الموضوعيّة التي أدّت بأوروبا إلى النهضة، مع اختلاف درجة تأثير تلك العوامل على الحالة العربيّة، وما لحق ذلك من نظريّات سياسيّة، واجتماعيّة، واقتصاديّة، لا يمكن إسقاطها بحذافيرها على الحالة العربيّة دون نقد أو تمحيص لتلك النظريّات، وملاءمتها بحسب ما يقتضي الواقع العربي.

كلّ ذلك كان فيه شيء من الصحة، ولا يمنع من تطويع نظريّة ما حسب متطلّبات الواقع، وليس العكس؛ وكل ذلك لا ينفي أن يكون للنهضة العربيّة نموذجها الخاص بها، بالنظر إلى شروط النهضة العربية ومعيقاتها.

إذا ما نظرنا إلى معيقات النهضة العربيّة من زاوية الإطار الحاضن للتكوينات والطبقات الاجتماعيّة، وبما تتضمّنه من علاقات بينيّة- على المستويات السياسيّة  والاجتماعيّة  والاقتصاديّة- نتّجه بأنظارنا إلى الدولة القطريّة؛ فهذه الدّول القطريّة العربيّة عبارة عن كيانات سياسيّة سلطويّة/ متسلّطة، تحتكر النظم الحاكمة فيها (المتمثلة بالأشخاص) جميع مظاهر الحياة السياسيّة، بما يؤثّر على طبيعة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية لشعوبها، لكن هذا التأثير محكوم بسمتين أساسيتيْن تشترك فيها جميع النظم السياسية في العالم العربي؛ وهما التبعيّة والاستبداد.

التبعيّة تودي بالنظم السياسيّة العربيّة إلى فقدان استقلالية اتّخاذ القرار- خصوصاً في توجّهات سياساتها الخارجية- بالشكل الذي يصل في كثير من الأحيان إلى أنْ تكون القرارات ضدّ مصلحة الشعوب الخاضعة لسيطرة تلك الكيانات السياسيّة.

والاستبداد يعمل بدوره على تضييق المشاركة في المجال السياسيّ، والمشاركة غير الفاعلة، ولا الفعّالة على المستوى المدنيّ؛ ما يعيق ويصّعب ظهور حركات نهضويّة، وإن ظهرت، تقابلها الأنظمة السياسيّة العربيّة إما بالقمع، أو الإخضاع، أو الاحتواء؛ وتكون بذلك حالة النظام السياسيّ المعيق للتوجّهات النهضوية- وغيرها من المطالب- حالة ركود وليس استقرار، ما تلبث أن تتحوّل إلى فوضى أو صراع يستنزف تلك الدول القطريّة العربيّة.

ينتج عن التبعيّة والاستبداد انعدامُ وجود السيادة للكيانات السياسيّة السلطويّة في المنطقة العربيّة؛ وبانعدام السيادة- وهي المكون الجوهريّ الذي يجعل من دولة ما دولةً- يُطرح سؤال إجابته مسبقة حول ضرورة ومشروعيّة استمرار تلك الأنظمة في الحكم؛ والإجابة “المُسبَقة” بالتأكيد تنفي مشروعيّة وضرورة استمرار تلك الأنظمة، بحيث يكون من الضروريّ إسقاطها.

كما أنّ للنهضة شروطاً، وتناقضات ومعيقات أساسيّة وأخرى ثانويّة؛ فالسقوط للأنظمة العربية الحاكمة قد يكون له أولويّاته، وإن كان لا بدّ من وجود أولويّة تحكم السقوط؛ فالأنظار والأذهان لا بدّ أن تتوجّه لشبه الدول في الخليج العربيّ.

في الخليج العربي ما فيه من كيانات سياسيّة سلطويّة/ متسلّطة تختزل معيقات وشروط النهضة الأساسيّة الماديّة للأمة العربيّة، وفيما يخصّ شروط النهضة؛ يحتلّ الخليج العربية منطقة جغرافيّة استراتيجيّة بإشرافه على طرق التجارة الدوليّة، بالإضافة إلى ثروته النفطيّة، وموارده البشريّة.

ومن ناحية تبعيّة تلك المنطقة؛ فهي تدور في الفلك الأمريكيّ منذ نشأتها إلى الوقت الراهن، فالمعطيات الماديّة حول تبعيّة الخليج العربي وانعدام سيادة الأنظمة السياسيّة الحاكمة فيه؛ كوجود القواعد العسكريّة الأمريكية، وتبذير النفط، ونفوذ الشركات متعدّدة الجنسيّة تجعل من العائلات الحاكمة هناك كمبرادوريّة بامتياز؛ تعمل لصالح الغرب بما يحقّق مصلحتها الشخصيّة في المحصّلة، دون الالتفات للمصلحة العامة القوميّة، ولا حتى القطريّة.

ما يعمّق “أزمة الخليج” في أيّ نهضة عربيّة محتملة، هو احتواؤها على عامليْن شديدي التأثير على النظام القطريّ في الخليج، وعلى ما بعد حدود النظام القطريّ لشبه الدّول الخليجية: العامل الأول يتمثّل بالأيدي العاملة الآسيوية- غير العربيّة-  حيث إنّها أصبحت تشكّل قوة ضاغطة على شبه الدول الخليجيّة، بدعم من دولها الأم.

أبعد من ذلك، يعتبر البعضُ أنّ العمّال الآسيويين من غير العرب أداة من أدوات استعمار القوة الناعمة، بما في ذلك الخضوع لشروط دول العمّال الآسيويين الأمّ (من غير العرب)، وبما يتضمّن ذلك من إضعاف لدور الأيدي العاملة العربيّة المحليّة وغير المحليّة، وتفضيلهم على العاملين العرب في قطاع النفط وغيره من القطاعات الاقتصاديّة.

عدا عن أنّ تلك الأيدي العاملة الآسيويّة، تقوم بتحويل الأموال إلى خارج شبه دول الخليج العربيّ، ما يمنع إمكانيّة استثمار تلك الأموال في دعم نهضة عربية، ولا حتى تطوير فعليّ على مستوى كياناتها السياسيّة القطرية.

أما العامل الثاني؛ فيتمثّل بكون شبه دول الخليج العربيّ -السعوديّة تحديداً- حاضنة للفكر الأكثر تخلفاً ورجعيّة في تاريخ العرب، المتمثّل بالتيار الوهابيّ/ السلفيّ الذي ينعكس من خلال نمط الحياة الرجعيّ الذي تفرضه العائلة السعوديّة الحاكمة، ويقبل به المجتمع السعودي بشكلٍ أو بآخر.

ذلك الفكر الذي تنتجه وتصدّره السعودية تظهر ترجمته الدقيقة والحرفيّة في ممارسات “داعش” الإرهابيّة والدمويّة والهدّامة؛ والتي- بشكلٍ عام- بدّدت قدرة الخطاب الدينيّ المسيّس على معالجة الأزمات التي تواجه الأمة العربيّة.

يتبع ذلك- من معيقات أساسيّة لأيّ نهضة عربيّة محتملة-  أنّ شبه الدول الخليجيّة؛ السعوديّة وقطر خاصة، تعمل على إثارة النعرات الطائفيّة والترويج لها من خلال الإعلام، بالشكل الذي يجعل الطائفيّة نمط حياة، ومدخلاً لتكوين الآراء وإصدار الأحكام على الأحداث السياسيّة بتزييف الواقع وتمييع الحقائق. ذلك بالإضافةِ إلى كون الطائفيّة معيقاً أساسيّاً لأيّ نهضة عربيّة محتملة أو مرغوب فيها، وكونها أداة للتجزئة والانغلاق على المستوى القوميّ، وتزييفها الواقع في نظر الأجيال العربية الصاعدة؛  والتي من المنطقيّ أن تكون طليعة النهضة.

كلّ ذلك ينعكس سلباً حتى على المستوى القطريّ لشبه الدول الخليجيّة، كانغماس السعوديّة في حربها على اليمن، والتي عادت عليها بخسائر لا يمكن تجاهلها، ومواجهة أزمات اقتصادية كانخفاض سعر النفط، ما يفقد تلك الأنظمة- شيئاً فشيئاً- حالة الركود فيها، والاستعداد لمرحلة ما بعد الركود.

كان التركيز أكثر على الخليج العربي لاحتوائه على المعيقات الأساسية أمام النهضة للعربية، لكن من الخليج مروراً بالعراق وبلاد الشام ومصر والسودان، وصولاً إلى المغرب العربيّ؛ لا بدّ من سقوط الأنظمة السياسيّة الحاكمة فيها وفقاً “لمعادلة” السقوط والإصلاح؛ ففي بعض الأقطار العربيّة يبدو أنّه لا بدّ من سقوط الأنظمة الحاكمة وصولاً للإصلاح، وفي البعض الآخر لا بدّ من الإصلاح، بالشكل الذي يفضي فيه الإصلاح إلى سقوط تلك الأنظمة؛ تفادياً لتعميق المشهد العربي الدمويّ الرّاهن.

قد تكون النهضة العربيّة ضرباً من ضروب الخيال، وقصة العنقاء أسطورة متداولة عربيّاًّ، لكنّ الحقيقة الكبرى التي لا يمكن إنكارها هي الشعوب، التي لطالما أثبتت أنّها تستطيع حين تريد، وتجرؤ حين تريد، وإنّ إرادة الشعوب وتطلّعها نحو الانعتاق والخلاص من الاستبداد حتميّتان إذا ما صارت الكرامة الإنسانيّة على المحكّ بكلّ ما تحمل العبارة من معنى.