العودة إلى الميدان: حراك المحالين للتقاعد القسريّ وأزمة التمثيل النقابيّ

٠٥ أيار ٢٠١٨

للأسبوعِ الخامس على التوالي، وقف المعتصمون في ميدان محمود درويش، أمام مدخل مجلس الوزراء في رام الله. قبلها بأسبوعيْن كان العددُ أكبر، وشارك في الاحتجاج أطفال ومهرّجون معهم بالوناتٍ ملوّنة، في محاولة للفت أنظارِ الرأي العام لقضية قرابة مئتيْ موظف حكوميّ محالين للتقاعد المبكّر قسراً. لكن هذه المرة غابت أجواء الاحتجاج الحيّة، وحلّت مكانها ملامحُ الغضب الصارمة الصامتة.

"أيتها الحكومة الوطنية!"، صوت واحد يكسرُ صمت الميدان الذي غابت عنه حتى الشرطة، تلك التي حضرت بكامل تأهبها في الأسبوعيْن الأول والثاني. "أليس فيكم رجل رشيد؟ غداً ستقفون أمام الله وتجيبوا عن هذا الظلم!"، صوت خمسينيّ وسط الميدان شبه الفارغ بدا كصرخة مُعاتِبة دون صدى. العتب ذاته قد علا صوته في ميدان محمود درويش أيضاً قبل سنتين. حينها، كان المعلّمون قد أضربوا احتجاجاً على قرار  حكوميّ مسّ بمستحقاتهم المتراكمة على الحكومة، وكان اللوم موجّهاً إلى اتّحاد المعلّمين الذي أبرم صفقة مع الحكومة لإنهاء الاحتجاج، لم تلبّ مطالب المعلّمين. رفض المعلّمون الصفقة، فتحرك آلاف الفلسطينيين لنصرتهم، وغصّ ميدان محمود درويش بآلاف المحتجّين القادمين من أنحاء الضفة الغربيّة، رغم العوائق التي فرضتها الشرطة على مداخل رام الله، حتى سقطت الصفقة، وسقطت معها مصداقيّة الاتحاد، المؤسسة التي كان يفترض أنّها تمثّل المعلّمين وتدافع عن حقوقهم.

ديمقراطية التمثيل النقابي: راية لم تسقط بعد

عدد المتضرّرين من التقاعد المبكّر القسريّ، هذه المرّة، أقلّ بكثير من عدد المتضرّرين من قرارات الحكومة عام 2016، الأمر الذي لا يقلل من خطورة الإجراء، كونه صادر في هيئة "قرار بقانون مؤقت"، ما يعني أنّه يمكن تكراره في الأعوام المقبلة، ما يضع كلّ الموظّفين الحكوميّين في دائرة الاستهداف.

حتى الآن، تمّت إحالة 200 موظفٍ للتقاعد القسريّ المبكّر، 117 منهم من موظّفي وزارة التربية والتعليم، في غالبيتهم العظمى معلّمون. بعضهم كان له دور قياديّ في الحراك في عام 2016، ويعرف جيداً معنى الوقوف وحيداً في ميدان مطلبيّ، بمبادرة وتنظيم ذاتيّ، دون مؤسّسة توفر له غطاء نقابيّاً.

رجاء لحلوح، إحدى موظّفات وزارة التربية والتعليم المحالات للتقاعد قسراً، تعتبر أنّ قرار إحالتها للتقاعد جاء- بجزء منه على الأقلّ- عقاباً على دورها في حراك 2016. بالنسبة لها، إنّ موقف اتّحاد المعلّمين لم يختلف في حينها عنه اليوم. "الاتحاد عام 2016 وقف ضدنا وكان دوره سيء للغاية. اليوم لا يضطلع بمسؤوليته كما يجب. فهناك 117 موظفًا محالًا للتقاعد قسرًا يقعون ضمن مسؤولية الاتّحاد، لكن كل ما بدر عن الاتحاد هو بيان نُشر على موقعه، يدعو فيه كل من لديه مشكلة مع إحالته للتقاعد أن يتوجه للاتحاد، بدلاً من أن يبادر الأخير إلى تبني قضية هؤلاء المعلّمين والدفاع عنها". 

وقالت لحلوح إنّ الاتحاد بعث إليها شخصياً، وإلى غيرها من المعلّمين، برسائل شفهية، مفادها أنّ عليها أن تنتسبَ للاتحاد كي يتبنى قضيتها بشكل فرديّ. "دفعُنا للانتساب إلى الاتحاد بشكل فرديّ يعني إجبارنا على قبول النظام الحاليّ للاتحاد وإعطائه الشرعيّة، وبالتالي إنهاء قضية إصلاح آلية التمثيل في مجلسه، التي رفعنا لواءها قبل سنتين. ففي حينها اعترضنا على آلية انتخاب الممثلين في الاتحاد وطالبنا بتعديل بندين في نظامه الداخلي، يشترطان على من يريد أن يترشح لمجلس الاتحاد أن يكون منتسباً له لفترة طويلة، ما يحصر فرص التمثيل داخل المجلس على مجموعة محدودة، ما طالبنا به هو أن يسمح للجميع ولأي معلم أن يترشح". 

"نستدين مالاً للمشاركة في الاعتصام"

الانتساب مقابل التمثيل الفرديّ، يعتبره المحتجون إقصاءً لأكثر المعلّمين تضرراً ومعاناة في الحراك. فمعظم المحالين للتقاعد القسري حالياً لم ينتسبوا يوماً للاتحاد، بل إنّهم لم يشاركوا في أي إطار نقابي أصلاً.

وفاق صلاحات (40 عاماً)، عملت مدرّسة لمادة العلوم في نابلس مدة 13 سنة، وكان تقديرها "جيد" لأربع سنوات متتالية، ولم تنتسب يوماً لأي جسم نقابي. "كان راتبي 3000 شيكل، والآن فرض علي راتب تقاعدي مقداره 1500 شيكل، ولديّ التزامات بشيكات لمدة سنتيْن. ماذا يفترض بي أن أفعل؟". أتت صلاحات من نابلس خصيصاً للمشاركة في الاحتجاج أمام مجلس الوزراء، قائلةً: "بعضنا يستدين مالاً كي يشارك في الاعتصامات. لا نقابة ولا اتحاد يدعمنا. نحن نقوم على هذا الحراك بأنفسنا، ومن توفيراتنا الشخصيّة".

أما عن مطالبها، فتقول وفاق: "أريد العودة على رأس عملي. فأنا لم أنته من قدرتي على الخدمة بعد، ولا أريد ولم أطلب الإحالة للتقاعد".

غير أن المطالب نفسها تختلف من محتجٍ إلى آخر. فبالنسبة لمحمد الحسن، الإحالة للتقاعد تعني أكثر من مجرد الإضرار بوظيفته ومصدر دخله. هذا المعلم الذي تجاوز الخمسين وأحيل للتقاعد بعد 17 سنة من الخدمة، لا تكفيه العودة إلى رأس عمله: "لدي 5 أبناء أعيلهم جميعاً، منهم ابنتان ملتحقتان بالجامعة، وأدّت إحالتي للتقاعد إلى تقلّص دخلي من 4000 إلى 2000 شيكل. هذا امتهان لكرامتي لا يصحح بإلغاء قرار تقاعدي. أنا أطالب بمحاسبة كلّ المسؤولين عن هذه الإهانة". محمد الحسن لم ينتمِ يوماً لجسم نقابيّ أو للاتحاد، وبالتالي لا يعرف أحداً يمكنه أن يمثّل مطالبه. "لم أرَ أيّ دعم من أي جهة. ولن ننتظر أيّ جهة حتّى تتحرك. نحن ماضون في حراكنا بأنفسنا حتى النهاية".

تجاوزُ الأطرِ المؤسّساتية أمرٌ لا مفرّ منه؛ هذا ما يعتقده محمود زيادة، القيادي في اتحاد النقابات المستقلة، موضحاً: "نحن كنقابات أصدرنا موقفاً منذ اللحظة الأولى للأزمة، وأعلنّا عن وقوفنا إلى جانب الموظّفين. لكن حراك الموظفين يتجاوز دورنا كنقابات فعلاً". حتى مطالب الحراك، بحسب محمود زيادة، يصيغها الموظفون، لا النقابات: "نحن كنقابات طالبنا بتجميد القرار، لكن لكلّ من هؤلاء المتضرّرين قصة وقضية شخصيّة. لهذا فنحن نطالب اليوم برد الاعتبار وإعادة الكرامة، وهو مطلب يمثل إجراء مختلفاً بالنسبة لكلّ واحدٍ من المتضرّرين".

الحاجة لنقابة جديدة

من جانبها، تقارن رجاء لحلوح بين دور الأطر النقابية في حراك المعلمين قبل عامين وبينه اليوم، مشيرة إلى الحاجة إلى جسم نقابيّ جديد يساعد الموظّفين على تنظيم حراكهم: "في عام 2016 اتهمونا أنّنا نريد أن نهدم الاتحاد، لأنّنا باشرنا بإجراءات تشكيل نقابة جديدة للمعلّمين. لكنّنا كنا نريدها نقابة تحت ظلّ الاتحاد، كون الاتحاد ركيزة أساسيّة لمنظمة التحرير، كي لا نخرج من مظلّة المنظّمة، ولا نضطر للانتظار حتى يقبل أصحاب النفوذ في الاتحاد إصلاحه ديمقراطياً"، وأضافت لحلوح: "بادرنا في حينها بجمع توقيعات المعلّمين، والبحث عن مكان نعقد فيه اجتماعاتنا، ونعدّ قوائم انتساب. لكنّ التهديدات والاتّهامات من قبل الحكومة ازدادت في حينها وأدّت إلى تراجع عددٍ كبير من المعلّمين عن فكرة النقابة الجديدة". رغم ذلك، تزداد الحاجة إلى جسم نقابي جديد إلحاحاً، بحسب لحلوح، عاماً بعد عام. ورغم تضاعف أسباب الخوف عند كثير من المعلمين كما تقول، إلا أن التنظيم الذاتيّ للحراك الاجتماعيّ في أوساط المعلّمين لم يتوقف عن السير قدماً، وإن تباطأت وتيرته، مدفوعاً بقوة فراغ في ساحة الحركة النقابيّة، خلّفه عجزُ المؤسّسات القائمة عن أداء دورها. 

ورغم أنّ ميدان محمود درويش بدا يتيماً، فارغاً إلا من أصوات غاضبة قليلة، إلّا أنّ محمود زيادة يرى في المشهد شيئاً آخر، يصفه قائلاً: "هناك خبرة تتراكم بعد كلّ تجربة. خبرة تنظيم الحراك بشكل مستقلّ تكبر وتتعلّم من الأخطاء. ما دامت الحاجة موجودة؛ فستستمر هذه الخبرة بالتراكم، وحتماً ستؤتي نتائجها في المستقبل".