العيد لم يأتِ بعد

٠١ أيلول ٢٠١٧

سأل المحقق نعمان: "هل تعرفونه؟"

قالت  امرأة: "هو جاحظ العينين، أصمّ، أبكمّ، وعاقد الحاجبين على الدوام".

ردَّت أخرى: "رأيته منذ أسبوع قُربَ المسجد، كان يمشي متثاقلاً، يترنَّح يميناً ويساراً كمخمور، ويصدر أصواتاً كالعويل".

ضحك المحقق، ثم مشى خطوات قليلة مشيراً بإصبعه نحو رجلٍ عجوز جاثياً على قدميه، وقال:" أنت، قيل لي أنَّك صديقه، وصديقُك متهم بالتفكير فماذا تعرف عنه؟".
ردَّ العجوز:" وما أدرى الأصمّ الأبكمّ بالتكفير؟".

صاح المحقق: "التفكير أيها الأحمق، لقد كان يرى ما لا نرى، ويسمع ما لا نسمع، ويقول ما لا يقال".

  • ما أعرفه لن يفيد سيادتكم بشيء
  • فقط جاوب على السؤال، قال المحقق.
  • حسنا، كان عقيماً ولأجل ذلك رحلت عنه زوجتُه إلى حيث لا نعلم. كان يطرق بابي كلَّ مساء، وبعدما أفتح له الباب يمسك يدي ويقودني إلى بيته إلى أن يقف أمام مرآة بحجم الحائط، عندها يبدأ بالبكاء ثم يصدر أصواتاً غريبة، كأنَّه يستجدي أو يستنجد أحداً ما. في البداية ظننت أنَّه يحدّث شخصاً يراه ولا أراه فينتابني الذعر والخوف فأتركه وأخرج مسرعاً نحو بيتي.

سعل العجوز فحدّق به الحاضرون جميعاً.

طلب المحقق من الحضور مغادرة منزل المتهم، ولم يبقَ سوى رجال المباحث والعجوز. أكمل، قال المحقق:

  • قبل يومٍ من اختفائه طرق باب بيتي لأكثر من ساعة، لكنَّني لم أفتح له الباب.
  • ولماذا لم تفتح الباب؟، سأل المحقق.
  • لأنَّني لم أقوَ على النهوض من السرير، وليس لي سندٌ أو معيل، وصحتي كما ترى.
  • وما أدراك أنَّه هو؟
  • حفظت طرقاته كما حفظت ملامحه.

خرج إحدى رجال المباحث من غرفة المتهم مسرعاً، وقال: "سيدي لقد وجدنا هذه الورقة في بيت المتهم".

  • اقرأها، وبصوت مرتفع، قال المحقق.
  • ولكن سيدي..
  • قلت لك اقرأها لكي يسمع العجوز جاره الأصمّ الأبكمّ ماذا يقول

كانت الورقة تهتز بيديّ رجل المباحث وبصوته الجهور، قال: "تركتني زوجتي في يوم العيد الأول قبل ثلاثة أعوام، حينها بكيت لأجلها ولعقمي، ولم أفكر في البحث عنها. بعد عام رأيتها مصادفة تتجول في السوق ومعها طفل صغير، كان الطفل يشبهها كثيراً. تتبعت أثرهما إلى أن دخلت ومعها الطفل إلى منزل المحقق نعمان سيء السمعة، وبعدما تحريت عن السبب الذي جمعها بالمحقق، علمت أنَّها حملت منه بعد قصة غرام دامت لأكثر من ثماني سنوات.

المحقق مقاطعاً: "نعم أنا أنقذتها من هذا الوحش المريض، والآن أريد أعتقاله لأنقذ المجتمع من أفكاره المسمومة، تخيل أيها العجوز أنَّه يقول العيد لم يأتِ بعد، وأنَّ العيدَ حرام شرعاً إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً". وضع المحقق يداه على رأسه وطلب من رجل المباحث أن يكمل القراءة.

  • ولكن سيدي..
  • قلت لك أكمل!

مسح رجل المباحث العرق المتصبب على جبينه وخديه، ثم أكمل قائلاً: "العيد سيأتي بعد أسبوع، وسيصبح المحقق هو المتهم، وسأحقق العدالة لتعود للعيد هيبته. لقد كتبت بياناً باسمي ووزعته على بيوت الحيّ، وكانت فحواه أنَّ العيد حرام، وأنَّه لم يأتِ بعد، وكان الغرض من ذلك أن يأتي المحقق نعمان ورجاله إلى هذا المنزل لاعتقالي، لكنَّهم لن يجدوني، وسيعثرون على هذه الورقة، وعند انتزاعها عن العلبة السوداء ستبدأ القنبلة بالعدّ، وبعد عشر دقائق سيكون نعمان بالجحيم، أما أنا سأُتهم بالجنون، ولكن حتماً سأعود إلى أحضان زوجتي وإلى طفلها الذي يشبهها كثيراً.

ضحك المحقق بصوت مرتفع ثم قال:" هذا الأصمّ الأبكمّ لا يقوى على إنجاب طفل، فكيف له أن يدبّر هكذا أمر"، ولم يمضِ سوى ثوانٍ قليلة حتى انفجرت القنبلة ومات جميع من بالمنزل.