الفكر الطلّابي الفلسطيني في لبنان: ضرورة الانتقال من الفرديّة إلى الجماعيّة

٠٥ أيار ٢٠١٨

تتّفق الآراء على أنّ المرحلة التي تمرّ بها القضيّة الفلسطينيّة اليوم تُعدّ من أخطر اللحظات التي مرّت على مظلوميّة الشعب الفلسطيني المستمرّة منذ مائة عام. وليس من الجدوى تكرار الحديث عن أهميّة دور الشباب في النضال الفلسطيني، وهو الخطاب الذي تتبنّاه كلّ الفصائل الفلسطينية من أقصى يمينها إلى أقصى يسارها. لكن، وفيما كان دونالد ترامب يتحكّم بمصير شعب ووطنِ ومدينة كالقدس، برز مشهدٌ فلسطينيٌّ يختصر جزءًاً أساسياً من الأزمة التي يعيشها الشعب الفلسطيني بمختلف ساحاته. ففي الردّ على قرار ترامب، اجتمعت اللجنة المركزيّة لمنظّمة التحرير-أي الممثّل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني كما يدّعون- للبحث في سبل مواجهة مفاعيل القرار. وبرزت في الإعلام صورة تختصر أفقيّة للحاضرين، كان الشّيْبُ هو نجمها الأبرز. والشيب هنا ليس قياساً عُمرياً، إنّما مفهومٌ سياسيّ يعبّر عن احتكار فئة معيّنة للقرار الفلسطيني لعقودٍ طويلةٍ، وهو ما يشير إلى غياب دور الشباب في القرار السياسي الفلسطيني.

وهنا سؤالٌ بديهيّ: ما هي الأسباب الكامنة خلف غياب الدور الفاعل للشباب (وخصوصًا الطلاب) في القضيّة الفلسطينيّة؟ فيما يلي محاولة للإضاءة على هذه الأسباب من أجل تشخيص الواقع وتقديم الحلول العمليّة، وسيتّم اعتماد ساحة الشتات الفلسطيني في لبنان كنموذج يعبّر ولا يختصر ساحات الشتات الفلسطيني.

بدايةً، لا بدّ من الإشارة الى أنّ الواقع التعليمي (الثانوي والمهني والجامعي) في لبنان يعاني من أزماتٍ عديدة، أهمّها ضعف التعليم الرسمي مقابل احتكار التعليم الخاصّ لمصادر وأدوات ومناهج التعليم. ونظراً لغياب سياسة حكوميّة ومساءلة شعبيّة، ترتفع قيمة خدمات التعليم الثانوي والعالي في لبنان لأرقامٍ خياليّة تجعل العلم حِكراً على طبقاتٍ محدّدةٍ من الناس، فيما تضطرّ الفئات الأخرى الى "استدانة" التعليم في نظام اقتصادي يُفقر ويراكم الديون على شبابٍ من المفترض أن يكون العلم وسيلتهم للاستقلال الماديّ. وإذ تنطبق المعاناة في تحصيل العلم على الفلسطينيّين كما على اللبنانيّين، يُعاني الطلبة الفلسطينيون من انعكاس الوهن السياسي الفلسطيني على آليات وسقف نشاطاتهم، بالإضافة إلى غياب استراتيجيّة واضحة لهذا العمل.

بصورة عامّة، يعتمد معظم الطلبة الفلسطينيّين في لبنان على المنح التي تقدّمها جهات عديدة. من برنامج الاتّحاد الأوروبي في وكالة الغوث الدوليّة (UNRWA) وصولاً الى الـUSAID ومروراً بعددٍ من البرامج التي تقدّمها منظّمات غير حكوميّة، فضلاً عن المنح التي تحصل عليها الفصائل من عددٍ من الجامعات. نظراً لصعوبة الحصول على فرص التعليم، تقوم معظم الفصائل باستغلال "المقاعد" الممنوحة لها لجذب أكبر عدد ممكن من الطلبة الفلسطينيّين لإبقائهم ضمن المنظومة السياسيّة القائمة. وفي ظلّ غياب عمل سياسي فلسطيني حقيقي داخل المخيّمات، تضمن الفصائل تخريج "واجهات" متعلّمة تحمل الشهادات وتتحضّر للعب دور "النخبة" التي ستُكمل النهج القائم، محافظةً على العلاقة الزبائنيّة ما بين الفصائل و"جماهيرها". بالمقابل، تعمد برامج المنح الأجنبية إلى "تكبيل" الطالب الفلسطيني عبر سياسة التمنين وتكريس فكر الـNGOs في عقول الشباب. سياسة التمنين هي التذكير الدائم للطلبة الفلسطينيين ب"نُدرة" الفرصة التي يحظون بها للتعليم، وفي هذه السياسة تجهيل للواقع. فالتعليم هو حقّ أساسيّ لا منّة لأحد فيه، وتقديمه كمنّة هو أبشع أنواع الاستغلال والاستعباد البشري. ثانياً، إنّ الفرص "النادرة" التي يحصل عليها الطلبة الفلسطينيون في الجامعات لا تلغي حقيقة حرمان آلاف الشباب الفلسطينيين من حقّهم بالوصول إلى مصادر العلم. إضافةً إلى ذلك، تركّز هذه البرامج على انخراط الطلبة في "نشاطات مدنيّة" مما يساهم بتعزيز النهج "اللطيف" الذي يُريد العالم للفلسطينيين أن يتبنّوه في حياتهم، وذلك لمنعهم من التركيز على مبادئ الثورة والتحرّر والتحرير. فواجبك أن تخدم "المجتمع" بطريقة سلميّة وأن تتعلّم "التعايش" والانفتاح وإرضاء "المانح" الأبيض، ولا يجوز أن تنسى تقديم الشكر والامتنان ليلاً ونهاراً. وبالرغم من اختلاف البرامج، تقوم المنح القائمة على تعزيز فكرة اختصار القضيّة الفلسطينية بمصلحة الفرد على حساب الجماعة. إذ يتمّ تطويع الفرد للبحث عن مصالحه الفرديّة ضمن النظام القائم، مما يدفعه إلى الانغماس في المنظومة الاقتصادية التي لا تلتقي مع درب الثورة والتحرّر. كما وتُساهم الظروف الاقتصاديّة والسياسيّة الخانقة في تشجيع الهجرة العشوائيّة التي تساهم في تفريغ الساحة الفلسطينيّة من مواردها البشريّة مما يبقي جميع فئات الشعب الفلسطيني في دوّامة الحاجة إلى المساعدات الخارجية، وبالتالي الاستمرار في فخّ التبعيّة الاقتصاديّة والسياسيّة التي تمنع أي تغيير.

وبعيداً عن الأهداف المعلنة والمبطّنة لأصحاب المشاريع التعليمية، يظلّ غياب الفكر الجماعي لدى فئة كبيرة من الطلبة الفلسطينيين هو العامل الأساسي، وفي هذا السياق، تلعب الفصائل دوراً سلبياً. نتيجة الفشل والجمود السياسي الذي تعاني منه معظم الفصائل الفلسطينية، ينعكس غياب الوعي السياسي على واقع العمل الطلّابي. فتتحوّل آليات عمل الطلاب الى مجرّد شعارات "هوائية" لا تحمل أي قيمة فكرية أو سياسيّة، مثل شعار "الثبات على الثوابت"، والتي تنحدر إلى حد الاستحمار. وتحت هذه الشعارات، تتعاظم عقليّة الزبائنية والارتباط المصلحي بين الفصائل والطلبة، على قاعدة الاستفادة الشخصيّة. ولهذا، يفقد العمل الطلّابي الفلسطيني أي قدرة على التأثير، ويمسي مجرّد عنوان للسلطويّة الفلسطينية القائمة داخل المخيّمات.

في الختام، إنّ السؤال الأبرز الذي يطرحه عددٌ كبيرٌ من الطلاّب الفلسطينيين في لبنان هو سؤال:"شو طالعلي؟"، وهو اختصار للعقليّة الفرديّة التي تسود بين الطلّاب. لكنّ القضيّة الفلسطينية لن تخرج من أزمتها إلا بسموّ أبنائها وبناتها نحو العقل الجماعي الذي يطرح سؤال "ماذا نستطيع أن نقّدم لفلسطين؟".