الفن والتمويل :”وجهة سفر” نحو قطر

١١ حزيران ٢٠١٦

 

بدأت ألاحظ منذ بضع سنوات نزعةً عند بعض الأصدقاء لتبرير رداءة بعض النشاطات الثقافيّة والأعمال الفنيّة والإبداعيّة، بأنّها أعمال أو نشاطات غير ربحيّة أو مستقلّة أو غير مموّلة (وكأنّما الأعمال المموّلة والمدعومة ذات جودة أصلاً)، وقد يكون هذا سبباً حقيقيّاً في العديد من الأحيان؛ إلا أنّني بدأت ألاحظ نزعة أخرى لإنتاج أعمال ذات جودة سيئة (ومرات شلفقة)- عن سبق إصرار وتصميم- كي تكتسب مكانة “أعمال غير مموّلة” أو أعمال نقديّة أو إلى آخره من الصفات الكبيرة، وهذا يعني أنّ هذه الأعمال قد فقدت قيمتها الفنيّة لتكتسب قيمة “سياسيّة” مفترضة، (على فرض أن رفض التمويل بحدّ ذاته كافٍ ليكون موقفاً سياسيّاً جذريّاً، وبغضّ النظر عن المضمون والشكل الفنيّ والسياسيّ لهذه الأعمال).

والأهم من كلّ ذلك هو النقد؛ فإن كنّا حقاً نرغب في دعم هذه المبادرات التطوعيّة أو الرافضة للتمويل وصاحبة موقف سياسيّ جذريّ، علينا ألّا نخلق لهم الأعذار (الطبطبة)، بل أن نقدّم لهم من النقد اللّاذع ما يكفي لتغذية هذه التجارب، والحديث يطول في هذا الموضوع، ومع أنني أرغب الكتابة عنه منذ فترة؛ إلا أنّني لن أسهب كثيراً في هذا النص، فما أريد إيصاله هو مسرحيّة “وجهة سفر”.

إنّ المجانين الثلاثة: رنا برقان، وغسان نداف وابراهيم زهد؛ والذين أنتجوا هذا العمل، قرّروا أن يخلقوا مسرحاً لا عملاً سياسيّاً، ولكنّهم أدركوا أنّ المسرح هو فعل سياسيّ بحدّ ذاته، ولذلك كانت قيمة هذا العمل فنيةً في الأساس، ولكنّها سياسيّةً في الوقت ذاته، وعلى عكس الأعمال التي تحدّثت عنها في الفقرة الأولى؛ لم تكن قيمة هذا العمل بمجرّد أنّه عمل غير مموّل، بل كانت قيمته تكمن في أنّه عمل جيّد فنيّاً، وجاء بُعد التمويل ليعطيه قيمةً إضافيةً.

إنّ هذا العمل هو خطوة أولى في مسار خلقِ حالة ثقافيّة جديّة على الصعيديْن الفنيّ والسياسيّ، وأعتقد –بما أنّهم مجانين- أنّ هذا العمل سيكون مجرّد عملٍ أوليّ، وأنّ أعمالهم القادمة ستكون أكثر نضجاً، وستدعو الكثيرين لإعادة الاعتبار للجانب الفنّيّ في الفنّ، وستفتح آفاقاً أمام تجارب جديدة من هذا القبيل (كلّي أمل طبعاً).

ولكنّني لن أسهب في هذا الموضوع أيضاً، فأنا لست ناقداً مسرحيّاً، ولست حتى من هواة المسرح، ولكن ما أريد إيصاله أنّه يبدو أن هناك “مجانين” يسعون لبلورة حالة ثقافيّة جديدة، ولذلك أدعو مقاول استيراد المثقّفين ومسؤوله في قطر أن يسرّع في عمليّة شراء المثقّفين، وتحديد “وجهة سفرهم” نحو قطر في أسرع وقت ممكن؛ فهذا أفضل ما قد يفعله هؤلاء للثقافة الفلسطينيّةـ؛ أن يفسحوا المجال لتجربة ثقافية جديدة نقديّة تحررية جذريّة.